خطر فيضان النيل... ارتفاع المنسوب يفاقم معاناة فقراء مصر

القاهرة
العربي الجديد
26 سبتمبر 2020

بدأ الصياد المصري محمود شلبي في إزالة أقفاص الاستزراع السمكي المملوكة له، من بحيرة إدكو التابعة لمحافظة البحيرة شمالي مصر، بعد ارتفاع منسوب نهر النيل جراء الفيضان الكبير الذي ضرب السودان، وتحرك في اتجاه البلاد، ما تسبب في خسارة كبيرة له ولزملائه العاملين في البحيرة والذين يبلغ عددهم 20 ألف شخص، من بينهم 5 آلاف صياد مسجلين في هيئة الثروة السمكية، وفق ما يؤكده حمادة نويري أبو بكر شيخ صيادي البحيرة، فيما تدمرت عشرات الأفدنة في قرية الصواف بمحافظة البحيرة، وعدة قرى مجاورة.

وتفوق خسائر أهالي قرية أبو نشابة التابعة لمركز السادات في محافظة المنوفية بدلتا النيل نظراءهم في البحيرة، إذ غرقت أراضي طرح النهر الواقعة على ضفتي النيل، للعام الثاني على التوالي، ليضيع جهد الفلاحين ومالهم، هم الذين يستأجرون الفدان في مقابل 4 آلاف جنيه (253 دولاراً أميركياً)، كما يقول رجب محمد أحد أهالي القرية بينما كان يعمل في تقوية الطريق الواصل إلى القرية بعد غرقه جراء الفيضان.

ويهدد خطر الغرق أراضي طرح النهر، وخاصة تلك التي تقع في محافظات البحيرة وكفر الشيخ ودمياط شمالي مصر، نتيجة انخفاض مستواها عن منسوب النيل، والذي يتوقع ارتفاعه متراً واحداً و20 سنتيمتراً جراء زيادة إيراد النيل، وفق إفادة الدكتور عباس شراقي مدير مركز الموارد الطبيعية بمعهد الدراسات والبحوث الأفريقية في جامعة القاهرة والذي لفت إلى أن أخطر المناطق المهددة بالغرق تقع في مناطق التعديات على جانبي نهر النيل، قائلاً: "تم البناء في مناطق تقع بالقرب من مجرى النهر بعد عام 2011 وهذه يجب الانتباه إليها وإخلاؤها سريعاً"، ويضيف: "الجزر النيلية مثل الوراق وغيرها من الجزر الصغيرة، والتي لا تحميها حواف وشواطئها واسعة وتنخفض عن منسوب النيل وقت الفيضان وأوقات التصريف الكبير من السد العالي مهددة كذلك بالغرق، إذ يحتوي مجرى النهر على 300 جزيرة، بعضها آمن تماماً، مثل الزمالك والمنيل، وبينها المعرض للغرق بسبب الفيضان الكبير الذي ضرب السودان، وبلغ ارتفاع منسوبه هناك 18.44 متراً في محطة شندي، محطماً المعدل القياسي الذي سجل عام 2019".

لماذا ارتفع منسوب النهر؟

أدى ارتفاع مياه الفيضان الواردة عبر الهضبة الإثيوبية إلى غرق ولايات عديدة بالسودان، كما يوضح شراقي، متوقعاً استمرار تدفقات مياه الفيضان، حتى نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، ومشيراً إلى أن أغلب مناطق التعديات تحوي أراضي زراعية وأخرى مزارع سمكية وبعضها تم بناء منازل فيها بالمخالفة للقانون.

وهطلت أمطار غزيرة على الهضبة الإثيوبية أدت إلى امتلاء نهر النيل بالرواسب، وهو ما يظهر في مناسيب محطات قياس تصرفات النهر، كما يوضح الدكتور عبد الفتاح مطاوع، رئيس قطاع مياه النيل الأسبق بوزارة الموارد المائية والري، مؤكداً أن مناسيب النيل حالياً أعلى من منسوب فيضان 1946 والذي أغرق نصف صعيد مصر آنذاك، وأعقبه انتشار وباءَي الملاريا والكوليرا، وهو ما يأتي بعد أن شهد النيل فيضاناً في العام الماضي تم تصنيفه بأنه أعلى من المتوسط.

ويؤثر ارتفاع منسوب الفيضان عن الحدود الآمنة على جسم السد العالي بسبب زيادة المياه في بحيرة ناصر، ومن ثم لا بد من تصريفها، ويؤكد المهندس محمد السباعي المتحدث الرسمي باسم وزارة الري أن التعدي بالبناء والردم على مناطق طرح النهر يهدد حياة المواطنين والممتلكات العامة، مشيراً إلى أن 13 محافظة تم تحذيرها من ارتفاع منسوب النيل وغرق بعض الأراضي الواقعة ضمن حرم النهر، وأقر بأن الدولة غير قادرة على إدارة النيل بشكل جيد نتيجة تلك التعديات والمخالفات.

الصورة
مصر2

وعن الأزمات التي تواجهها الوزارة خلال الفيضان، أكد المتحدث باسم الري، أن ضخ كمية كبيرة من المياه في فرع رشيد يواجه مشكلة جسيمة نتيجة أعمال الردم والاختناقات بسبب التعديات على مياه النيل، مشيراً إلى أن "فرع رشيد في الطبيعي كان يستطيع أن يستوعب 80 مليون متر مكعب من المياه في اليوم الواحد، لكن اليوم قدرته لا تتجاوز ما يتراوح بين 40 و45 مليون متر مكعب من المياه بسبب التعديات". ولفت إلى أن موسم الفيضان بدأ في أغسطس/ آب الماضي، ويستمر ثلاثة أشهر وتابع: "نهر النيل يشهد ارتفاعاً كبيراً في منسوب المياه لم يتعرض له لأكثر من قرن، ما أدى لفيضانات ضخمة في السودان، وهذا الفيضان هو الأعلى منذ البدء في تسجيل تلك البيانات عام 1912".

دورات الفيضان والجفاف

ألحقت الفيضانات الضرر بمصر بشكل كبير، ما دفع الحكومة إلى بناء خزان أسوان عام 1897 بعد فيضان كبير أدى لغرق 10 قرى نوبية وتهجير المقيمين فيها، قبل أن ينتهي العمل فيه عام 1902، لحجز المياه الزائدة في موسم الفيضان، بهدف السيطرة على النهر وترويضه، لكن الخزان كان لا يحجز المياه لأكثر من عام واحد، كما تمت تعلية السد عدة مرات، منها ما جرى في عام 1912 لمواجهة الفيضانات العالية والمتتالية بعدما أدى أحدها إلى غرق 8 قرى أخرى هي (قورتة والعلاقي والسيالة والمحرقة والمضيق والسبوع ووادي العرب وشاترمه)، كما تمت تعلية الخزان مرة ثانية في عام 1933، بعد أن أغرقت الفيضانات 10 قرى أخرى، كما يوضح الدكتور حسام مغازي وزير الموارد المائية والري الأسبق.

وتابع: "عقب ثورة 23 يوليو 1952 بدأت مصر في إنشاء السد العالي لحماية أراضيها من الفيضانات العالية التي كانت تغرق مساحات واسعة في ذلك الوقت، قبل أن يتم الانتهاء من تنفيذ المرحلة الثانية منه في 15 يناير/ كانون الثاني 1971، ومع اكتمال البناء منع وصول الفيضان لمصر، إذ بات يتوقف وصوله وراء السد عند حدود السودان".

وأوضح مغازي أن نهر النيل يمر عادة بمراحل فيضانات وجفاف، وشهدنا خلال العامين الماضي والحالي ارتفاعاً في منسوب المياه، ما يعني أن هناك سلسلة من السنوات المتتالية القادمة للفيضان على غرار حقبة التسعينيات التي شهدت عدداً من الفيضانات الشبيهة، إذ استطاعت مصر وقتها تجنب أخطار الفيضانات العالية التي حدثت في الفترة من 1998 إلى 2002. كذلك حمى السد العالي مصر من كوارث الجفاف والمجاعات نتيجة للسنوات المتعاقبة شحيحة الإيراد في الفترة من 1979 إلى 1987 وتم سحب ما يقرب من 70 مليار متر مكعب من مخزون بحيرة السد العالي لتعويض العجز السنوي في الإيراد الطبيعي لنهر النيل.

وتبلغ السعة التخزينية لبحيرة ناصر 164 مليار متر مكعب من المياه، وإلى جانبها مفيض توشكي لتصريف المياه الزائدة عن منسوب بحيرة ناصر إلى المنخفض الطبيعي المعروف بمنخفض توشكي غربي النيل عن طريق القناة الموصلة بين بحيرة ناصر والمنخفض، وفق مغازي الذي قال إن هذا العام شهد ارتفاعاً في هطول الأمطار على المصادر الثلاثة لمياه نهر النيل في مصر، تشمل الهضبة الإثيوبية والهضبة الاستوائية وسط أفريقيا، ونهر عطبرة الذي تقع منابعه في إثيوبيا ويمتد حتى السودان، ما يقتضي الحذر الشديد حتى لا يقع ضحايا في الأرواح أو خسائر كبيرة في الممتلكات.

الأراضي المهددة بالغرق

تكشف المؤشرات الأولية للفيضان احتمالية أن يكون في حدود أعلى من المتوسط، وذلك لأن إيراد النهر خلال سبتمبر/ أيلول حتى الآن أعلى من نظيره في العام الماضي، وفق ما جاء على الصفحة الرسمية لوزارة الري المصرية، والتي تملك أراضي طرح النهر التي تم الاعتداء عليها من قبل المواطنين والصيادين، بحسب ما يؤكده المهندس عامر شكري، وكيل وزارة الموارد المائية والري في البحيرة، موضحاً أن حرم النهر مساحة لا يجوز البناء عليها وتمتد إلى مسافة لا تقل عن 200 متر على جانبي النيل، وما دون ذلك يعد مخالفة يجب إزالتها، وأكد أن الحل الوحيد أمام سكان هذه البيوت هو ترك المكان حفاظاً على حياتهم وممتلكاتهم، في ظل الأضرار الكبيرة التي طاولت السودانيين جراء الفيضان الذي خلف 121 قتيلاً كما تضرر 770 ألفاً، إضافة إلى تضرر 97 ألفاً و62 منزلاً، بينها 40 ألفاً و236 انهياراً كلياً، و57 ألفاً و826 انهياراً جزئياً، فيما تضرر 97 ألفاً و791 فداناً زراعياً، و396 متجراً ومخزناً، و224 من المرافق، بالإضافة إلى نفوق 5950 رأساً من الماشية، وفق ما أعلنته وزارة الداخلية السودانية في أغسطس/ آب الماضي.

ومن أجل تحقيق أمان السد العالي خلال الفيضان المقبل، قال الدكتور مطاوع، إنه يجب التخلص من المياه في منخفضات توشكي والبحر الأبيض المتوسط، وتطهير البواغيز (جسم مائي ضيّق يصل بحراً أو بحيرة واسعة بجسم مائي أصغر في قلب اليابسة)، وأن تكون محطات الصرف الزراعي في حالة جيدة، مشدداً على أن ما حدث في السودان يجب أن يجعلنا في أقصى درجات الاستعداد في مصر. وقال: "على الرغم من أن بحيرة السد العالي أصبحت منذ إنشاء السد هي الخزان الأول لحصة مصر من المياه بعد مرورها بالسودان، فإن السد بطبيعة الحال يسمح بتصريف كميات من المياه عند وصول منسوب بحيرة السد إلى أعلى مستوى له وتصريف كميات المياه الزائدة إلى مفيض توشكي المُوازي للمجرى الطبيعي للمياه"، لذا فإن محافظات دلتا النيل الواقعة بين فرعي دمياط ورشيد والتي تعد أماكن منخفضة عن منسوب النهر، معرضة للغمر بالمياه في حال تصريف كميات زائدة في المجرى المائي للنيل.

ذات صلة

الصورة

مجتمع

أعلنت وزارة الداخلية السودانية، الأربعاء، عن ارتفاع عدد ضحايا الأمطار والسيول والفيضانات في البلاد إلى 124 شخصاً بعد تسجيل 3 حالات وفاة جديدة.
الصورة
سودانيون يمارسون هواية الصيد على النيل رغم الفيضان (العربي الجديد)

مجتمع

لم تمنع الفيضانات التي ضربت السودان، مؤخراً، سودانيين من ممارسة هواية صيد الأسماك، لا سيما في شهري أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول من كل عام.
الصورة

منوعات وميديا

قال مسؤول سوداني، يوم الثلاثاء، إن الفيضانات العارمة التي تشهدها البلاد حالياً تهدد موقعين يضمان أهرامات مروي ونوري الملكية، وهما من أهم المواقع الأثرية في البلاد.
الصورة
مفاوضات سد النهضة/ السودان

سياسة

اختتمت دول السودان ومصر وإثيوبيا، الجمعة، جولة مفاوضات جديدة حول "سد النهضة"، دون التوافق على مسودة اتفاق يفترض تقديمها إلى رئاسة الاتحاد الأفريقي.