سلب أمتعة المسافرين... ثغرة أمنية تتيح نهب مقتنيات التونسيين

سلب أمتعة المسافرين... ثغرة أمنية تتيح نهب مقتنيات التونسيين

تونس
بسمة بركات
12 يوليو 2021
+ الخط -

يكشف التحقيق كيف تسرق أمتعة المسافرين التونسيين وأين، عبر تتبع مسار الحقائب منذ تسليمها إلى الأعوان انتهاء إلى عنابر الشحن، التي تعاني من ثغرة أمنية يستغلها اللصوص، وتمنع من سدها الأوضاع المالية السيئة للبلاد.

فوجئت الثلاثينية التونسية منال الجبالي، بعد وصولها من مدينة ليون الفرنسية إلى مطار تونس قرطاج في 23 يونيو/ حزيران الماضي، على متن رحلة الخطوط الوطنية رقم tu851، بأن حقيبتها التي ظلت تنتظرها مدة طويلة بدت مهشمة في منتصفها، وجرت سرقة بعض الأغراض، منها ملابس أطفالها، كما تقول شقيقتها أماني، لـ"العربي الجديد"، مضيفة: "هذه ليست المرة الأولى، سبق أن سرقت أغراض متنوعة من حقائبها في أعوام 2015 و2017 و2020، وبالتالي لم تعد تضع فيها أي مقتنيات ثمينة".

ما وقع للجبالي تكرر مع عشرة آخرين، وثقت معدة التحقيق تفاصيل ما جرى لهم عبر صفحة Lost and Found Tunisia، ووفق ما نشروه على موقع "فيسبوك"، خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني 2020 وحتى 8 يوليو/ تموز. وتضمنت المسروقات مجوهرات، وساعات وأجهزة موبايل، وملابس وعطورا فاخرة.

"ويختار لصوص حقائب المسافرين ضحاياهم عبر نوعية وشكل الحقائب وأحيانا بالصدفة، فالأمر موكول للحظ، وقد تكون الغنيمة جيدة، وأحيانا أخرى لا يتم العثور على شيء"، وفق اعترافات أحد عمال نقل الأمتعة، الذي كان بصدد سرقة حقيبة مسافر في عام 2019، حسبما يقول كاتب عام النقابة الجهوية لأمن مطار تونس أنيس الورتاني، مؤكدا لـ"العربي الجديد"، تسجيل 20 عملية سرقة خلال الفترة بين يناير وإبريل/ نيسان الماضي، وأضاف: "تم القبض على عمال وهم متلبسون بالسرقة في ثماني عمليات".

أين تقع السرقات؟

تقع سرقات الأمتعة عند تنزيلها أو لدى وضعها في عنابر الشحن (مستودعات الطائرات)، بحسب تحقيقات أمن المطار، كما يقول الورتاني ورضا نصري عضو المكتب التنفيذي للنقابة الموحدة لأعوان الديوانة (الجمارك)، وهو ما تؤكده التحقيقات مع ثلاثة عمال قُبض عليهم في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، على ذمة قضية سرقة خاتم وقرطي ذهب وساعة من حقيبة سفر الإعلامية بالتلفزة الوطنية إنصاف اليحياوي، في 23 سبتمبر/ أيلول من العام ذاته، وعقب القبض على المتهمين ومواجهتهم، اعترفوا بسرقة المضبوطات خلال وضع الحقيبة في عنبر شحن طائرة تابعة للخطوط التونسية، سافرت اليحياوي على متنها من العاصمة إلى مدينة غرونوبل الفرنسية، كما تقول لـ"العربي الجديد".

وتسيء ظاهرة سرقة البضائع والأمتعة لشركة الخطوط التونسية، وفق ما قاله النائب عن الكتلة الديمقراطية (معارضة)، بدرالدين قمودي، خلال جلسة استماع برلمانية عقدتها لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد في مارس/ آذار الماضي، موجها سؤاله إلى معز شقشوق، وزير النقل واللوجستيك، حول وجود خطة للحد من هذه الظاهرة؟ خاصة أن المتضررين أجانب وتونسيون، لكن الوزير أجاب قائلا: "هناك إجراءات تم اتخاذها رغم بعض الاحترازات على بعض الأعوان، واعتمدنا على شركة عمومية (اتصالية) إلى حين إعادة الهيكلة والتنظيم صلب تونيسار هولدينغ".

سبق ذلك إقرار المدير العام السابق لشركة الخطوط التونسية إلياس المنكبي (أقيل في 9 يوليو/ تموز 2020)، بوقوع السرقة، مؤكدا في جلسة استماع عقدتها لجنة الإصلاح الإداري في 4 يوليو 2019، وقوع 2016 عملية سرقة في عام 2013، مستدركا بأن الرقم تراجع في عام 2018 إلى 270 عملية سرقة.

جاهزية أسطول التونسية تدهورت في ظل أزمة كورونا

ويفاقم الظاهرة تورط شبكات من العاملين مع مشتري المسروقات، إذ قضت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية في تونس بالسجن لمدة عشرين عاما على خمسة متهمين، 3 عمال (تراوح أعمارهم بين 26 و39 عاما)، يعملون في الخدمات الأرضية التابعة للخطوط التونسية، بالإضافة إلى شخصين اشتريا المسروقات على مدار عامي 2019 و2020، حسبما يقول الناطق الرسمي باسم المحكمة محسن الدالي.

وتمت الإطاحة بعناصر الشبكة عبر كمائن نصبت لهم في أواخر 2020، وتبين عقب مداهمة منازلهم وجود المسروقات، التي شملت أمتعة وحقائب مسافرين وهواتف جوالة، وفق الدالي، الذي قال لـ"العربي الجديد": "هيئة المحكمة قررت تغريم المتهمين 60 ألف دينار تونسي (22 ألف دولار أميركي)".

ولا تقتصر السرقات على الحاجيات الثمينة، بل طاولت طرودا بريدية مرسلة عبر الخطوط التونسية، بحسب تأكيد كريمة عبده، التي أرسلت في السابع عشر من مارس الماضي أغراضا لشقيقها في السعودية لكنها وصلت منقوصة، وتقول: "هذه ليست المرة الأولى التي نرسل فيها منتجات تونسية (أطعمة ومشروبات) لشقيقي وتصله ناقصة".

كيف تقع السرقات؟

تغيب كاميرات المراقبة عن مستودعات الشحن والمسار المؤدي إليها، وفق الورتاني ونصري، وتتولى شركة الخطوط التونسية للخدمات الأرضية التابعة للشركة الأم، تأمين أمتعة المسافرين، وفق ناجي زيتون، آمر مطار تونس قرطاج، مؤكدا أن مسار حقائب المسافرين يبدأ من تسليمها للأعوان التابعين للناقلة الجوية ووضع بيانات المسافر على الأمتعة ثم وزنها ووضعها على السير، لتصل إلى غرفة الفرز، حيث تراقب آليا من قبل الديوانة، قبل أن يتم نقلها على عربات صغيرة من قبل الأعوان وشحنها داخل مستودع الطائرة، وهو المسار الوحيد الذي تغيب عنه كاميرات المراقبة، لذا تحدث أغلب السرقات فيه.

ويقول زيتون إن دورهم يقتصر على توفير الآليات الضرورية داخل المطار، مثل كاميرات مراقبة في قاعة عمليات الشرطة، والديوانة وتوفير وسائل التفتيش والرقابة، ولا دخل لهم بتأمين الأمتعة في الفضاء الخارجي (مدرج الطائرات)، والذي يعد من اختصاص الناقلة الجوية. ويتفق معه نصري، قائلا إن "الإشكال الوحيد يبقى في الفضاء الخارجي، لأنه المكان الوحيد الذي لا تطاوله الرقابة بالشكل الكافي".

وتؤيد ما سبق رئيسة لجنة شؤون التونسيين بالخارج، النائبة عن حزب قلب تونس (أحد أبرز أقطاب الائتلاف الحاكم)، ليليا بالليل، مبينة أن وفدا من اللجنة زار المطار في الأول من فبراير/ شباط 2020 للوقوف على النقائص وبحث مشكلة سرقة الأمتعة، وتابعت: "كل الأماكن مجهّزة بكاميرات مراقبة باستثناء عنبر الشحن ومساره"، مضيفة أنها تباحثت شخصيا مع عدد من المسؤولين بالمطار والخطوط التونسية ووزير النقل معز شقشوق حول كيفية تفادي هذه الثغرة، لكن لا يوجد حل جذري، لأن تعيين مسؤولين في عنبر الشحن يتابعون العملية منذ بدايتها وحتى وصول الأمتعة في كل رحلة بالمطار غير ممكن عمليا، إذ بالكاد يتم توفير العمال في ظل وقف الانتدابات، ولو تم الذهاب إلى خيار وضع كاميرات في عنبر الشحن، فسيكون هذا في طائرات الخطوط الجوية التونسية، ولا يمكن فرضه على بقية الشركات التي تعتمد حلولا أخرى لتأمين أمتعتها، ومنها وضع مراقبين، كما أن خيار وضع كاميرات مراقبة في عنابر شحن طائرات الخطوط التونسية لن يكون إلا عند اقتناء طائرات جديدة، كما تقول بالليل لـ"العربي الجديد".

ورغم إقرار مسؤول في شركة الخطوط التونسية (طلب عدم كشف هويته، لأنه غير مخول بالتحدث للإعلام)، بوجود ثغرات في عنبر الشحن يستغلها البعض للسرقة، لكنه يبرر عدم تعيين مراقبين أو اقتناء طائرات جديدة مزودة بكاميرات مراقبة في عنبر الشحن بالأزمة المالية التي تمر بها شركة الخطوط الجوية التونسية.

870 مليون دينار خسائر شركة الطيران التونسية في 10 أعوام

وتمر الشركة بوضعية غير مريحة، بحسب ما قاله الوزير شقشوق في جلسة لجنة الإصلاح الإداري، مضيفا أن خسائر تونسيار بلغت خلال الفترة من 2010 وحتى مطلع مارس الماضي، 870 مليون دينار تونسي (313 مليون و896 ألف دولار أميركي)، كما أن مديونية الشركة بلغت 509 ملايين دينار (183 مليون دولار)، منها 446 مليون دينار (160 مليون دولار)، للبنوك المحلية (قروض بضمان الدولة)، مضيفا أن جاهزية الأسطول تدهورت في ظل أزمة كوفيد - 19، بسبب توقف عمليات الصيانة وعدم توفر السيولة الكافية، قائلا "هناك تراجع في احتياطي الشركة من قطع الغيار وتعطل عمليات التزود، نظرا لتراكم مستحقات المزودين".

تجربة لم تستمر

طالب النائب البرلماني زياد الهاشمي (عضو كتلة ائتلاف الكرامة)، في جلسة استماع عقدتها لجنة شؤون التونسيين بالخارج، بوضع إجراءات لحماية ممتلكات المسافرين، وهو ما رد عليه المدير العام السابق للخطوط التونسية إلياس المنكبي، خلال الفعالية ذاتها، التي عقدت في فبراير/ شباط 2020، قائلا إن شركة الخطوط التونسية تعاقدت مع شركة خاصة (الاتصالية للخدمات) لتجاوز أزمة سرقة الأمتعة.

الصورة
مطار2

لكن كريم يحمدي، رئيس شركة الاتصالية للخدمات (مؤسسة ذات مساهمة عامة)، يؤكد أن الخطوط التونسية أنهت العقد مع شركته بعد مضي شهر ونصف من توقيعه بحجة أن الميزانية المخصصة لها تم توجيهها لمجابهة كورونا.

ويشرح يحمدي عمل الأعوان، والذين بلغ عددهم 180 موظفا، قائلا لـ"العربي الجديد": "بعد إيداع المسافر أمتعته يقوم الأعوان بفرزها حسب كل رحلة، ثم تتم التعبئة والشحن في مستودع الطائرة تحت رقابة مسؤول عن عمال الترصيف والشحن، وفي رحلات العودة تنطلق مهمتهم منذ وصول الطائرة، حيث يتم وضع الأمتعة في سلة خاصة ثم تمر بالحزام المخصص وتكون حينها تحت رقابة أعوان الديوانة"، مضيفا أن مسؤولين يراقبون عمل الأعوان للحيلولة دون حصول أي سرقة، ويؤكد على عدم تسجيل أي شكوى خلال فترة عملهم على تأمين الأمتعة منذ بداية فبراير وحتى 14 مارس 2020.

نجاح التجربة السابقة يؤكد على ضرورة تكليف أعوان مهمتهم مراقبة عنبر الشحن، وهو ما يتفق معه عضو المكتب التنفيذي للنقابة الموحدة لأعوان الديوانة، قائلا: "يجب على الخطوط التونسية وضع حد للظاهرة بشكل نهائي عبر رقابة مشددة على عنابر شحن الطائرات".

ذات صلة

الصورة
كيف ستكون إجراءات السفر بعد كورونا؟ (غيتي)

منوعات وميديا

مع إعلان العديد من الدول استعدادها لإعادة افتتاح الحركة الجوية أمام المسافرين، والبدء بتنظيم حركة النقل الجوي، فإن إجراءات عديدة ستضعها شركات الطيران والمطارات حول العالم للتأكد من السلامة العامة.
الصورة
سياحة في تركيا/ Getty

اقتصاد

أعلنت تركيا، اعتزامها إطلاق برنامج للسياحة الآمنة، اعتباراً من الموسم المقبل، المنتظر أن يبدأ صيف العام الجاري، في خطوة لاستعادة القطاع نشاطه بعد أن تضرر كثيراً بفعل فيروس كورونا الجديد، الذي أوقف رحلات الطيران والمسافرين في مختلف أنحاء العالم.
الصورة
مخاطر الفيروس تجبر الشركات على وقف رحلاتها (فرانس برس)

اقتصاد

تتجه أجواء الصين ومطاراتها المدنية نحو حالة من الشلل، الذي ربما يُصبح كلياً مع الانتشار المتزايد لنطاق فيروس "كورونا"، إذ تتسع على نحو متسارع قرارات شركات الطيران العالمية بتعليق رحلاتها تزامناً مع إجلاء دول مواطنيها.
الصورة
مصر/اقتصاد/مطار شرم الشيخ/22-03-2016 (فرانس برس)

اقتصاد

أبلغت الحكومة البريطانية شركات الطيران اليوم بأنها لم تعد تنصح بعدم السفر إلى مطار شرم الشيخ.