ضحايا غارات "أفريكوم"... صوماليون يدفعون ثمن الإرهاب مرتين

ضحايا غارات "أفريكوم"... صوماليون يدفعون ثمن الإرهاب مرتين

مقديشو
أحمد محمود جيسود
10 مايو 2021
+ الخط -

يكشف استقصاء "العربي الجديد" عن عدم احترام ضربات القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، لمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، المحدد في القانون الدولي الإنساني خلال عملها في مواجهة الإرهاب بالصومال.

- بترت قدم الثلاثينية الصومالية فاطمة سني، نتيجة إصابتها في غارة طائرة بدون طيار تابعة للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم USAFRICOM)، على بلدة بريري (تبعد 60 كيلومترا عن جنوب مقديشو)، وقعت في 26 أغسطس/آب من عام 2017، ومن وقتها لم تجد أي دعم أو مساندة من الجهات الحكومية في بحثها عن العدالة ومحاسبة المسؤول عن تدمير حياتها كما تخشى ضياع حقوقها في تعويض عما لحق بها هي وغيرها من ضحايا انتهاك القانون الدولي الإنساني في مناطق النزاع، وعدم اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين ومن بينهم الخمسيني عبدالرحمن محمد سعيد والذي أصيب في ضربة جوية دمرت حافلته ومصدر رزقه الوحيد، قرب مدينة أفجوي الواقعة في محافظة شبيلي السفلى جنوب البلاد، وقعت في 18 مارس/آذار 2019، كما يقول لـ"العربي الجديد". 

وأعلنت أفريكوم اكتمال انسحاب قواتها من الصومال في يناير/كانون الثاني الماضي، وهو ما يثير مخاوف الضحايا من عدم تحقيق العدالة والتحقيق في حوادث القتل والتعويض عن أضرار بعض الغارات التي يصل إجمالي عددها إلى 196 ضربة تمت منذ عام 2017 وحتى ديسمبر الماضي، باستخدام طائرات بدون طيار وأخرى مأهولة، بهدف تقويض قدرات حركة "الشباب" جنوب ووسط الصومال، وتركزت الضربات الجوية، على محافظات شبيلي السفلى وجوبا الوسطى وجوبا السفلى جنوب الصومال، حيث تنشط حركة الشباب، وتزايد معدلها بعد تولي دونالد ترامب السلطة، حسبما يقول عبد الله حسن، الباحث المعني بالصومال في منظمة العفو الدولية لـ"العربي الجديد".

تزايد المعدل السنوي لضربات أفريكوم خلال رئاسة ترامب

ويقدر مشروع الحروب الجوية AirWars، (يقيم ويوثق ادعاءات وقوع خسائر المدنيين بمناطق النزاع)، عدد القتلى والمصابين المدنيين ممن سقطوا نتيجة الغارات الجوية الأميركية التي بدأت منذ عام 2007، بين 70 و143 حالة، بينهم 72 ضحية محددة الاسم، وما بين 31 إلى 46 مصابا ومن 10 إلى 11 امرأة وما بين 18 و21 طفلا.

الإضرار بالمدنيين والبنى التحتية

ألحقت ضربات أفريكوم، خسائر فادحة بالمدنيين والبنى التحتية، كما يقول حسن، مضيفا أن الغارات الجوية، التي تقتل وتجرح المدنيين، وتدمر المزارع وقنوات الري، وتزيد من النازحين داخلياً، ليست هي الحل لإضعاف حركة الشباب، مشيرا في مقال نشره على موقع العفو الدولية إلى أن نتائج التحقيق في "تسع ضربات جوية أميركية فقط منذ عام 2017، خلصت إلى مقتل 21 مدنياً وإصابة 11 آخرين، وتنتهك تلك الضربات القانون الدولي الإنساني، إذ تقاعست (أفريكوم) عن اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنيب المدنيين، وفي بعض الحالات استهدفت بشكل مباشر أشخاصا حددتهم منظمة العفو الدولية بأنهم مدنيون.

ومن الضربات التي حققت فيها منظمة العفو، "استهداف محمود صلاد (50 عاما) بضربة جوية في مزرعته بمدينة جـِلـِب في إقليم جوبا الوسطى جنوب الصومال في 25 فبراير/شباط 2020، ويُصر أقاربه وزملاؤه على أنه كان مجرد رجل أعمال، يعمل في شركة هرمود للاتصالات، كما عمل ودعم أنشطة المنظمات الإنسانية أيضا، ووصفه شيوخ العشائر بأنه أحد أكثر أعضاء مجتمعهم إنتاجاً، وهي تفاصيل تأكدت منها منظمة العفو الدولية، بخلاف ما قالته أفريكوم بأنه كان أحد عملاء حركة الشباب"، ويرد ابن عمه، عبدالفتاح بري، قائلا لـ"العربي الجديد" :"لا وجود لأي صلة بين محمود وحركة الشباب، محمود كرّس حياته لخدمة وطنه وشعبه، إذ عمل مع منظمة أطباء بلا حدود العالمية".

تتشابه تلك الوقائع مع حادثة استهدفت فيها حافلة بضربة جوية نفذتها القوات الأميركية في العاشر من مارس 2020 قرب بلدة جنالي في شبيلى السفلى، قتل فيها 6 ركاب، بينهم طفل، وفق شاهد العيان علي عيسى إبراهيم، والذي كان يقف بالقرب من موقع القصف، وأصيب بجروح طفيفة ناتجة عن شظايا الصاروخ، ويعاني حاليا من مشاكل صحية ونفسية ناجمة عن الضربة، خاصة أنه لم يعد يسمع جيدا بسبب الانفجار، كما يقول لـ"العربي الجديد".

وتقع الحوادث السابقة بسبب أخطاء، نتيجة معلومات غير دقيقة، مثل مجزرة بريري في شبيلى السفلى والتي خلفت عشرة قتلى في أغسطس/آب 2017، كما يوضح الناشط الحقوقي مصطفى أحمد نور، مؤسس مركز المستقبل للحوار والدراسات، ويتفق معه عبدالرحمن سهل يوسف، الخبير في الشؤون الأفريقية والمدير السابق لمركز الإرشاد لمعالجة الغلو والتطرف، قائلا لـ"العربي الجديد":"مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين محدد في القانون الدولي الإنساني والذي تؤكد القاعدة الأولى منه، "ضرورة تمييز أطراف النزاع في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وتوجّه الهجمات إلى المقاتلين فحسب، ولا يجوز أن توجّه إلى المدنيين".

اعتراف أميركي جزئي

تقر أفريكوم بتنفيذ 52 ضربة في الصومال خلال عام 2019، و63 غارة في عام 2018، وقبلها 47 ضربة، لكنها لا تعترف سوى بمقتل خمسة مدنيين صوماليين وإصابة ثمانية آخرين خلال أربعة غارات منذ أبريل/نيسان 2018 حتى 17 فبراير/شباط 2020، بحسب رد اللفتنانت كريستينا إم جيبسون، المتحدثة باسم قيادة أفريقيا في الجيش الأميركي (أفريكوم)، ونائبة رئيس شؤون العلاقات العامة على أسئلة لـ"العربي الجديد" عبر البريد الإلكتروني، مؤكدة على القيام بأربعة تقييمات مؤكدة للخسائر المدنية، وأضافت: "بعد تقييم شامل اعتمد على الحقائق والظروف التي أعقبت غارة جوية في أبريل 2018، تأكدت أفريكوم من صحة مقتل مدنيين اثنين في مدينة عيل بور وسط الصومال، ومقتل اثنين آخرين وإصابة ثلاثة في غارة جوية يوم 23 فبراير 2019 في كونيو بارو شمالي بلدة كيسمايو، ومقتل مدني وثلاثة مصابين بغارة جوية في جـِلـِب، في الثاني من فبراير 2020، وفي السابع عشر من الشهر ذاته أصيب اثنان من المدنيين في غارة جوية بجـِلـِب".

لكن كيف تبرر أفريكوم الفارق الكبير بين عدد الضحايا المدنيين الذي توصلت له وتوثيق المنظمات الحقوقية؟، ترد اللفتنانت إم جيبسون: "تستند جهود جمع المعلومات التي تبذلها القيادة الأميركية في أفريقيا إلى مصادر استخباراتية موثوقة غير متاحة للجمهور للحفاظ على أمن العمليات. قد يؤدي هذا في النهاية إلى تصور التناقضات بين نتائجنا وتلك التي توصل إليها الآخرون"، مضيفة أن القيادة الأميركية في أفريقيا تقوم بعمل استخباري شامل ومتعدد التخصصات لتقييم الأضرار الجانبية قبل القيام بأي غارة جوية.

الصورة
رد

ويشمل ذلك اعتبارات تأثير الأسلحة، والتحديد الإيجابي لـ"الهدف" وبدائل العمل المباشر، وتابعت:" تلتزم جميع غاراتنا الجوية، بالقوانين والمعاهدات الأميركية والدولية المعمول بها، وفي الحالات التي يحتمل وقوع خسائر مدنية، تقوم القيادة الأميركية في أفريقيا بتقييم شامل لما بعد الضربات لتعزيز الشفافية والمساءلة، والحماية من العواقب غير المقصودة".

حرمان من العدالة

"يتعين على قيادة القوات الأميركية وقوات الحكومة الصومالية إعادة النظر في الضربات الجوية ضد المدنيين العزل، واتخاذ خطوات إضافية والعمل على التأكد من أن ضحايا الانتهاكات وعائلاتهم سيحصلون على العدالة والإنصاف والتعويضات عما لحق بهم من أضرار وخسائر مالية جسيمة نتيجة الغارات الجوية"، حسبما يقول عبد الرحمن عيسى علي، خبير القانون الدولي، ومدير سابق لمنظمة كالو للمساعدة والتنمية KAALO Aid and Development (غير ربحية تعمل في مجال الإغاثة وإعادة التأهيل والتنمية) لـ"العربي الجديد". 

لكن أفريكوم "لم تقدم تعويضا لأي من العائلات أو الضحايا"، حسب تأكيد تقرير "الصومال: يجب ألا تتخلى الولايات المتحدة عن ضحايا ضرباتها الجوية من المدنيين بعد انسحاب قواتها" الصادر عن منظمة العفو الدولية في السابع من ديسمبر الماضي. ومنهم كوسو عمر أبوكار الذي تعرض منزله في منطقة في جـِلـِب لغارة جوية أميركية في الثاني من فبراير 2020 وقتلت ابنته نورة (20 عامًا) وأصيبت والدته الثمانينية خديجة محمد جيدو، واثنان آخران، وما زال ينتظر العدالة، كما يقول قريبه محمد عثمان، المحرر في وكالة الأنباء الوطنية الصومالية، مضيفا لـ"العربي الجديد": "رغم مرور أكثر من عام على الواقعة، التي اعترفت بها القوات الأميركية لم يحاسب أي مسؤول ولم نجد أي وعود بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن الغارة".

وتعترف اللفتنانت إم جيبسون بعدم تعويض الضحايا، قائلة: "في الوقت الحالي لم يتم سداد أي مدفوعات". وتستدرك "في الحالات التي تم فيها إثبات الخسائر في صفوف المدنيين، قيادة أفريقيا في الجيش الأميركي أمرت بتقييم الأمر، وتحديد ما إذا كان سيتم تقديم دفعة مالية لكل حالة على حدة"، مشيرة إلى أن القيادة الأميركية في أفريقيا تتبع لوائح وزارة الدفاع الخاصة بمدفوعات مالية تقدم للتعزية ولإبداء التعاطف (الإصابة الناجمة عن العمليات العسكرية بتاريخ 22 يونيو/حزيران 2020) وتابعت:" نأخذ في الاعتبار العوامل ذات الصلة مثل نصيحة مسؤولي الدولة المضيفة وما ينتج عن اجتماع ممثل الولايات المتحدة معهم".

 مقتل مدنيين وخسائر جسيمة بسبب الغارات الجوية

لكن دور مسؤولي الدولة المضيفة يغيب تماما، إذ تقدم طاهر محمد علي الأمين العام لنقابة المحامين الصوماليين، بخمس شكاوى إلى محكمة إقليم بنادر، لكن إجراءات التحقيق لم تكتمل بعد، كما يقول لـ"العربي الجديد"، مؤكدا على عدم وجود وعود ملموسة من أفريكوم بالعدالة لضحايا الغارات الجوية من المدنيين، ومن بينهم فاطمة سني التي تأمل في أن تستمع أفريكوم لمطالب الضحايا العادلة وتعويضهم عن الأضرار والخسائر الجسيمة.

ذات صلة

الصورة
لبس العيد للأيتام.. مبادرة لإدخال بهجة العيد على أطفال الصومال

مجتمع

أطلقت منظمة "اداح" في العاصمة الصومالية مقديشو، مبادرة لتجهيز ملابس العيد، وتوزيعها على المحتاجين، ولا سيما الأيتام، لإدخال بهجة عيد الفطر على نفوسهم.
الصورة
رمضان في الصومال (العربي الجديد)

مجتمع

تحرص جمعية "شباب الصومال"، على مواصلة عملها خلال شهر رمضان، وإن بطريقة مختلفة اقتصرت هذا العام على توزيع "شنط رمضانية"، بدلا من تقديم وجبات إفطار للصائمين المحتاجين، تجسيدا لقيم الرحمة والتكافل المجتمعي.
الصورة
صومال1

تحقيقات

استنزفت الحرب في سورية قطاعها الصحي المنهك على مختلف المستويات، لكن أخطرها فقدان الكوادر التي قتل النظام وحلفاؤه الروس 846 منها، وفاقمت الأحوال المتردية الظاهرة، ليعمل من تبقى منهم على البحث عن حياة أفضل في الصومال
الصورة
السمسم

اقتصاد

في أحد أحياء جنوب العاصمة الصومالية مقديشو، يعكف الشاب العشريني ديق موسى، على إنتاج زيت السمسم في معصرة تقليدية تعود إلى 200 سنة، يجرّها جمل، في محاولة منه للحفاظ على التراث الشعبي. فماذا تعرف عن هذه المهنة وتاريخها العريق؟