ضحايا التحديث... مصادرة موائل السكان الأصليين في الهند

24 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 11:45 (توقيت القدس)
لم تفِ الحكومة بوعودها لتعويض السكان الأصليين، أوديشا، 17 مارس 2025 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يشبّه السكان الأصليون في الهند معاناتهم بمعاناة الفلسطينيين، حيث تُنتزع أراضيهم قسراً وتُدمّر موائلهم وهويتهم التاريخية، مع تجاهل إعلامي لمعاناتهم ووصمهم بالإرهاب عند الدفاع عن أراضيهم.

- يشكل الآديواسيون 8.6% من سكان الهند ويعيشون على 22% من مساحتها، ورغم الحماية الدستورية، تتعرض حقوقهم للتقويض عبر قوانين تتيح مصادرة أراضيهم لصالح مشاريع تنموية، مما يؤدي إلى تهجيرهم دون تعويضات عادلة.

- بين عامي 1947 و2004، هُجر 28.2 مليون آديواسي بسبب مشاريع تنموية مثل السدود والبنية التحتية، ويستمر التهجير مع تهديد بيئتهم الطبيعية، لكنهم يتمسكون بهويتهم ويقاومون سياسات الإجلاء.

يشبّه السكان الأصليون في الهند معاناتهم بمعاناة الفلسطينيين، إذ تنتزع الحكومة أراضيهم قسراً وتطردهم منها مدمرة موائلهم بما تعنيه من هوية وتاريخ لا يلقي لهما صانع القرار بالاً، بذريعة تحديث لا يتم إلا على حسابهم.

- تُشبّه سوني سوري، الناشطة الحقوقية الهندية المنتمية إلى السكان الأصليين، معاناتهم بما يعيشه الفلسطينيون في قطاع غزة، إذ يتكرر استيلاء الحكومة على أراضيهم وإفراغها من أهلها، قائلة: "تتعرض قبائل الآديواسي لتهجير قسري متواصل، تحت شعارات تستخدمها الدولة، مثل المصلحة الوطنية والتنمية، لتبرير مصادرة أراضيهم في القرى والغابات التي يعيشون فيها وتعدّ العمود الفقري لحياتهم كونها تشكل المصدر الأساسي لمعيشة ثلثيهم".

تستدرك سوري بأنّ الفارق بين غزة والهند هو أنّ "القنابل لا تسقط من السماء لتبيد السكان كما في القطاع المحتل، لكن معاناة السكان الأصليين في الوقت ذاته لا تهتم بها شاشات التلفزيون"، متابعة بمرارة: "نطرد من أراضينا، وتنتزع قرانا، ويوصم أبناء مجتمعاتنا بالإرهاب أو التمرد، ثم نواجه إما الرصاص أو السجون إذا رفضنا التخلي عن أرضنا، علاوة على ذلك، معسكرات الجيش تنتشر في مناطقنا، وهذه الأفعال الإجرامية جعلتنا نشعر بمعاناة أهالي فلسطين رغم اختلاف التاريخ وبعد الجغرافيا لكننا جميعا نشترك في الدفاع عن حقنا في البقاء".

"في الوقع الأرض بالنسبة للسكان الأصليين في الهند هوية وتاريخ"، كما تؤكد المؤرخة سانغيتا داس غوبتا، الأستاذة المساعدة في جامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي، والمختصة في دراسات القبائل والتاريخ البيئي والإثنوغرافيا الاستعمارية.

 

إرث ممتد للكفاح ضد انتزاع الأرض

تقدر نسبة الآديواسيين بـ8.6% من سكان البلاد، أي ما يقارب 104 ملايين نسمة، وسُجلت 730 جماعة منهم ضمن فئة القبائل المدرجة Scheduled Tribes، وهو مصطلح يشير إلى المجتمعات المشمولة في المادة 342 من الدستور الهندي باعتبارها فئات مهمّشة تستحق حماية خاصة ودعماً حكومياً، وتمنحها حق الاستفادة من ضمانات دستورية تشمل الحصص في التعليم والتوظيف والتمثيل السياسي، بحسب تقرير بعنوان "مراجعة نهاية العام 2022: وزارة شؤون القبائل"، الصادر عن وزارة الشؤون القبلية في ديسمبر/ كانون الأول 2022. ويعيش هؤلاء على 22% من المساحة الجغرافية للهند، موزعين على 26 ولاية وستة أقاليم فيدرالية، وتتركز أعداد كبيرة منهم في ولايات مثل ماديا براديش، ماهاراشترا، أوديشا، راجستان، تشاتيسغره، جهارخاند وغوجارات، بينما تسجل ولايات شمال شرقي الهند، مثل ميزورام وناغالاند وميغالايا وأروناشال براديش وتريبورا، أعلى نسب السكان القبليين مقارنة بإجمالي عدد السكان.

لكن مفهوم الآديواسي لا يقتصر على التصنيف الإداري، بل يرتبط بسردية سياسية وهوية تاريخية، وفق ما قالته غوبتا، في حديثها لـ"العربي الجديد"، مشيرة إلى أن مصطلح آديواسي يعني حرفياً السكان الأصليين، وظهر لأول مرة في سياق سياسي عام 1938 مع تأسيس جمعية آديواسي في ولاية جارخاند، إذ منح المصطلح المجتمعات القبلية هوية جامعة، وسلط الضوء على تاريخ طويل من مقاومة انتزاع الأراضي والاستغلال الاقتصادي خلال الحقبة الاستعمارية وما بعدها، أي أنهم ليسوا كتلة واحدة، بل مجتمعات متعددة تتحدث لغات متنوعة وتنتمي إلى خلفيات تاريخية متباينة.

غير أنّ حقوقهم الأساسية تعرضت للتقويض عبر قانون الاستحواذ على الأراضي لعام 1894 الذي بات أداة قانونية لانتزاع أراضي وموارد ملايين الآديواسيين، موفراً للحكومة الإطار القانوني لوضع اليد على أملاكهم تحت ستار المنفعة العامة، إذ يتيح لها إصدار إعلان رسمي يفيد بأن الأرض مطلوبة لغرض عام، كما يمكنها وفق القسم 17 منه من الاستيلاء الفوري على الأراضي متجاوزة أي إجراءات، وغالباً ما تلجأ إلى هذا لتنفيذ مشاريع التنمية واسعة النطاق، بحسب الباحث البيئي آشش كوثاري، مؤسس ومدير منظمة كلباركش (بيئية غير حكومية)، والذي يرصد من خلال عمله تزايد حوادث مصادرة أراضي الآديواسيين منذ عام 2010 مقابل تعويضات لا يمكن اعتبارها عادلة لصالح مشاريع تتوزع في قطاعات واسعة مثل: الصناعة، محطات الطاقة الحرارية، مشاريع الأنهار والسدود، تعدين الفحم، البنية التحتية، إلى جانب المشاريع النووية والدفاعية.

 

مسلسل التهجير لم يتوقف

بين أعوام 1947 و2004 هُجر 28.2 مليون آديواسي من أراضيهم وجرى تدمير نمط حياتهم، وبين عامي 2001 و2002 سُجلت 60.464 قضية تتعلق بنقل غير قانوني لنحو 85.777 فداناً من الأراضي إلى شركات ومقرضي الأموال للحكومة، عبر معاملات احتيالية أو بالإكراه أو من خلال التلاعب بالسجلات، فيما شهدت الفترة بين 2003 و2008 تسجيل نحو 15 ألف حالة جديدة، بحسب بيانات نشرتها مؤسسة الدراسات الزراعية (بحثية) تحت عنوان "أسر القبائل المجدولة: ملاحظات حول قضايا سبل العيش". وهو ما تؤكده الأكاديمية غوبتا قائلة إن تسارع الاستيلاء على أراضي الآديواسيين منذ الاستقلال وحتى اليوم، يعتمد على ثلاثة أساليب رئيسية: قانوني، وغير قانوني، وقسري.

تكمل بريندا كارات، النائبة السابقة في البرلمان الهندي، ومعدة ورقة بحثية بعنوان :"أسر القبائل المجدولة: مذكرة حول قضايا سبل العيش" عام 2014، فكرة غوبتا، قائلة في حديثها لـ"العربي الجديد" إن عمليات نقل الملكية غير القانونية لا تعني شراء غير منصف من القبائل فقط، بل تندرج ضمن أشكال نزع الملكية القسري، لأنه من النادر أن تحصل المجتمعات القبلية على تعويضات عادلة، موضحة أن مصادرة أراضيهم حدثت بوسائل متعددة، أبرزها استحواذ الدولة، وإساءة استخدام قوانين الإيرادات والغابات، وفساد مسؤولين، وتؤكد أن الأمر لا يقتصر على مشاريع التنمية وحدها، بل إن العنف والصراعات المسلحة لعبت دوراً كبيراً في تعميق الأزمة، عبر النزوح، وتدمير الموائل الطبيعية، وتآكل الثقافة التقليدية، وتعطيل سبل العيش. وبحسبها، فإن تداخل الصراعات مع مشاريع التنمية واستغلال الثروات المعدنية فاقم هشاشة القبائل، بخاصة في ولايات مثل تشاتيسغره وأوديشا وجارخاند الغنية بالمعادن، وهو ما يهدد بالقضاء على ثقافتهم واستقلالهم وهويتهم التاريخية.

 

استديوهات تصوير الأفلام تستولي على الأرض

يواجه الخمسيني لادكيا داولي مرحلة بالغة الصعوبة بعدما هدمت سلطات بلدية مومباي الكبرى منزله الموروث عن والديه في حي مايور ناغار داخل غابة آري في مدينة مومباي بولاية ماهاراشترا، غرب الهند، في 25 مارس/ آذار 2025، والأنكى أن العملية لم تقتصر عليه وحده، إذ طاولت 13 منزلاً آخر، تعود ملكيتها لأسر تتحدر من قبائل آديواسية، ضمن الموجة الثانية من عمليات الإخلاء في قرية جاويجا بارا التي تعد واحدة من 27 قرية صغيرة في غابة آري يسكنها السكان الأصليون، بعدما دمرت السلطات ما بين 40 و45 متجراً ومنزلاً عام 2023، ثم استأنفت الأمر في السادس من يونيو/ حزيران 2025 لإنشاء مدينة أفلام سينمائية جديدة، وهو مشروع ترافق مع استحواذ واسع على أراضي الآديواسيين وتصاعد الضغوط عليهم لمغادرة قراهم، كما تؤكد بيبي مالي، المنتمية إلى واحدة من الأسر المتضررة، مضيفة أنّ الأراضي المستهدفة التي أقيم عليها المشروع تعود إلى 42 عائلة آديواسية.
الصورة
هدم غابات آري في الهند (العربي الجديد)
هدم وتهجير السكان الأصليين من قرى في غابة آري (العربي الجديد)
ويؤكد السكان المتضررون أنهم لم يحصلوا على أي تعويض من الحكومة، ولم يُعرض عليهم أي برنامج لإعادة إسكانهم، إذ يقول داولي إنه تلقى وعوداً بالحصول على منزل لكن دون أي مستند رسمي يثبت ذلك، وبعد مرور ستة أشهر، لم تفِ الحكومة بوعدها ولم توفر له أرضاً أو سكناً، وما بدأ هدماً محدوداً تحول الى عملية إخلاء قسرية.

ومع تصاعد تدخل الشركات في المنطقة، فقدت العائلات القبلية تدريجياً حقها في الأرض التي كانت تعتمد عليها مورداً للعيش كما يوضح سوفارنا بادفي، أحد سكان قرية مورشا بارا في مدينة مومباي، مضيفاً أن 40 عائلة من أبناء القبائل كانت تزرع "وادي سلطنت" الواقع داخل مدينة السينما (Film City)، وخلال بقية العام، كانت نعتمد على أشجار الوادي وما تجود به من ثمار، لكن الآن، دمرت شركة الأفلام كل شيء.

وتقع مسؤولية بناء المشروع على عاتق "موسسة دادا بهائي فالكيه شترناجري"، وهي شركة أفلام تابعة لحكومة ماهاراشترا تختص بتوفير الاستديوهات والمواقع ومرافق الإنتاج لصانعي الأفلام، وقد حصلت على تفويض رسمي من الحكومة لإدارة المشروع. وبحسب رواية داولي، فإن المؤسسة تحاول شراء أراضي الآديواسيين باستمرار، وإذا فشلت تلجأ إلى أساليب أخرى، مثل إزالة الغابات بحجة تصوير الأفلام، ليجد الأهالي عند تقديم شكواهم أن الأرض أصبحت تحت سيطرتها. وللرد على ما سبق، تواصل "العربي الجديد" مع المؤسسة، التي قالت على لسان المدير المشارك برشانت ساجانكار إن الحكومة خصصت الأرض لهم، وحصلوا عليها بطريقة قانونية، أما وادي سلطنت واقع داخل الحدود الموجودة على الخرائط المساحية، وبالتالي فهو ملك لنا".

الحكومة ماضية في سياستها

ما يزيد الوضع تعقيداً أن الأهالي لا يملكون أي مستندات تثبت حقهم في الأرض، وفق حديث بادفي: "نحن نعيش في الغابة، عاش والداي وأجدادي وأسلافي جميعاً هنا، لكننا لا نملك أي أوراق رسمية تثبت ذلك".

لذلك، تتصاعد الإجراءات  الحكومية، إذ وافقت على 519 مشروعاً خلال الفترة بين الأول من يناير/ كانون الثاني 2024 والحادي والثلاثين من ديسمبر 2024، بحسب التقرير السنوي لوزارة البيئة والغابات وتغير المناخ الهندية MoEFCC لعام 2024/ 2025، وهو ما يعكس، بحسب كوثاري، تسارع وتيرة الاستيلاء على الأراضي.

الأخطر من ذلك أن الوزارة استثنت مقترحات التعدين المتعلقة بالمعادن الذرية والحيوية والاستراتيجية من نطاق المشاورات العامة، مبررة ذلك بـ"متطلبات الدفاع والأمن الوطني والاعتبارات الاستراتيجية". ويعني هذا عملياً، إلغاء حق المجتمعات المحلية في الاعتراض وتسريع إجراءات منح التراخيص، بما يفتح الباب واسعاً أمام استغلال الأراضي على حساب السكان الأصليين والبيئة.

وأضاف أن بعض المشاريع تكشف حقائق مريرة، وأحدثها: مشروع جزر نيكوبار الكبرى الذي بدأ عام 2023 بقيمة 780 مليار روبية (8.6 مليارات دولار) ويشمل محطة حاويات دولية، مطاراً مزدوج الاستخدام، مدينة جديدة، ومحطة طاقة شمسية، ويتطلب قطع غابات بمساحة 130 كيلومتراً مربعاً، وهي مناطق محمية لقبائل شومبين في جزيرة نيكوبار المصنفة ضمن المجموعات القبلية الضعيفة (PVTGs)، وتواجه اليوم خطر الإبادة الجماعية بسبب المشروع التنموي الضخم. ومشروع سد بولاروم على نهر جودافاري الذي يصب في خليج البنغال: أكبر سد متعدد الأغراض في ولاية أندرا براديش لتوفير المياه والكهرباء، الذي سيؤثر على أكثر من 150 ألف شخص، معظمهم من القبائل المدرجة وذلك بغمر 100 ألف فدان بالمياه. وكذلك مناجم الفحم في غابة Hasdeo Arand في ولاية تشاتيسغاره، وهي مشاريع مفتوحة في أكبر غابات الولاية الطبيعية حيث يهدد التعدين تدمير أكثر من 1700 هكتار من الغابات التي يسكنها الغوند، الأورون، وقبائل أخرى. أما مشروع قطار الرصاصة بين مدينة مومباي وأحمد آباد (بدأ في 2017 وحتى الآن) بطول 508 كيلومترات، بالتعاون مع اليابان، في منطقة بالغار بولاية ماهاراشترا ذات الأغلبية القبلية، فقد صادر أراضي المزارعين وحياتهم.

تؤكد المنظمة الدولية Indigenous and Community Conserved Areas Consortium (غير حكومية)، ويقع مقرها الرئيسي في جينيف بسويسرا، في تقرير بعنوان "البيان الدولي لإدانة تصاعد العنف الحكومي ضد مجتمعات الآديواسي الأصلية في باستار، تشاتيسغاره، الهند" أن عمليات تهجيرهم تتم على مستوى الدولة عبر وجود عسكري كثيف يسهّل بشكل غير مباشر أنشطة التعدين لشركات مشتركة بين القطاعين العام والخاص. وتعد ولاية تشاتيسغاره الأكثر تضرراً من هذه الحالة، وفي وتطور آخر مقلق تخطط حكومة تشاتيسغاره للحصول على 54.543 هكتاراً من غابات أبوجماد في باستار لصالح تدريبات الجيش الهندي، مما سيؤدي إلى تهجير حوالي عشرة آلاف من سكان الآديواسي من 52 قرية. 

السدود والبنية التحتية

يقدّر آشيش بيرولي، المؤسس المشارك لمبادرة حياة الآديواسيين مهمة (تهدف إلى تمكينهم من مشاركة قصص رقمية حول ثقافتهم ولغتهم وتقاليدهم وقضاياهم)، أن ما بين 1.5 ومليونين من السكان الأصليين في الهند نزحوا بسبب مشاريع التعدين والسدود والبنية التحتية تحديدا. مثلا بناء سد سردار ساروفار في ولايتي غوجارات وماديا براديش وحده أدى إلى تهجير أكثر من 200 ألف شخص بحلول عام 2024. وفي تشاتيسغاره، سبّبت مشاريع التنمية نزوح الآلاف، بينهم أكثر من 700 أسرة تضررت في منطقة غابات هاسديو أَرند في ولاية تشاتيسغاره. أما في ولاية أندرا براديش، فقد أدى مشروع سد بولافارام إلى اقتلاع أكثر من 100 ألف شخص قبلي من 276 قرية عام 2023، ووفقاً للبيانات التي ترصدها المبادرة فإن كل سد كبير يؤدي في المتوسط إلى تهجير أكثر من 44 ألف شخص جُلّهم من القبائل الآديواسية.

الصورة
أحد السكان الأصليين في الهند (العربي الجديد)
أحد المتضررين من مصادرة الأراضي لصالح مشاريع الطرق السريعة (العربي الجديد)

وتهجير هؤلاء جاء بهدف التنمية الاقتصادية التي شكّلت أولوية قصوى بعد الاستقلال، بحسب "دراسة حول مشاريع التنمية والقبائل النازحة وظروفها المعيشية"، أعدها باحثون تحت إشراف الدكتور أخيلا ب. أوتا (Akhila B. Ota) الذي شغل منصب المفوّض والمدير لمعهد أبحاث وتدريب الطبقات والقبائل المُجدولة التابع لحكومة ولاية أوديشا من ديسمبر 2015 إلى سبتمبر/أيلول 2022، ووفقاً للبيانات الرسمية التي استندت إليها الدراسة، يوجد في الهند 5254 سداً كبيراً قيد التشغيل حالياً، وأخرى قيد الإنشاء، وحتى 31 مارس 2023، سُجل 2995 عقد إيجار للتعدين تغطي 293.812 هكتاراً، وتتركز بشكل كبير في الولايات الغنية بالمعادن والتي تسكنها القبائل الأصلية مثل ولاية تشاتيسغاره (158 عقد إيجار)، وأوديشا (153 عقداً) وجارخاند (101) وماديا براديش (644) وغوجارات (377) وأندرا براديش (377). والأثر ذاته يتركه قطاع الطاقة واسع النطاق، والذي بلغت قدرته الإنتاجية المركّبة 490 غيغاوات حتى منتصف عام 2025، وهو ما يعكس إجمالي الطاقة القصوى التي يمكن لمحطات التوليد إنتاجها عند التشغيل الكامل، وتشمل مئات المحطات الحرارية والمائية الكبرى، ويقع العديد منها في المناطق القبلية أو بالقرب منها. بالإضافة إلى ذلك، تستمر شبكة الطرق والطرق السريعة في التوسع، مع وجود مئات من مشاريع الطرق السريعة الوطنية قيد الإنشاء، غير أن هذه المشاريع، التي نُفذت تحت شعار التقدم، سبّبت نزوح ملايين السكان من أراضيهم لتلبية احتياجات التوسع التنموي، كما توضح الدراسة أن النزوح القسري لا يعني فقدان الأرض فقط، بل اقتلاع المجتمعات من بيئتها المألوفة إلى مناطق مجهولة مليئة بالتحديات المعيشية.

خسائر من دون تعويض

لاشو أورام، مزارع قبلي من مديرية سوندارغار في ولاية أوديشا، فقد 53.94 فداناً من أرض عائلته حين استحوذت الدولة على نحو 19722 فداناً في خمسينيات القرن الماضي لإنشاء "مصنع روركيلا للصلب" وسد "مانديرا"، ولتنفيذها هجّرت أكثر من أربعة آلاف عائلة، معظمها من القبائل، لكن أورام لم يتسلم تعويضه البالغ 22 ألف روبية، والتي كانت تعادل نحو 4620 دولاراً أميركياً بسعر الصرف عام 1959 (4.76 روبيات للدولار)، قائلاً في حديثه لـ"العربي الجديد" إن: "الأموال لا تزال مودعة في خزينة الدولة وفقاً للسجلات التي عرضوها علينا، لكننا لم نستلم شيئاً". أما شهد راما، مزارع آخر من المتضررين، فلم يتلق سوى سبعة آلاف روبية هندية مقابل 17 فداناً من الأراضي المستحوذ عليها، وهو جزء ضئيل من المبلغ المستحق.

وبدلاً من التعويض الفعلي مُنحت عائلة أورام أرضاً في قرية أمغاون بمقاطعة ديوغاره بولاية أوديشا شرقا على بعد نحو 150 كيلومتراً من مدينة روركيلا، ويستدرك راما بحسرة قائلاً: "ما فائدة أرض بعيدة عن موطننا، فقدنا حقولنا وقريتنا ومجتمعنا ولم نحصل على أي مورد للمعيشة"، واليوم وبعد أن تقدم به العمر لا يزال يطرق أبواب الدوائر الحكومية والمحكمة في محاولة لاستعادة التعويض.

في المقابل، هناك من تحدى السلطات وعاد إلى أرضه، مثل جينو كوروبا تيلاك وأسرته التي رجعت في يونيو/حزيران 2025 مع 51 شخصا آخر إلى قريتهم الأصلية داخل غابة ناغارهول وهي جزء من محمية للنمور في ولاية كارناتاركا جنوب الهند، إذ طرد أجدادهم قبل أربعين عاماً لإفساح المجال للمحمية، وأُجبروا منذ ذلك الحين على العيش في مزرعة بُن تحت ظروف أشبه بالعبودية، لكنهم لم يحتملوا الحرمان من حقهم في الغابة التي ورثوها عن أسلافهم، وعادوا إلى أراضيهم مصممين على البقاء.

كان تيلاك يتسلل سابقا إلى قريته خفية، بعيداً عن أنظار حراس الغابات، لكنه عاد أخيراً إلى دياره كما يروي لمعد التحقيق، حيث يخطط لبناء منزله من جديد باستخدام الخيزران فوق الهيكل القديم، قائلاً: "لن نتهاوى، نحن ملوك الغابة"، وبينما تواصل الحكومة الهندية توسيع محميات الحياة البرية بما في ذلك محميات النمور والفيلة، تقتلع المجتمعات الأصلية قسراً من الغابات التي سكنتها وحمتها لأجيال تحت شعار الحفاظ على البيئة. وبحسب تقرير بعنوان: India Whither Fortress Conservation نشرته في يونيو 2022 حركة الغابات المطيرة (World Rainforest MovementSupporting struggles for social justice)، التي تدعم تحقيق العدالة الاجتماعية في الغابات، فإن الهند تضم ثلاثة آلاف نمر في 53 محمية تغطي 75 ألف كيلومتر مربع من الغابات، لكن هذه السياسة جاءت بتكلفة بشرية باهظة، فبحسب الهيئة الوطنية لحماية النمور تم منذ إطلاق مشروع النمر عام 1972 إخلاء أكثر من 56247 عائلة من 751 قرية داخل 50 محمية، وجرى توطين 12327 أسرة فقط على الأراضي الحكومية الشاغرة القريبة، بينما لا تزال أكثر من 44 ألف أسرة، أي نحو 220 ألف شخص، في انتظار إعادة التوطين.

 

الصورة
السكان الأصليون في غابات الهند (العربي الجديد)
سكان ولاية تشاتيسغاره الأكثر تضررا (العربي الجديد)

فساد في التعويضات

عند الاستحواذ على الأراضي القبلية في الهند، يُحسب التعويض عادةً وفق القيمة السوقية المقدرة، أي السعر المتوقع لبيع هذه الأراضي في البلدات أو المدن القريبة، هذا ما يتم إبلاغ الآديواسيين به، تقول سوري، مستدركة: "أن معاملات بيع الأراضي تخضع لضرائب حكومية تعرف برسوم التسجيل، وهو ما يؤدي إلى وجود سعرين للأرض: سعر رسمي مُعلن يُستخدم في السجلات لتقليل الضريبة، وسعر آخر غير رسمي أعلى، وهذا النظام، الذي يهدف أساساً إلى التهرب الضريبي، ينتهي بالإضرار بالقبائل، لأن التعويض يحدد استناداً إلى السعر المعلن الأقل".

في ولاية ماديا براديش، واجهت الثلاثينية لادلي كارمي (اسم مستعار حفاظا على أمنها الشخصي) هذه المعضلة بعدما فقدت أرض أجدادها ضمن توسعة محمية راني دورغافاتي للنمور التي تمت في سبتمبر 2023. وتمتد المحمية على مساحة 2339 كيلومتراً مربعاً في مقاطعات ساغار وداموه ونارسينغبور، وتضم 93 قرية، وقبل إعلان المنطقة محمية للنمور، جرى ترحيل 42 قرية بين عامي 2014 و2023، فيما يستمر العمل على إعادة توطين سبع قرى أخرى خلال عام 2025.

لكن خطة ترحيل القرى الـ51 المتبقية فجرت توتراً متزايداً بين السكان المحليين والسلطات، إذ يخشى الأهالي فقدان تقاليدهم الثقافية وسبل عيشهم، ويعتبرون التعويضات المعروضة غير كافية. تقول كارمي: "عرضت الحكومة على أسرتي 1.5 مليون روبية هندية (نحو 18 ألف دولار أميركي) كتعويض لشراء أرض وبناء منزل والبدء من جديد لكن هذا المبلغ، ببساطة، لا يكفي".

علاوة على ذلك، كشف تقرير ديوان المحاسبة والمراقب العام للهند (CAG) الصادر عام 2024 عن مخالفات جسيمة في آلية دفع التعويضات، ففي ولاية أوديشا، على سبيل المثال، أظهر التقرير أن مشروع الطاقة الحرارية التابع للمؤسسة الوطنية للطاقة الحرارية (NTPC Super Thermal Power Project) ارتكب خروقات واسعة عند مصادرة 16.72 فدانا من الأراضي، فقد قدّر الحكومة قيمة الأرض بأقل من القيمة المرجعية الرسمية (Benchmark Value)، وهو ما كبّد المزارعين خسائر فادحة، إذ كان متوسط سعر البيع 1.673 مليون روبية هندية (18 ألف دولار أميركي)، في حين أن القيمة المرجعية (BMV) كانت 3.2 ملايين روبية هندية (35 ألف دولار أميركي)، أي بفارق 1.527 مليون روبية هندية (17 ألف دولار أميركي) عن كل فدان. وفي قطعة أخرى ضمن مساحة المشروع المحددة يشار إليها بمسمى غودا ثاني (Godha II)، بلغ متوسط سعر البيع 1.625 مليون روبية هندية ( 19500 دولار أميركي)، أما القيمة المرجعية قدرها 3.2 ملايين روبية هندية ( 38400 دولار أميركي)، بفارق 1.575 مليون روبية هندية (18900 دولار أميركي) عن كل فدان. وبذلك خسر ملاك الأراضي مجتمعين ما يقارب 52.7 مليون روبية هندية (ما يعادل 632 ألف دولار أميركي) من حقوقهم المالية المشروعة.

الصورة
تقرير ديوان المحاسبة الهندي 2024
تتلاعب الحكومة في آلية تقدير التعويضات للسكان المتضررين (المصدر: تقرير ديوان المحاسبة والمراقب العام للهند 2024)

رغم ذلك، يتمسك السكان الأصليون بهويتهم وشعارهم "نموت ولا نتخلى عن الأرض"، في تعبير عن مقاومة سياسات الإجلاء والاقتلاع، كما يؤكد جالدسن دونغدونغ الكاتب والناشط الحقوقي من ولاية جارخاند والأمين العام لمنظمة حقوق الإنسان لقبائل جهارخاند.