شرايين عُمان المائية... أخطاء الصيانة تجفف الأفلاج

شرايين عُمان المائية... أخطاء الصيانة تجفف الأفلاج

مسقط
ميثاء العليانية
31 أكتوبر 2021
+ الخط -

جفّت مئات الأفلاج العمانية، والتي تعد بمثابة شرايين مائية لتجميع المياه الجوفية أو السطحية بهدف استخدامها في الزراعة أو المنازل، وتتباين أسباب توقفها عن الجريان، غير أن أخطرها مشاكل الصيانة وعدم مراعاة خصائصها.

- لجأ أهالي قريتي المنجرد والمحيول في ولاية جعلان بني بو حسن في محافظة جنوب الشرقية إلى القضاء في 17 مارس/آذار عام 2021 من أجل المطالبة بوقف أعمال الصيانة في فلج المحيول المائي المار بالقريتين، إذ قامت الشركة المكلفة من قبل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه بإغلاق روافده وقناته بالإسمنت لمسافة 300 متر، ما حبس الماء عن الأهالي، ومن بينهم هلال بن سعيد المطاعني أحد سكان المحيول ممن تقدموا بشكوى ضد الشركة، بعدما "غيرت ملامح الفلج الذي يشكل إرثا تاريخيا يمرّ وسط الولاية وأوقفت جريانه"، وبالفعل أوقفت المحكمة الابتدائية في ولاية جعلان بني بو حسن العمل إلى حين صدور حكم في القضية التي أُحيلت إلى محكمة الاستئناف في ولاية صور في المنطقة الشرقية ولم تبتّ فيها حتى الآن.

ويُعرّف الفلج بأنه "قناة مشقوقة على سطح الأرض أو باطنها لغرض جمع ونقل المياه الجوفية أو مياه العيون أو المياه السطحية لتوزيعها على المستفيدين"، وفق ما نص عليه قانون حماية الثروة المائية الصادر في المرسوم السلطاني رقم 3/ 94 والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 يناير/كانون الثاني 1994. 

ويوجد في السلطنة 4112 فلجا، وتشكل الميتة منها (نفد الماء بسبب اندثارها وعدم صيانتها أو بسبب الجفاف الذي تواجهه المنطقة)، ربع العدد، لكن الدكتور عبدالله الغافري أستاذ كرسي اليونسكو لدراسات الأفلاج ومدير وحدة بحوثها بجامعة نزوى، يقدر الحية بـ 3000 فلج، مشيرا إلى حاجتها لصيانة دورية لضمان جريان المياه والاستفادة منها في الريّ والاستخدامات المنزلية والشرب، إذ نشأت القرى والمدن العُمانية واستوطنها السكان أينما تشق الأفلاج. لكن عملية الصيانة والترميم تلك تشوبها مشاكل متنوعة تتعلق بالتأخر بسبب شح الميزانية المخصصة، أو أعمال خاطئة تؤثر على جريان المياه، وفق ما يوثقه التحقيق ويرصده في حالات متنوعة.

وأقرت لجنة التراث العالمي في منظمة "اليونسكو" في يوليو/تموز عام 2006 إدراج خمسة أفلاج عمانية ضمن لائحة التراث العالمي، "تعبيراً عن المكانة الدولية لهذا النظام المائي الفريد"، وشملت فلج دارس في ولاية نزوى في محافظة الداخلية، وهوأشهر فلج داؤودي في السلطنة، وفلج الجيلة العيني في ولاية صور شرقا، بالإضافة إلى فلج الميسر في محافظة جنوب الباطنة على الساحل الشمالي للسلطنة، وفلج الخطمين الداؤودي أيضاً، ويقع في نيابة بركة الموز على طريق مسقط ـ نزوى، والفلج الملكي، وهو أحد أفلاج ولاية إزكي في محافظة الداخلية، ويعدّ من أكبر الأفلاج الموجودة في السلطنة من حيث عدد السواعد المغذية، وعددها 17 ساعداً، بحسب الموقع الإلكتروني لسلطنة عمان (موقع حكومي).

 أخطاء عمليات الصيانة 

تصنف الأفلاج إلى ثلاثة أنواع وفقا لمصدر الماء أو "أم الفلج"، فـ "العيني" مصدره عين جارية، أما إذا كان مصدر المياه سطحيا مثل مياه الأودية فيسمى فلجا "غيليا"، وإذا كان أصله قناة شقها الإنسان بعمق يصل حتى ‏عشرات الأمتار في باطن الأرض لتجميع المياه الجوفية فيسمى فلجا "عَديا أو داؤوديا"، وفق توضيح الغافري.

الصورة
أنواع الأفلاج
أنواع الأفلاج في سلطنة عُمان (falajsoman.com)

ولكل نوع من الأفلاج طريقة صيانة مختلفة للحفاظ على جريان المياه، بحسب إفادة أحمد البلوشي، الشريك في وكالة فلج مشارب بولاية عبري بمحافظة الظاهرة غرب السلطنة، مضيفا: "إن كان الفلج غيليا، يجب أن تراعي عملية الصيانة ضمان انسياب المياه القادمة من الوادي أو مياه الأمطار، وإلا توقف الفلج كما حدث أثناء قيام شركة مكلفة من وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه قبل 5 سنوات بصيانة فلج قرنة في ولاية القابل التابعة لمحافظة شمال الشرقية، إذ استخدمت الطوب والإسمنت في رصف قناة الفلج، ولأن الأرض التي يمر فيها الفلج ليست صلبة، انخفص مستوى الإسمنت ما خلق تباينا في الارتفاعات، منع انسياب المياه وجفّ الفلج".

ولا يتأثر فلج مشارب، بانقطاع الأمطار أو الجفاف لأنه عيني، غير أنه يحتاج إلى صيانة دورية بسبب تراكم الأتربة على طول مساره، وكذلك التأكد من انسياب المياه في القناة بسبب ارتفاع المنطقة في أماكن وانخفاضها في أخرى. وحين كلفت الوزارة مقاولا لصيانته عام 2016 بدلا من معالجة فوارق الارتفاع المعيقة لجريان الماء، وضع أنابيب على امتداد قناة نقل المياه إلا أنه انقطع جريانه، ما دفع أهالي المنطقة لإزالتها وبالفعل عاد جريان الماء، إذ كانت تعيق تدفقه من أم الفلج وسواعده، كما يؤكد البلوشي، قائلا: "توجد قلة وعي في كيفية إجراء الصيانة للأفلاج". 

"ما سبق يؤكد وجود أخطاء كبيرة في صيانة الأفلاج"، بحسب الغافري، والذي يقول أولها يتعلق بعدم القيام بها بشكل دوري وتكرار حالات تحويل قناة الفلج إلى صندوق إسمنتي مثل الأنبوب، ما يؤدي إلى عدم نفاذ المياه لأن القناة الإسمنتية مغلقة من كل الجوانب، وتعيق وصول الماء من السواعد، ويفترض استخدام مواد تسهل الانسيابية من الأعلى وحتى نهاية القناة، مؤكدا أن ما تقوم به شركات المقاولات عبر إنشاء صندوق إسمنتي يعد إجراء خاطئا، يخل بوظائف القناة المتمثلة في تجميع المياه ونقلها في الوقت نفسه.

لماذا تقع الأخطاء؟ 

"يتعين على الوزارة والجهات المعنية دراسة طرق الصيانة المعتمدة في السابق التي حافظت على جريان الأفلاج ولجأ إليها كبار السن وحافظت على جريانها حتى اليوم"، وفق الغافري، والذي يقول بعد ذلك يأتي استخدام الآلات الحديثة في الحفر دون الإخلال بالوظائف الأساسية لقناة الفلج، لكن الحاصل الآن يتسبب في مشاكل بسبب أسلوب صيانة موحد في جميع الحالات متمثل بإنشاء قناة إسمنتية واستخدام الحديد والإسمنت، علما بأن العمر الافتراضي لهذه المواد في باطن الأرض قد لا يتعدى 15 إلى 20 عاما مع درجة الحرارة العالية والضغط، وهو الخطأ الفادح الذي أدى إلى جفاف كثير من الأفلاج في السلطنة ويقدر عدد الأفلاج الميتة بالسلطنة بـ 1095 فلجا".

1095 فلجا مائيا ميتا في سلطنة عمان

ويضيف الغافري أن هجرة مزارعين عمانيين للعمل في المجال، وتشغيل وافدين ليس لديهم خبرة في صيانة الأفلاج والمحافظة عليها، بالإضافة إلى إنشاء المزارع الخاصة والتوسع منذ بداية الخمسينيات في السقي من المخزون الجوفي المغذي للأفلاج، أدى إلى انخفاض نسبة المياه التي تصلها وجفاف العديد منها. 

وقد تقع الأخطاء من الشركة المكلفة بالصيانة، علما بأنه يتوجب عليها الالتزام بالبنود الواردة في وثيقة الشروط العامة للمواصفات الفنية لصيانة وإصلاح الأفلاج التي وضعتها الوزارة، وفي حال الإخلال بها تنذر الوزارة المقاول المنفذ للمشروع بحسب البند رقم 3 من ذات الوثيقة، والتي تنص على أن "يضمن الطرف الثاني عدم انقطاع المياه عن البلدة أثناء العمل، بحيث يقوم بتوصيلها بالطريقة المناسبة ضامنا أن تصل المياه كاملة دون هدر على مدار الساعة طوال فترة تنفيذ المشروع"، كما يقضي البند الخامس بأن يتكفل الطرف الثاني بتوفير المياه اللازمة لجميع الأعمال في حال تعذر توفرها من الفلج أو البئر، وفق البلوشي.

وأدى الإخلال في بنود الوثيقة من قبل المقاول المكلف بصيانة فلج المحيول، إلى تحرك الأهالي لإيقاف عمله وفق المطاعني، موضحا أنه أغلق روافد الفلج بالإسمنت، وكذلك القناة، فانقطعت مياهه التي تعتمد عليها المزروعات وتربية المواشي بالإضافة إلى المسجد المقام على ضفاف الفلج.

الصورة
فلج المحيول
فلج المحيول قبل إجراء الصيانة وبعدها (العربي الجديد)

ويرد المقاول (رفض ذكر اسمه وطلب الرد لتوضيح موقفه) قائلا إن المطلب الرئيسي وفقا لخريطة العمل التي تسلمها من الوزارة كان بناء قناة مغطاة بطول 500 متر والتزم بها، وبسبب خلافات بين أهالي المنجرد، وأهالي فلج المحيول صدر أمر توقيفه عن العمل من قبل مجلس الشؤون الإدارية في الوزارة، والمحكمة الابتدائية في ولاية جعلان بني بو حسن، ولم يُبتّ في القضية إلى الآن.

 ويتولى مقاولون محليون صيانة الأفلاج وتأهيلها، بحسب من ترسو عليه المناقصة التي تطرحها الوزارة عند حاجتها لصيانة فلج معين، ويعدّ مهندسون وفنيون من الوزارة والمديريات في المحافظة المواصفات والرسومات الفنية وقوائم الكميات والتقديرات المالية للأعمال المطلوبة، بالإضافة إلى الإشراف على متابعة تنفيذ وسير الأعمال بالأفلاج، بحسب حسن بن يوسف البلوشي، المكلف بأعمال مدير دائرة الأفلاج في الوزارة.

اعتماد نمط صيانة موحد يضرّ بالأفلاج ويوقف جريانها

ويقرر هذا الفريق شكل الصيانة المطلوب وفق الحاجة، فهناك صيانة تجري في مسار الفلج، وأخرى عند أمهات الأفلاج ومنابعها، وقد تبرز الحاجة لعمل تحويلة فرعية لتحويل جريان الماء في الفلج إلى مسار آخر، إلى أن يتمّ إصلاح المسار الرئيسي. وفي حالة وجود خلل كبير، لا يُرجَع المسار الرئيسي، ويُعتمَد على التحويلة بالقرب من مسار الفلج القديم. أما في مواقع أمهات الأفلاج، فتجري الصيانة عند منبع أم الفلج والسواعد، أي الروافد المغذية للفلج دون إجراء أي تغيير في مواقعها، بحسب توضيح مدير عام إدارة موارد المياه بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، عبدالعزيز بن علي المشيخي.

 هل تكفي الاعتمادات المالية؟ 

تحتاج الأفلاج إلى صيانة دورية حسب طبيعتها، بعضها كل ثلاثة أو أربعة أشهر، ويتم الأمر ابتداء من تنظيف منطقة أم الفلج وصولا إلى نهاية القناة المغلقة، ويشمل ذلك إزالة الأتربة، وقطع جذور النباتات التي قد تنمو على امتداد القناة مثل جذور أشجار الغاف والسمر والسدر والقرط، والتي قد تصل إلى أعماق أكثر من 50 مترا تحت الأرض، وفي حال إهمال التنظيف فإن الجذور تسد مجرى القناة، إذ تتفرع وتتشابك مع بعضها البعض، وفق الغافري. 

اعتماد نمط صيانة موحد يضرّ بالأفلاج

بينما يوضح المشيخي أن صيانة الأفلاج تتم حسب الحاجة الملحة والاعتمادات المالية المتوفرة، إذ تتراوح الموازنة السنوية لقطاع الأفلاج بين 1.5 مليون ريال عماني ومليونين سنويا (بين 3.89 ملايين دولار أميركي وحتى 5.19 ملايين دولار)، وتتغير الميزانية كل عام، بحسب إفادة المكلف بأعمال مدير دائرة الأفلاج في الوزارة، لكن الغافري يعتبر تلك المبالغ شحيحة كون صيانة الفلج الواحد تحتاج في بعض الأحيان إلى مئات الآلاف، وهذا ما تثبته التكاليف التي أوضحها البلوشي لـ"العربي الجديد"، قائلا :"أجريت صيانة لفلج بني ربيعة بولاية الخابورة بمحافظة شمال الباطنة بـ 54 ألف ريال (140 ألف دولار)، وشملت أعمال الصيانة تأهيل وتحسين قناة الفلج على عمق 15 مترا وبطول 700 متر. 

وبلغت تكلفة صيانة فلج المحيول بولاية جعلان بني بوحسن 18.999ريالا (50 ألف دولار)، وتم تأهيل قناة فلج لزغ بولاية سمائل بمحافظة الداخلية المغطاة بطول 1150 مترا بمبلغ 92 ألف ريال (239 ألف دولار)، وبلغت ميزانية صيانة فلج البريمي بمحافظة البريمي 234 ألف ريال (608 آلاف دولار)، وفلج صعراء بمحافظة البريمي بمبلغ 209 آلاف ريال (542928.9 دولارا).

ويبين البلوشي أن الوزارة تقرر حاجة الفلج للصيانة وفق معايير أهمها ضعف الحالة الإنشائية للقناة بسبب قدمها، وتأثرها بهطول الأمطار، أو جفاف الأفلاج نتيجة انحفاض مناسيب المياه الجوفية، وانسداد مجاري القنوات نتيجة تراكم المواد الكلسية والأتربة، ونمو عروق الأشجار داخل القنوات، وبلغ إجمالي الأفلاج التي تمت صيانتها 92 في عام 2020، و36 فلجا جرت صيانتها خلال الربع الأول من عام 2021، كما يقول المشيخي، بينما يضيف الغافري: "بعض المهندسين يعتقدون أن أم الفلج عبارة عن بئر أو نقطة، وقناة الفلج عبارة عن أنبوب تأخذ المياه من هذه البئر، وهو تصور خاطئ يمنع وصول الماء من السواعد المغذية ويقطع استمرار الجريان".

ذات صلة

الصورة
دليلك لزيارة سلطنة عمان... الملاذ الطبيعي الساحر

اقتصاد

لسنوات عديدة، شكلت سلطنة عُمان وجهة سياحية بيئية بالنسبة للعديد من الزوار، خاصة من الدول الغربية. وقد يكون مناخها ومناظرها الطبيعية أو كما يُطلق عليها "العجائب الطبيعية"، وحتى مواقعها التراثية والكنوز الأثرية، عوامل شجعت الكثيرين على زيارتها.
الصورة

مجتمع

اقترب الإعصار المداري "شاهين"، المصحوب برياح عاتية وأمطار، من سواحل سلطنة عمان، الأحد، وأعلنت السلطات العمانية أن طفلاً لقي حتفه بسبب مياه الفيضانات، وفُقد شخص آخر، كما أكد التلفزيون العماني الرسمي تسجيل وفاة شخصين من جراء انهيار جبل على سكن للعمال.
الصورة
تهريب النيازك العمانية جورا وبرا

تحقيقات

جمع "صائد النيازك" الأميركي، مايك فارمر، العديد من القطع القمرية في عام 2011، عبر عمليات بحث في صحراء جنوب عُمان، لكن انتهى به المطاف في السجن لمدة شهرين ومصادرة ما عثر عليه، وترحيله من السلطنة، وعلى الرغم من المخاطر الكبيرة وصف تجربته بـ"الممتعة"
الصورة
السلطنة 1

تحقيقات

تروّج حسابات على تطبيقات التواصل الاجتماعي في سلطنة عمان لمستحضرات عشبية غير مرخصة على أنها علاج فعال للأمراض المزمنة، لكن الأخطر هو ثبوت احتوائها على مواد كيمائية ومحظورة ومعادن سامة وفق ما يكشفه التحقيق