رسالة جديدة على لسان عبدالناصر... الوحدة مع السودان كانت أولى من سورية

14 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:48 (توقيت القدس)
الوحدة بين البلدان الثلاثة واجهت عوائق كبيرة (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثارت تصريحات الدكتورة هدى جمال عبد الناصر حول جزيرتي تيران وصنافير في 2016 موجة من السخرية والانتقادات، مما دفع الجماهير للمطالبة بالكشف عن وثائق تاريخية مخفية.
- التسجيلات الصوتية لعبد الحكيم عبد الناصر على "ناصر تي في" تناولت نبوءة جمال عبد الناصر حول مستقبل السودان، مسلطة الضوء على التحديات الاستراتيجية لمصر وسط التوترات الإقليمية وتحركات مليشيا الدعم السريع.
- ناقشت التسجيلات العلاقات المصرية السودانية والتحديات التاريخية والسياسية، بما في ذلك فكرة الوحدة بين مصر والسودان وليبيا، مع التركيز على التعقيدات التي تعيق تحقيقها.

"احذر مما تتمناه"، أو be careful what you wish for كما يقول مثل إنكليزي قديمٌ حوته حِكَايَاتُ العبد اليوناني إِيسُوب العائدة إلى القرن السادس قبل الميلاد. ولا ريب أنه لم يخطر على بال سواد المصريين لدى ركوبهم في عام 2016، موجة "تنكيت وتبكيت" ساخرة مما قالته الدكتورة هدى جمال عبد الناصر ابنة الزعيم الراحل وأستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، بأنها وجدت و"بالصدفة المحضة" داخل البيت وثائق تؤكد أن جزيرتي تيران وصنافير سعوديتان بعد سابق تاكيد بمصريتهما، وليس هذا موضوعنا، وإنما ما اشتهته عاصفة من "الميمز" (صور فكاهية) وتعليقات لاذعة مطالبة لأفراد الأسرة بالبحث عن المزيد من تاريخ مصر الكامن داخل منازلهم، بعيدا عن متناول الباحثين ومرتادي الأرشيفات العمومية، فكان لهم ما أرادوا، وكان لنا ما لم نعلم بوجوده: قطع مفقودة من أحجية تاريخية خلق غيابها فجوات عميقة في البنية السردية لجمهورية يوليو "المُفتَرَى عًليهِا وَالمفتَرِية عَلينا" والتعبير بتصرف أصله يعود إلى كتاب لأنيس منصور، نشره في عام 1988، راويا شهادته عن مؤسسها بعد رحيله بثمانية عشر عاما، بيد أن عبد الحكيم عبد الناصر ضرب الرقم السابق وتفوق عليه بـ37 عاما!، ناشرا بـ"التقطير" في قناته على "اليوتيوب" المعروفة بـ"ناصر تي في" "Nasser TV"، مقاطع صوتية لبعض منها مغزى ومعنى ليس في بطن الشاعر، بل في عقل من يصطفيها ويصنعها على عينه، خاصة أنها مجتزأة والقناة كانت خاملة غير منتظمة النشر لا يدري عنها أحد شيئاً منذ تأسيسها في يناير/كانون الثاني 2018، رغم ضخها مئات المقاطع المصورة لخطب الرئيس الراحل وأنشطته، إلا أنها صارت مثار حديث الجماهير السيارة، لا سيما كلما أخرجت لنا من جراب الجهة الواقفة خلفها تسجبلا يراد للجمهور تجرعه ولا يكاد يسيغ خطورته كهذا المعنون بـ"نبوءة جمال عبد الناصر للقذافي والنميري حول مستقبل #السودان".

قبل تحليل مضمون المقطع بيانا وتبيينا للنبوءة المتحراة، يقينا فإن للتسجيل "الجديد"، كشفا بمحتواه وما قيل فيه، "الغابر" زمنا بتفاصيله الراجعة إلى 12 فبراير/شباط 1970، صلة بقلق مصري مرصود حكوميا وشعبيا، تجلى في تحذير القاهرة اليوم من اقتراب مليشيا الدعم السريع من حدودها بعد أن حاولت استهداف مدينة مروي بالولاية الشمالية الحدودية عبر الطائرات المسيرة، في أحداث متسارعة منذ سقوط مدينة الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي على يد المليشيا واستحواذها على كامل إقليم درافور ما عدا بعض الجيوب، أي لم يعد يفصلها عن القاهرة سوى أجزاء من الولاية الشمالية، ومن هنا يمكن فهم توقيت بث المقطع عقب 10 أيام من تلك الواقعة التي سبقتها ثانية لا تقل خطورة وقد جرت في يونيو/حزيران الماضي إثر تقدم المليشيا إلى المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان ما أضفى أبعادا استراتيجية خطيرة على تمددها جغرافيا وامتلاكها أوراق تهديد حدودية يمكنها عبرها محاولة الضغط على القاهرة تحييدا لدورها المنحاز للدولة السودانية ومؤسستها العسكرية القومية، علاوة على تعظيم مصادر قوتها بفتح خط إمداد إضافي يمر بالجنوب الليبي وبمساعدة نظيرتها المليشياوية في تلك البلاد بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، تنويعا لمصادر السلاح والوقود والمرتزقة المجلوبين في مقابل عوائد اقتصاد تهريب البشر والذهب والسلع فضلا عن مردودات خط آخر يقع على الشريط الحدودي مع تشاد ويمتد إلى منطقة الساحل والصحراء المضطربة أمنيا، وقديما قيل "ضربتان في الرأس توجع (توجعان)" فما بالك بثلاث، أكثرهم خطرا تعاظم احتمالات تفكك الدولة السودانية بعدما كان المطروح قبل 55 عاما هو أن :"الوضع الطبيعي أن تكون هناك وحدة بين مصر والسودان، فلم يكن الوضع الطبيعي أن تكون الوحدة بين مصر وسورية" والعبارة قالها الرئيس عبد الناصر خلال لقائه مع الرئيس جعفر نميري والعقيد معمر القذافي الساعي لاندماج البلدان الثلاثة في حلم صار اليوم كابوسا، فأحدهم انقسم قانونيا إلى دولتين مستقلتين شمالية وجنوبية وثمة ثالثة تلوح في الأفق غربا، والأخرى مفككة وفق إكراه سلطات الأمر الواقع وتعمل فيها حكومتان شرقا وغربا وبالتأكيد ما يجري في السودان وليبيا، لم يخطر في مخيال المجتمعين وقد ساقهم اتقاد وشغف عروبي إلى نقاش أفكار من قبيل اتحاد جمهوريات على النمط اليوغسلافي.

في البدء لاح تطرف سياسي في ما ذهب إليه القذافي المتحمس منكرا وجود أي قوميات في السودان، باستثناء "العربية" ثم عاد ليعتبر أن "الجنوب يمكن أن يشكل قومية" بعد عرض مستفيض لنميري حول الإثنيات العديدة التي يذخر بها بلده وتناقضاتها الكثيرة، مثل اتحاد قبائل البجا في شرق السودان، قائلا :"إن أصلهم عربي لكنهم لا يتكلمون العربية وعادتهم تختلف عن العرب، لا سيما عرب الغرب (درافور) وهؤلاء يختلفون عن عرب الوسط وكل هؤلاء يختلفون تماما عن الجنوب ونوبة وسط السودان المختلفة عن نوبة الشمال"، فما كان من القذافي إلا أن وصف تلك التعقيدات بمظاهر التأخر الاجتماعي وهو ما رد عليه نميري أن نظامه يعمل على برامج اجتماعية واقتصادية لتقريب كل تلك الإثنيات والقبائل من بعضها حتى تصبح على مستوى واحد بعد حل المشاكل الداخلية ليمكن بعدها توحد البلدان الثلاثة، وقبلها يمكن التلاقي في الأهداف السياسية إلى أن يجري خلق وحدة شعبية، وهو ما وافق عليه ناصر قائلا للقذافي: "لا تستطيع أن تستحث الوحدة بالكلام لا بد أن تكون عن قناعة وشعور بالمصلحة الكاملة للجميع وإلا فالوحدة فيها متاعب ومنغصات لا نستطيع تحملها"، في ما يبدو أن "تروما" (الصدمة النفسية) سياسية جراء الانفصال المصري - السوري وزوال الجمهورية العربية المتحدة ما جعل ناصر أكثر واقعية ضاربا مثالا توضيحيا على ما سبق بالقول :"إن السوريين كان لديهم قناعة غريبة جدا بالوحدة، واحنا مكانش (لم يكن) عندنا قناعة، وبعدما دخلنا في الوحدة كانت هناك أحزاب كثيرة وكل منها أراد أن يحقق هدفه من خلال الوحدة، الشيوعيون والبعثيون والحزب الوطني، وحزب الشعب، وكل منهم أراد أن يسيطر من خلال الوحدة ولما لم يحققوا هدفهم انقليوا جميعا ضد الوحدة، كذلك الشخصنة لها دور، فأكثر من كان يؤمن بالوحدة في سورية هو صلاح البيطار، وحينما لم يعين وزيرا للخارجية انقلب على الوحدة، وميشيل عفلق حارب الوحدة لأسباب شخصية وليس لأسباب مبدأية، فلا بد أن يقتنع الناس (يقصد الشعوب) بالوحدة في ظل الحرب النفسية والشائعات التي تستهدفهم".

أما في مسألة العلاقات المصرية السودانية فيذهب ناصر إلى تشخيص دقيق للعراقيل والتحديات التي تواجهها دونما رومانسية سياسية اتسمت بها أفكاره في بدايات توليه السلطة، ومن هنا قدم توصيفا لما سماه بـ"عقدة خلقت بين البلدين وتجاهلها غلطة كبيرة، وجرى تغذيتها عبر الإنكليز"، قائلا :"اختلفت مع صلاح سالم لأنه أراد وحدة بأي ثمن مع السودان، ففي حال عدم القناعة سيكون هناك انشقاق مستمر بيننا، بعد وحدة سابقة مثلت نوعا من السيطرة والحكم الإقطاعي منذ أيام محمد علي، وتوحيده لبلاد السودان وكردفان ودارفور وبلاد النوبة وسنار وغيرها، فكان للبلدين جيش واحد"، يتدخل نميري هنا قائلا وكلية حربية واحدة، "نعم وكانت هناك وحدة كاملة" يقر ناصر بهذا، لكن خلق الإنكليز اتجاهات للتفرقة بين البلدين، لذا قلنا في مجلس الثورة عام 1953 لا بد أن يخرج الإنكليز من السودان قبل مصر، وهذا سيجعل العلاقة بين البلدين جيدة لأنها بالطبيعة في مصلحتهما، لكن بعد اتفاقية تقرير مصير السودان في عام 1953 بدأت دعايات كبيرة ضد الوحدة نتيجة عقد وترتيبات خلقت حساسية ضد الوحدة، رغم كل مقوماتها التي لم تكن قائمة في الحالة السورية، وكانت العلاقات في أغلب الأوقات جيدة إلا في عهد عبدالله خليل لعلاقاته مع الإنكليز (كان رئيسا للوزراء في أول حكومة بعد الاستقلال)".

هنا تدخل نميري قائلا إن عبدالله خليل مصري من دارو، (مدينة شمال أسوان)، يكمل كان كذلك ضابطا في الجيش المصري، فيضحك الحضور ويقر ناصر بما قاله الرئيس السوداني، قائلا: "الرواسب والعقد كبيرة، والدعاية تقول إن الوحدة بين مصر والسودان معناها أن مصر ستسيطر على السودان، وإذا كان الهدف عمل وحدوي لا بد من تصفية كل العقد ومعالجة الموضوع بصبر ولا نخلق أي مواقف قد تعقد الأمور"، سائلا نميري عن رأيه، فأجاب: "ده كلام صح كله، والأحزاب القديمة تقود ثورة مضادة تحاربنا بأننا سندخل البلاد في وحدة، وهدفهم الوصول للسلطة وارتباط مصالحنا مع مصر خطر على مصالحهم"، وهذا هو لب العقد التي ذكرها الرئيس عبد الناصر الضابط السابق في الجيش المصري بالسودان، فالإقطاع السياسي والاقتصادي القديم الممثل في أسرتي المهدي والميرغني كانت له مصالحه التي يرفض التخلي عنها وهو ما كان سيخلق حالة كبيرة من الصدام العنيف مع النظام الحديث الناشئ بين البلدين كما يرى الباحث والكاتب السوداني وائل علي، بالتالي كان على دولة الوحدة المفترضة خوض تعقيدات التعامل مع الإثنيات السودانية وامتدادتها القبلية الخارجية مع دول الجوار تشاد وإثيوبيا وإريتريا وكينيا وأفريقيا الوسطى وأوغندا والتواترت العرقية التي خلقها الإنكليز بين جنوب السودان وشماله، وهذا الواقع شديد التعقيد والخطورة أسفر عن فتور همة ناصر الوحدوية وزهد أحلامه بالزعامة العربية من خلال البوابة السودانية الأقرب إلى بلاده بكل المقاييس، لكن يصعب السيطرة على أهلها وحكمها إذا قارنتها بمصر سهلة الانقياد، لما لأهلها من هوية موحدة وواقع جغرافي محدد يسهل السيطرة عليهم، على عكس السودان الشاسع الممتلئ بالمشاكل والصراعات التي ستستنزف الدولة الوليدة.

وهذه هي الرسالة المتوخاة من المقطع المذكور، والموضوعة على لسان الرئيس عبد الناصر من أجل منحها رمزية وثقل تاريخه، في إجابة عن أسئلة متصاعدة في القاهرة منذ سقطت الفاشر، متى ستتدخل مصر؟ لماذا لم تضع خطا أحمر لأمنها القومي في جنوبها مثل سرت التي حددها الرئيس عبد الفتاح السيسي غربا؟ أليس أمن مصر من أمن السودان بأبعاده المائية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ أين دورنا العروبي القومي خاصة في ظل الروابط التاريخية بين البلدين والشعبين؟

و"ماذا في أيدينا لنفعله؟" هكذا يجيب علينا من بث التسجيل، فالسودان مشاكله كثيرة، والعقد بين البلدين جمة، وإن كان هذا وضع البلدين وقتها، فكيف حالهما اليوم؟ ضعف الطالب والمطلوب، "فليبق كل في مكانه" بصوت الزعيم الراحل.