شبكات الزبائنية اللبنانية... شفافية مغيبة في ملف إعادة الإعمار

08 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:12 (توقيت القدس)
تجري إعادة الإعمار ببطء شديد رغم تعجل في تلزيم الصفقات (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أشار المحامي اللبناني علي عباس إلى تجاوزات قانونية في عقود إعادة الإعمار بلبنان، حيث لم تُنشر العقود كاملة كما ينص قانون الشراء العام، مما يثير الشكوك حول الشفافية.
- أظهرت التحقيقات أن 17.8% فقط من العقود تمت عبر مناقصات علنية، مع تركيز العقود في أيدي عدد قليل من الشركات، مما يعكس نهجاً زبائنياً في الإدارة.
- انتقدت البرلمانية نجاة صليبا غياب التخطيط والتنظيم في التعامل مع الركام، مؤكدة على ضرورة وضع خطة شفافة تركز على المعايير البيئية.

تسللت ابتسامة ساخرة إلى وجه المحامي اللبناني علي عباس، لتقطع ثلث ساعة من عبوس جاد سيطر على ملامحه بينما كان يفحص عقوداً واتفاقات وقعتها حكومة بلاده ممثلة في هيئة الشراء العام مع متعهدين ومقاولين محليين لإعادة إعمار المنشآت المتضرّرة من عدوان دولة الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

سريعاً تجاوز الرجل سخريته وأشار صوب العقود قائلاً بلهجة آسفة: "هذا التفاف على قانون الشراء العام، ما جدواه إذا لم يطبق في ملف بهذا الحجم؟!".

حصل عباس على وثائق العقود بعدما جمعها معد التحقيق (وزميلته التي فضّلت حجب اسمها لاعتبارات شخصية) عبر الموقع الإلكتروني للهيئة وعادا إليه ليدقق مدى صحتها، اعتمادا على خبرته القانونية ولكونه من بين مؤسّسي المرصد الشعبي لمحاربة الفساد (مجموعة حقوقية سياسية تأسست 2011). ويدلل على دقة رأيه بقرار صادر في 13 يناير/كانون الثاني 2025 عن مجلس الجنوب (مؤسسة حكومية معنية بالتنمية وإعادة الإعمار)، بإرساء مناقصة "أشغال أعمال الهدم والإزالة للمباني المهدمة كلياً وجزئياً بمدينتي النبطية وصور" على شركة "بيتا للهندسة والمقاولات" لقاء 71 مليار و743 مليون ليرة لبنانية (803 آلاف دولار) قائلا: "طبقا للمادة 24 من قانون الشراء العام يفترض نشر العقد الكامل للمناقصة بعد 15 يوما بحد أقصى وهذا ما لم يحدث".

وحتى يبينّ طبيعة القصور القانوني، قارن عباس العقد السابق، بآخر رسمي منشور ومذيل بخاتم الهيئة العليا للإغاثة (حكومية) في 17 فبراير/شباط 2025 وجرى توقيعه مع شركة "نشابة المقاولات" لأداء نفس المهام في منطقة جبل لبنان مقابل 3 مليارات و370 مليون ليرة (37.735 دولار)، قائلا: "اتبع مجلس الجنوب نهجاً غير شفاف في التعاقد، وتكّرر في العديد من صفقاته بملف إعادة الإعمار"، فيما وثقت "العربي الجديد" الممارسة ذاتها في صفقات المجلس الخمس بشأن أعمال إزالة الركام بأقضية "صور والنبطية وجزين ومرجعيون وحاصبيا والبقاع الغربي وبنت جبيل"، فالعقود الأربعة مع "بيتا" بقيمة 952 مليار ليرة (10.66 ملايين دولار) مجتمعين، والعقد الخامس مع شركة EMC بقيمة 422 مليار ليرة (4.72 ملايين دولار) لم تنشر عبر منصة هيئة الشراء العام، بخلاف عقود الهيئة العليا للإغاثة المنشورة بالكامل.

ووفق ما جمعه معدا التحقيق من عقود واتفاقات فإنّ 107 صفقات أجريت لإعادة الإعمار، 97 منها لترميم وتأهيل طرقات ومدارس ومبانٍ بلدية، و10 لرفع الركام بالمناطق المستهدفة بتكلفة نحو ثلاثة تريليونات و744 مليار ليرة لبنانية (42 مليون دولار) بين يناير/كانون الثاني 2024 و13 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تولى مجلس الجنوب 102، فيما أشرفت الهيئة العليا للإغاثة على خمس فقط.

"إنه تفاوت كبير"، يقول أسعد ذبيان، مدير مبادرة "غربال" (أهلية معنية بالشفافية والحوكمة)، وهو ما دفعه للتساؤل، حول تعاظم دور المجلس مقابل اختفاء كامل لمجلس الإنماء والإعمار (كلا المجلسَين يتبعان لمجلس الوزراء) وهو في الأساس مخوّل بملفات إعادة الإعمار، متشككاً في منح مجلس الجنوب صلاحيات استثنائية لإدارة الملف بالكامل.

نهج حكومي زبائني

"اعتمدت الحكومة نهجا زبائنيا في إدارة الملف سواء في التعاقد مع المتعهدين أو لدى اختيار الجهات المنفذة"، هكذا ترى عضو لجنة الأشغال العامة والنقل، البرلمانية نجاة صليبا، مبدية عدم ثقتها في العملية برمتها، ويدعم طرحها إبرام معظم العقود بطريقة "طلب عروض الأسعار" (88 عقدا) فيما سبقت "المناقصة العمومية" 19 صفقة منهم فحسب.

17.8% فقط من عقود إعادة الإعمار تمت عبر مناقصات علنية

يفرق ذبيان بين الطريقتين بقوله: "طلبات عروض الأسعار لا تعلن للجميع ولكنها توجه فقط لمجموعة من المتعهدين تختارهم الجهة الشارية وهي آلية تسرع الإجراءات، في المقابل المناقصات إجراء علني بالكامل، يبدأ بإعلان رسمي عبر هيئة الشراء العام وفق القانون 244/ 2021، بما يتيح لكل الشركات المؤهلة التقدم، وتفتح العروض ضمن جلسات موثقة بمحضر رسمي، وتحال للجان فنية ومالية تجري تقويما متعدد المعايير، ثم تحيل النتائج للجهة الشارية بما يضمن عدم حصر المنافسة في دائرة ضيقة"، لافتا النظر إلى أن انتهاج مجلس الجنوب التلزيم بطلب عروض الأسعار أهم الأسباب وراء تركز معظم العقود لدى فئة ضئيلة من المتعهدين.

وتشير بيانات الصفقات إلى استحواذ ست شركات فقط على 67 صفقة من الـ97 الخاصة بترميم وإعادة تأهيل مرافق عامة وهي "شركة أفكو للمقاولات والتجارة العامة، وشركة أسعد خليل فرحات وأولاده، وشركة المقاولون المتحدون، وشركة مراد للتجارة والصناعة والمقاولات، ومؤسسة يامن للتجارة العامة والمقاولات، ومؤسسة أثر للهندسة والمقاولات العامة" بنسبة 69%، بينما استحوذت "بيتا للمقاولات" وحدها على أربع من خمس صفقات أبرمها المجلس في بند رفع الركام بنسبة 80%، فيما توزعت صفقات الهيئة العليا للإغاثة الخمس على ثلاثة كيانات هي "جي اند جي للمقاولات ونشابة للهندسة والأرز للتعهدات والتجارة".

ويتفق كلا من صليبا وعباس على إمكانية تلافي نسبة كبيرة من تكلفة العقود لو سبقتها مناقصات، فيقول عباس إن المجلس استغل الطبيعة الطارئة لإعادة الإعمار لتمرير صفقات تعرضت فيها الدولة لأسعار محددة من قبل المتعهدين، فيما لم يستجب المجلس لمحاولات "العربي الجديد" نقل رده على هذا الطرح، واكتفى برد على مراسلة من مبادرة "غربال"، مكررا ما ورد في محاضر التلزيم دون نشر أية عقود رسمية أسوة بباقي الجهات الشارية.

خسارة مضاعفة

خلال جولة ميدانية لمعدي التحقيق في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بدت المباني المهدمة هي الملمح الأبرز بالضاحية الجنوبية لبيروت ورغم تلزيم صفقات ترميم بعضها إلا أنها بدت كأنها قصفت أمس، وهو "بطء" يصفه عباس بأنه نتيجة إهمال متبادل من المتعهدين تجاه عقودهم ومن مسؤولي الدولة تجاه مراقبة سير العمل.

إهمال حكومي آخر يلفت عباس النظر إليه يتعلق بمنح المتعهدين حق بيع المواد الناتجة عن رفع الركام كالمعادن والمواد القابلة لإعادة التدوير، وراجعت "العربي الجديد" كافة جداول الشروط المصاحبة لإعلانات الصفقات لتجدها جميعا منحت المتعهد حق "التصرف بالمواد المفروزة" وهو ما يعني "المواد القابلة لإعادة التدوير من حديد وأخشاب" طبقا لتوضيح هيئة الشراء العام في باب "الأسئلة والأجوبة".

الصورة
تحقيق لبنان 2
تستحوذ كيانات معدودة على معظم صفقات إعادة الإعمار في لبنان (Getty)

ولا تعفي صليبا وعباس المسؤولين عن إبرام العقود من الخسارة حتى لو تعذروا بالتعجل تقول صليبا "الأعمال طوال هذه المدة لم تنته أصلا فلم يكن للتسرع فائدة"، مشيرة لوجود "مستفيدين مباشرين من أرباح إعادة التدوير" وهو ما يعني بالنسبة لها تحول إعادة الإعمار من مصلحة عامة إلى "تنفيع ذوي المصالح"، مكررة أن النهج الحالي يكرس "نموذج الزبائنية بمنح كل متنفذ في منطقته الأشغال لشركة تابعة بعيدا عن قوانين المنافسة والشفافية".

اتهام لم ترد عليه هيئة الشراء العام رغم اعترافها في باب "دور ومهام الهيئة" بموقعها الإلكتروني بمسؤوليتها عن "إصدار مستندات ونماذج معيارية لإجراءات الشراء العام بما فيها دفاتر الشروط النموذجية وتوفيرها للجهات الشارية لاعتمادها إلزاميا"، وأحالت طلب "العربي الجديد" الحق في الحصول على المعلومة للهيئة العليا للإغاثة التي رد أمينها العام العميد بسام نابلسي بتأكيد اعتماد "العليا للإغاثة" المناقصات العمومية بالنطاق الجغرافي المسؤولة عنه مضيفا أن المناقصات أعلن عنها على موقع هيئة الشراء العام تنفيذًا للقانون وبالتالي فلا مسؤولية على الهيئة التي يرأسها عن جداول الشروط.

رؤية ضبابية

غياب الرؤية والبيانات الموحدة التي يفترض أن تسبق عملية التلزيم كانا أبرز مآخذ صليبا، فتكشف لـ"العربي الجديد" كواليس الملف قائلة إن "الأزمة تتخطى مسألة العقود والتلزيمات، اجتمعنا مع المعنيين في الحكومة من هيئة الشراء العام والبلدية والهيئة العليا للإغاثة وكان الملف يفتقر أي بيانات أو رؤية أو تخطيط ليبدو أشبه باستجابة عشوائية منه كسياسة عامة، فطالبت لجنة الأشغال، الوزارات المختصة بوضع خطة مفصلة وشفافة تضمن التعامل المنظم مع الركام".

توزعت صفقات الهيئة العليا للإغاثة على ثلاثة كيانات

لكنّ المشكلة، كما تضيف صليبا، لم تقتصر على غياب التنسيق، بل امتدت لأسلوب الحكومة نفسها في التلزيم، فتعجل الدولة سمح بالتجاوز عن بعض شروط قانون الشراء العام، وبجانب سيطرة متعهدين بعينهم على الحصص الكبرى للعقود "لم تضع معظم العقود الموقعة التي راجعناها آلية واضحة للتعامل مع النفايات الصلبة" ثم تعرج صليبا للحديث عما أسمته تهميش المعايير البيئية في دفاتر الشروط ووضعها بشكل صوري في نهاية الدفتر، وهو ما تحققت منه "العربي الجديد" إذ ورد في دفاتر شروط مناقصات التلزيم بند "الشروط البيئية" أخيرا برقم 29 ويشترط "على المتعهد التقيد بالتعميم رقم 6/1 تاريخ 5/12/2024 (الإرشادات البيئية لإدارة ردميات الحرب) الصادر عن وزير البيئة" لكن وفقًا لصليبا لم تحدد العقود الإجراءات المتبعة حال وقوع المخالفة والعقوبات بحق المتعهد المخالف.

هنا يؤكد عباس وجوب إعداد دفتر شروط تفصيلي مسبق يشمل معايير السلامة العامة البيئية، عوضاً عن الاتفاقات الاستثنائية التي تهمشها، محذراً من أن الطمر العشوائي للركام والنفايات العالقة به دون فرز مسبق قد يتضمن موادَّ تلوث البيئة.

ولتلافي تبعات غياب جداول الشروط المفصلة، تراقب لجنة الأشغال كل عمليات التنفيذ من كثب، بحسب صليبا، ضماناً لالتزام المتعهدين بالاشتراطات التي حددها وزير البيئة السابق ناصر ياسين المتعلقة بفرز الحديد والمواد القابلة للتدوير عن الباطون، وطحن الأخير وفحصه لتحديد إمكانية استخدامه في تعبيد الطرق، أو نقله إلى الكسّارات المخصصة حال عدم صلاحيته لإعادة التدوير، مع الالتزام بنقل الردم إلى مواقع بعيدة عن المناطق السكنية، لكن رغم نجاح الرقابة التشريعية حتى الآن، إلا أنها ترى البنود والعقوبات الواضحة حلاً أنجع.