رهائن هرمز... كواليس حياة العالقين وأسرار "العبور المظلم"
- تعاني الأطقم البحرية من ضغوط اقتصادية واجتماعية، حيث تقدم الشركات حوافز مالية لعبور المضيق، بينما تواجه الطواقم تعسفًا وابتزازًا من قبل الشركات المالكة، مما يزيد من معاناتهم النفسية والاجتماعية.
- تتدهور الأوضاع الإنسانية مع نقص الإمدادات وظهور السوق السوداء، مما يؤدي إلى هجر البحارة وتخلي الشركات عن التزاماتها، حيث تتصدر الإمارات قائمة الدول التي تشهد هذه الظاهرة وسط ضعف الحماية الدولية.
يكشف تحقيق "العربي الجديد" كواليس حياة الأطقم البحرية العالقة في مضيق هرمز، موثقاً يوميات الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية بعيون مَن يدفعون ثمنه، ويقبعون على متن سفن تحوّلت إلى سجون، لا يمكنهم مغادرتها إلا مجازفة بحياتهم.
- بينما كان كبير المهندسين البحريين طاهير آر. سياد Tahir R. Sayyad، يؤدي عمله في أثناء عبور مضيق هرمز، على متن ناقلة نفط تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية - أدنوك، دوّى انفجار داخل غرفة المحركات، فاهتزت السفينة بعنف، قبل أن تنتشر النيران، ويتصاعد الدخان في أرجائها، وسريعاً ما اندفع الطاقم إلى قوارب النجاة، ولحسن الحظ في غضون دقائق مرت كأنها ساعات، انتشلتهم قوات خفر السواحل العمانية، ونقلتهم إلى البر.
"في الواقع كنا محظوظين بالعودة إلى عائلاتنا"، يقول سياد، إن الفضل في نجاتهم من الاستهداف الذي جرى في يوليو/تموز الماضي يعود إلى التزامهم بالتعليمات عبر البقاء بعيداً عن غرفتي القيادة والمحركات، كونهما الأكثر عرضة للاستهداف، خلال ما يعرف بعمليات "العبور المظلم" التي تنفذها فرق خاصة تتشكّل من أفراد الطاقم للمرور من المضيق بشكل سري، بعد تعطيل أجهزة التتبّع، وإطفاء الإضاءة، واستخدام وسائل للتشويش على الموقع.
وعادة ما تصعد هذه الفرق إلى الناقلة من غرب المضيق، وتقوم بتسليمها شرقه أو العكس، يضيف سياد أنهم على سبيل المثال تسلموا الناقلة من ميناء رأس الخيمة داخل الخليج العربي، والمهمة كانت الوصول إلى ميناء الفجيرة، على بحر عمان (المحيط الهندي)، أي خارج نقطة الاختناق البحرية لمضيق هرمز الذي تعطّلت الملاحة فيه منذ نهاية فبراير/شباط ٢٠٢٦، في واحدة من تبعات الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
إلا أنه حتى في حالة عبور المضيق بسلام لا يعني هذا انقضاء التهديد، إذ استهدفت ناقلة أخرى تتبع الشركة ذاتها عقب اجتيازها منطقة الخطر، كما يروي البحار الهندي غوراف، الذي اكتفى بذكر اسمه الأول تحسّباً لأي تهديد قد يصيب عمله، قائلاً لـ"العربي الجديد" إن صاروخاً أصاب غرفة المحركات، ما أدى إلى وفاة المهندس الرابع بعدما حاصرته النيران فيها، وإصابة آخرين بحروق واختناقات، لأنهم خالفوا التعليمات بعدم الوجود هناك وتوجّهوا لإصلاح خلل بسيط ظناً بأنهم باتوا في مأمن عقب المرور، لكن هذه المرة انتظر أفراد الطاقم 13 ساعة في قوارب النجاة قبل أن تنقذهم الفرق المتخصصة، وتنقلهم إلى ميناء الفجيرة الإماراتي.
وتندرج تجربتا سياد وغوراف ضمن سلسلة حوادث تكشف أن الخطر الذي يواجه البحارة لا يرتبط بعبور المضيق وحده، بل يمتد إلى الممرات المحيطة به، إذ رصدت المنظمة البحرية الدولية (IMO) 66 حادثاً استهدف سفناً تجارية وناقلات نفط وغاز في الممرات المائية المحيطة بالمضيق حتى 20 أغسطس/آب الجاري، بحسب قاعدة بيانات زودت بها "العربي الجديد"، مؤكدة وقوع 18 وفاة بين البحارة وعشرات الإصابات، إلى جانب عمليات إخلاء واحتجاز وهجر لسفن متضررة.
مجازفة بالحياة مقابل راتب شهر
تكشف ثماني شهادات وثقها "العربي الجديد" لأفراد الطواقم البحرية التي توافق على عبور المضيق، عن تلقيهم تعليمات بتجاهل تحذيرات أو تهديدات الحرس الثوري الإيراني، في مقابل حوافز مالية قد تصل إلى راتب شهر كامل عن كل عملية عبور.
وتضع هذه الحوافز البحارة أمام معادلة قاسية، وفق إيمي ليبثال Amy Liebthal، مديرة التواصل والإعلام في الشبكة الدولية لرعاية ومساعدة البحارة ISWAN (منظمة خيرية دولية)، التي قالت لـ"العربي الجديد" إنهم يجدون أنفسهم أمام خيارين: المجازفة بحياتهم في رحلة محفوفة بالخطر، أو خسارة مصدر رزقهم الوحيد".
والأكثر قسوة هو ما تكشفه 3 آلاف شكوى سجلها الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF - يضم نقابات تمثل العاملين في قطاع النقل)، تقدمت بها الطواقم البحرية العاملة في مضيق هرمز ومحيطه، منذ فبراير 2026، وحتى الآن، جراء تعسّف الشركات المالكة للسفن في قبول طلبات نزول أفراد الطواقم، وإجبار من يصرون على ذلك بالعودة على نفقتهم الشخصية، فضلاً عن ابتزازهم بحجب الرواتب لأشهر متتابعة، وربط دفعها ببقائهم على متن السفينة حتى انتهاء الرحلة.
بيد أن المشهد يزداد تعقيداً، إذ تسود حالة من الذعر والقلق بين العالقين على متن السفن، وفق شهادات وثقها "العربي الجديد"، وقد صار هاجسهم الأكبر انتهاء صلاحية جوازات سفرهم، التي يشترط أن تكون سارية لمدة 6 أشهر على الأقل للحصول على تأشيرة للمرور، مما يعني أنه في حال بقاء الوضع على ما هو عليه لن يستطيعوا النزول من السفينة، بحسب إفادة مهندس بحري أردني (طلب حجب اسمه) يعمل ضمن أطقم العبور المظلم، موضحاً أنه في ظل استمرار رفض الطواقم البحرية المرور عبر المضيق، بسبب المخاطر العالية، تقل الخيارات المتاحة أمام الشركات في توفير بديل لمن يرغبون في الرحيل أو حتى إنهاء تعاقداتهم، وهو ما أسفر عن فوضى وتأخير إصدار تأشيرات الطواقم المخصصة للمرور من المنافذ البحرية، سواء في رأس الخيمة أو الفجيرة، ووجد بعض البحارة أنفسهم محتجزين في الموانئ لأيام في انتظار صدور تأشيراتهم.
وأضاف أن قوارب تنزيل البحارة غير قادرة على استيعاب هذا الكم الهائل من تبديل الطواقم المطلوب، وقد أدى ذلك إلى عبور بعض السفن المضيق بفرق ناقصة العدد، مما يهدد سلامتها، ويعرّضها للخطر، بسبب استنزاف العاملين، جراء ساعات عمل مضنية دون راحة.
سوق سوداء في مناطق المخطاف
"نحن في سجن" هكذا يشبّه البحار المصري أحمد علي (اسم مستعار خوفاً من فقدان عمله)، حاله وزملائه العالقين في المياه العمانية، على متن سفينة من نوع "RO-RO" (مصممة لنقل البضائع ذات العجلات مثل السيارات، والشاحنات، والقطارات، والآليات الثقيلة) تابعة لشركة إماراتية لخدمات الشحن تتنقل بين الهند والإمارات والعراق، ومقرها دبي، يحتفظ "العربي الجديد" باسمها، ضمن طاقم من 18 بحاراً من جنسيات مصرية وسورية وهندية وبنغلاديشية، انضموا إليها بعقود تمتد لستة أشهر منذ مايو/أيار الماضي.
فقبل الأزمة، وفقاً لعلي، كانت السفن تعتمد على الموانئ التي ترسو فيها لتزويدها بالمؤن والوقود وقطع الغيار وإجراء تبديل الطواقم، وتسهيل عودة البحارة إلى بلدانهم، وينطبق الأمر ذاته على مناطق المخطاف البحرية (الرسو/Anchorage)، وهي مساحة مائية آمنة في البحر أو الميناء تلقي فيها السفن مخاطيها لتثبيت نفسها في مكانها دون حركة، إلى حين تلقي تعليمات، أو الحصول على تصريح السماح لها بدخول الميناء أو استكمال رحلتها، لكن مع تعطّل الحركة البحرية في منطقة الخليج، انعزلت السفن عن موانيها التشغيلية الرئيسة، فنشأت سوق سوداء لتوفير الإمدادات من مناطق المخطاف، إذ استغل وسطاء وموردو ما وراء البحار، الأزمة لرفع أسعار المؤن التي تشتريها الشركات لطواقمها في السفن العالقة.
أدى ذلك إلى تقليص الشركات الإمدادات المشتراة من أجل خفض التكلفة، حتى وصل الأمر بعلي ورفاقه إلى الاقتصار على تناول وجبة واحدة يومياً، كما يقول موضحاً أن ما يتوفر من إمدادات صارت جودته شديدة السوء، وهو ما يظهر في صورة أرسلها إلى "العربي الجديد" لمياه صفراء، قال إن رائحتها وطعمها غير مقبولين، بيد أنه لا يوجد غيرها للاستخدام في احتياجاتهم اليومية وعلى رأسها الطهي والشرب.
ولا يزال نحو 6 آلاف بحار عالقين في السفن بمنطقة الخليج ومضيق هرمز، بحسب بيانات الاتحاد الدولي لعمال النقل، وهي أرقام تتوافق مع بيانات منظمة العمل الدولية، التي أوضحت لـ"العربي الجديد"، أن المنظمة البحرية الدولية استطاعت إجلاء 14 ألف بحار خلال فترة وقف إطلاق النار التي امتدت بين 18 يونيو/ حزيران و13 يوليو، وبسبب عدم توافر الضمانات الأمنية الكافية وتعليق خطط الإجلاء مؤقتاً لحين التوصل إلى هدنة جديدة، تعذّر إجلاء باقي الطواقم على متن 411 سفينة عالقة.
6 آلاف بحار عالقون على متن 411 سفينة في الخليج العربي ومضيق هرمز.
وتتطابق هذه الشهادات مع تتبّع أجراه "العربي الجديد" باستخدام منصة MarineTraffic المتخصصة في التحليلات المعلوماتية البحرية، خلال الفترة بين 1 و9 أغسطس 2026، إذ يمتد تكدس السفن من ميناء بندر عباس الإيراني عبر مضيق هرمز وصولاً إلى شمال الخليج العربي، وسط حركة ملاحة شبه متوقفة. وتتوزع أكبر نقاط تجمّع السفن العالقة بالقرب من المياه الإقليمية للكويت، ومناطق المخطاف في الفجيرة، وخورفكان ودبي في الإمارات، إضافة إلى ميناء صحار العُماني، فيما تسجل الفجيرة وصحار ودبي أعلى كثافة للناقلات والسفن الراسية.
هجر البحارة
قضى البحار الأردني محمد (يفضل ذكر اسمه الأول فقط لدواعي السلامة) ثلاثة أشهر عالقاً في عمله بصفته ضابطاً ثانياً على متن ناقلة شحن وتفريغ غاز بترول مسال (LPG)، ترفع علم بنما، وتتبع شركة إماراتية، قبل أن يقرر مالك السفينة الإبحار نحو باكستان، وهو ما عده محمد "انتحاراً جماعياً" فطالب بالنزول من السفينة والعودة إلى وطنه، لكن القبطان تذرّع بعدم وجود بدائل، وهدده بوقف مستحقاته، ما اضطره إلى الاستقالة قبل انتهاء عقده بثلاثة أشهر، عائداً إلى الأردن على نفقته الشخصية، في مخالفة لما تنص عليه المادة 2.5 من اتفاقية العمل البحري MLC، التي تحمّل مالك السفينة تكلفة إعادة البحار إلى بلده في بعض الحالات منها "أن تكون السفينة متجهة إلى منطقة حرب".
بالمثل، رفض بحار مصري (طلب عدم ذكر اسمه خشية من تعرضه لأذى في عمله) استكمال رحلته على سفينة تركية ترفع علم جزر البهاما، وتحمل شحنة من الصين لمستأجر باكستاني، بعدما قرر المالك عبور مضيق هرمز من دون تصريح رغم إغلاقه، كما يقول، مضيفاً أن الشركة عرضت عليه رفع راتب عقده من ستمئة دولار إلى ألف ومئتان دولار شهرياً إلى جانب حصوله على راتب شهر كامل مقابل كل عملية عبور للمضيق، لكنه أصر على النزول.
غير أن من لا يمكنهم اتخاذ القرار مثل محمد، يقبعون في أماكنهم يعانون الخوف والجوع والعطش، فيما يواجه بعضهم ظاهرة "الهجر" التي تعرّفها منظمة العمل الدولية والمنظمة البحرية الدولية بأنها حالة تتخلى فيها الشركات المالكة أو المشغلة للسفينة عن التزاماتها الأساسية تجاه الطواقم، ما يتركهم عالقون على متن السفينة أو في موانٍ أجنبية دون دفع أجورهم لأشهر، أو دون توفير الطعام والماء والرعاية الطبية، أو الامتناع عن تمويل إعادتهم إلى أوطانهم.
بحسب قاعدة بيانات هجر البحارة التي تعدها المنظمة البحرية الدولية بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، أبلغت طواقم 21 سفينة هجرها، في مضيق هرمز ومحيطه، من أصل 93 حالة مسجلة عالميًّا في الفترة من 1 مارس/آذار وحتى 20 أغسطس 2026، بما يعادل أكثر من خُمس الحالات العالمية.
وتصدرت الإمارات القائمة بعدد 11 حالة موزعة بين موانئ خورفكان والشارقة ودبي وأبوظبي والفجيرة والحمرية، بينما سُجلت حالات أخرى في موانئ الدمام ورأس تنورة وجدة السعودية، إضافة إلى خصب وصحار في سلطنة عُمان، ما يشير إلى أن منطقة الخليج قد أصبحت خلال أزمة مضيق هرمز إحدى البؤر الرئيسة لظاهرة هجر السفن والبحارة، وفق المصدر السابق.
ظروف تتجاوز حدود الاحتمال
في ميناء صحار العماني، قرر البحار السوري أحمد فحل (44 عامًا) أيضاً مغادرة السفينة التي التحق للعمل بها رئيساً للبحارة "بش ريس" منذ 4 مايو 2025، عبر قبرص التي سافر إليها من لبنان، وغادرها في 26 يونيو 2026 بعد حوالي شهرين من العمل في ظروف يقول إنها "تجاوزت حدود احتماله".
تختلف شهادة فحل هنا عن باقي الشهادات، فالناقلة التي يعمل على متنها ضمن ما يعرف بـ"أسطول الظل"، وهي ناقلات تعمل في شحن وتفريغ البضائع من إيران، وإليها، وخارج المعايير البحرية الرسمية للالتفاف على العقوبات الأميركية، فهنا لا تخشى السفينة الهجمات الإيرانية بل الأميركية، حيث يتم إطفاء أجهزة التتبع للهروب من الرادارات، وتتغير الأعلام والوثائق، وتنتقل الشحنة الواحدة بين 3 و5 سفن مختلفة بهدف تمويه مصدرها.
وبحسب فحل، تتراوح رواتب البحارة على هذه السفن بين 600 و850 دولاراً شهرياً، وتستهدف الشركات المشغّلة من هم بحاجة ماسة إلى العمل لتنفيذ رحلاتها وعبور المضيق رغم الأخطار، استغلالاً لأوضاعهم الاقتصادية، في أجواء مهنية أقرب للاستعباد كما يقول. وبالنسبة إليه، لم يحصل على مستحقاته المالية إلا بعد اللجوء إلى الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF)، مشيراً إلى أن عدداً من البحارة الذين غادروا معه تعرضوا لاقتطاعات مالية وصلت إلى 1200 دولار للفرد الواحد، أما البقية فيجبرهم العوز على استكمال عقودهم.
ووفقاً لاتفاقية العمل البحري (MLC) لعام 2006، تتوزع مسؤولية الطاقم البحري ما بين الشركة المالكة للسفينة، تليها الدولة التي ترفع السفينة علمها، وتعرف بـ"دولة العلم"، وتقع عليها مهمة التأكد من التزام المالك بمتطلبات الاتفاقية، بالإضافة إلى دول الرسو لما لها من صلاحيات التفتيش والتدخل عند رصد انتهاكات جسيمة، وأخيراً دولة جنسية البحار، وذلك كله تحت رقابة منظمة العمل الدولية والمنظمة البحرية الدولية والاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF).
غير أنه على أرض الواقع، أظهرت أزمة هرمز ضعف آليات حماية البحارة خصوصاً ممن يأتون من دول الجنوب العالمي، وتحديداً سورية وأندونيسيا ومصر وبنغلادش، بالإضافة إلى الهند والفيليبين اللتين مع إصدارهما تعميمات رسمية بمنع توظيف أو إرسال بحاريها إلى متن السفن التي تعبر مضيق هرمز، إلا أنهما من أكثر الجنسيات عملاً في أطقم السفن التي تعمل في المضيق ومحيطه، وبحسب محمد الرشيدي، منسق شبكة الاتحاد الدولي لعمال النقل في العالم العربي وإيران، تستغل شبكات التوظيف الأوضاع الاقتصادية في هذه الدول لدفع البحارة نحو الخطر واستمرار قبول ظروف عمل غير آدمية، وبلا شك إنها "كابوس ممنهج يدفع فيها البحار ثمن حرب وصراع جيوسياسي لا ناقة له فيه، ولا جمل"، يقول الرشيدي.
ويتلقى الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF) بلاغات حول ما يجري في مضيق هرمز، تعكس ممارسات تصل إلى حدّ "الاتجار بالبشر"، مثل شكوى بحارة أوقفت الشركة راتبهم قرابة ثلاثة أشهر، في ظل قطع المؤن أيضاً عن طاقم السفينة فباتوا يأكلون الفتات، وهو ما يتفق مع التعريف النموذجي لظاهرة هجر البحارة، وفي شكوى أخرى أقدم مالك إحدى السفن على حبس بحار داخل مقصورته (الكابينة) لمجرد تواصله مع الاتحاد وإبلاغه عن الانتهاكات.
وقد أثر ذلك بالفعل على ارتفاع مخاوف البحارة أو ما يصفه الرشيدي بـ"رهاب الكلام"، إذ يخشون الإبلاغ عما يواجهونه من انتهاكات، سواء العالقين منهم أو المغادرون السفنَ، خوفاً من فقدان الوظائف أو التعرض لإجراءات انتقامية ومنع عملهم مستقبلاً، "ما يترك قطاعاً واسعاً من الانتهاكات خارج دائرة الضوء" على حد قوله، وفي حالات عدة رصدها الاتحاد، عمدت إدارات سفن إلى مصادرة وسائل الاتصال الخاصة بالبحارة أو تقييد تحركاتهم على متن السفن فور مطالبتهم بحقوقهم القانونية، وهو ما ظهر أثناء تواصل "العربي الجديد" مع مصادر التحقيق، إذ طلب العديد منهم عدم الكشف عن هوياتهم.
مخاوف العودة إلى الوطن
سجل خط المساعدة الدولي التابع للشبكة الدولية لرعاية ومساعدة البحارة (ISWAN) (مجاني وسري متعدد اللغات يعمل على مدار الساعة)، زيادة تراوحت بين 15% و20% في عدد المكالمات والرسائل الواردة منذ اندلاع أزمة مضيق هرمز، مقارنة بالعام الماضي. وأفادت ليبثال، مسؤولة التواصل والإعلام في الشبكة، بأن تداعيات التصعيد العسكري لم تقتصر على الجانب اللوجستي بتعطيل تبديل الطواقم البحرية أو منعها من العودة إلى الوطن، بل امتدت لتخلف هلعاً نفسياً وإنسانياً لم يسبقه مثيل. ويتعلق قطاع عريض من الشكاوى بمشكلات "مستعصية" لا تستطيع الشبكة إيجاد حل فوري لها، مثل العودة إلى الوطن وتعثر تبديل الأطقم، أو إلغاء الرحلات الجوية في مطارات المنطقة وتأخر عمليات السفر، وتعقيدات إنهاء إجراءات المغادرة من الموانئ واستفسارات مكثفة من البحارة لمعرفة حقوقهم القانونية والإدارية المتعلقة بالعودة الطارئة إلى أوطانهم.
وامتدت الاستغاثات إلى اتصالات من أفراد عائلات البحارة الذين تأثروا ماليّاً في ظل حجب بعض ملاك السفن رواتب أبنائهم، وفي الوقت نفسه يعيشون حالة قلق وهلع مستمر على ذويهم العالقين في الخليج، ما دفعهم إلى طلب الدعم النفسي العاجل أو إرشادات للتعامل مع ما يواجهونه.
وفي ردها على "العربي الجديد"، أفادت منظمة العمل الدولية بأن ما يجري مع الأطقم البحرية في مضيق هرمز ومحيطه مخالف لملاحق اتفاقية العمل البحري التي تتضمن أحكاماً لحماية البحارة من الهجر، وضمان حصولهم على الإمدادات الأساسية، وتسهيل عمليات تغيير أعضاء الطواقم وإعادتهم إلى أوطانهم، والحفاظ على قنوات التواصل بينهم وبين عائلاتهم، داعية إلى أن تتدخل حكومات الدول الموقعة على الاتفاقية، بما في ذلك دول الموانئ، إلى الاعتراف بالبحارة بوصفهم عمالاً أساسيين، ودعم تنقلهم الآمن، بما يضمن حصولهم على الرعاية الطبية والإجازات الشاطئية، وفقاً للمعايير الدولية.
* بمشاركة : أنصار أبو فارة من فريق تحقيقات العربي الجديد