جثامين مصرية للبيع... استنزاف عائلات ضحايا الهجرة غير الشرعية

15 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:39 (توقيت القدس)
تتكبّد الأسر المصرية مبالغ طائلة لاستعادة جثامين أبنائها (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتعرض عائلات ضحايا الهجرة غير الشرعية المصريين لابتزاز من شبكات الاتجار بالبشر في ليبيا، حيث تُحتجز جثامين المهاجرين ويُطلب من العائلات دفع مبالغ كبيرة لاستعادتها.
- تتعاون العصابات الليبية مع وسطاء مصريين لاستغلال المهاجرين، حيث يتم احتجازهم وابتزاز عائلاتهم لدفع فدية، وفي بعض الحالات يُقتل المهاجرون لعدم قدرة عائلاتهم على الدفع.
- تتعرض مراكب المهاجرين للهجوم من عصابات متواطئة مع المهربين، ويتم ابتزاز العائلات للحصول على جثث الغرقى، مع فرض رسوم باهظة لنقل الجثامين عبر الحدود.

تساوم شبكات الاتجار بالبشر الليبية عائلات ضحايا الهجرة غير الشرعية المصريين على إعادة جثامين أحبائهم، في ظاهرة تنمو حتى أضحى لدى بعضهم ثلاجات خاصة للموتى.

- فقد المحامي المصري مسعد البنا صديقه الذي سافر بطريقة غير شرعية إلى ليبيا بحثاً عن فرصة للوصول إلى أوروبا عبر البحر، وبعد وصوله انقطع أثره تماماً، فبدأت أسرته المقيمة في مدينة دمياط شمال مصر رحلة بحث مضنية عبر الإنترنت، حتى أنها لجأت، بمساعدة البنا، إلى المكتب الدولي للمحاماة - فرع ليبيا، والذي يفوضه ذوو المفقودين بالبحث عنهم لكن دون جدوى، ليقرر البنا إطلاق مجموعة على "فيسبوك" في 27 إبريل/نيسان 2024 بعنوان "مفقودين مهاجرين إلى إيطاليا"، سرعان ما ارتفع عدد أعضائها إلى 19 ألفاً، معظمهم يبحثون عن أقارب اختفوا في ظروف مشابهة.

الصورة
استمارة بحث عن مفقودين (العربي الجديد)
                  استمارة بحث عن مفقودين في ليبيا (العربي الجديد)

وبعد أسابيع من البحث، تلقى البنا اتصالاً من شخص في ليبيا قدم نفسه بوصفه (مخبراً) قبل أن يتضح لاحقاً أنه جزء من عصابة متخصصة في احتجاز جثامين المهاجرين والاتجار بها، وطلب الرجل بيانات المفقود ثم عينة DNA من أحد أشقائه لمقارنتها مع جثة مشوهة قال إنها محفوظة في ثلاجة "خاصة"، غير قانونية تدار كمنشأة سرية لحجز الجثث وبيعها بواسطة شبكة اتجار بالبشر، وبعد مطابقة العينة، أبلغهم أن الجثمان موجود في الثلاجة، "والاستلام مقابل الدفع"، فسافر البنا وثلاثة من أقارب المفقود إلى ليبيا، هناك انتظرتهم سيارة معتمة النوافذ سارت بهم ثلاث ساعات قبل أن تصادر هواتفهم، وقادهم شخصان إلى الثلاجة المكتظة بالجثث، وكشفوا عن الجثمان: جرح غائر في الرقبة، وثلاثة جروح متصلة في الصدر، وإصبع يد مبتور!

ووسط ذهولهم، دوّى صوت أحد عناصر العصابة مطالباً بالدفع، وبعد مفاوضات، منحوه 20 ألف جنيه (400 دولار)، ثم نقل الجثمان إلى سيارة بلا لوحات سارت في طريق صحراوي، وداخل المركبة هُددت العائلة بالقتل ما لم تدفع خمسة آلاف دولار إضافية قبل تسليمه إلى مستشفى حكومي لتغسيله وإكمال الإجراءات. يقول البنا: "عندما دخلنا المستشفى لم يتفاجأ الطاقم، ولم يسألوا عن ملابسات الوفاة، واكتفى فريق الاستقبال بطلب مبالغ غير رسمية لتسريع استخراج محضر الوفاة وإجراءات الدفن". لاحقاً علمت العائلة أن الجثمان ظل محتجزاً لدى العصابة في ثلاجتهم لمدة ثلاثة أسابيع.

بيع جثث المهاجرين في ليبيا

هكذا تحولت المجموعة التي أنشأها البنا إلى بوابة لاستعادة سلسلة من جثامين مهاجرين مصريين بطرق مشابهة وصل عددها إلى 20 جسداً، جرى التواصل مع وسطاء يعملون لصالح عصابات كانت تحتجزها، لكن الأفضل من هذا هو نجاحه في العثور على 30 مفقوداً على قيد الحياة.

الصورة
صفحة مخصصة للبحث عن المفقودين (فيسبوك)
       صفحة مخصصة للبحث عن المهاجرين المصريين المفقودين (فيسبوك)

 

كيف يجري استرجاع الجثامين؟

لاحظ مالك "مكتب الشيخ لسيارات نقل الموتى"، الشيخ طارق، زيادة واضحة في عدد حالات الوفيات لمهاجرين مصريين غير شرعيين، فعلى مدار 20 عاماً من عمله "كانت الحالات نادرة، لكن خلال عامي 2023 و2024 كان ينقل شهرياً جثماناً أو اثنين لمهاجرين، عبر منفذ السلوم الحدودي".

الصورة
مكتب
صفحة مكتب الشيخ لسيارات نقل الموتى على فيسبوك

وجثث المهاجرين هذه لم تظهر فجأة على الشواطئ الليبية أو أمام المستشفيات قبل أن تنقل لذويها، بل سبقتها دائماً رحلة موت غير مرئية، هذا ما يؤكده الشاب المصري، أحمد محمد عبد الله، الذي عاد إلى قريته في مركز بنها بمحافظة القليوبية شمال مصر، لكن ذاكرته لم تبارح المخزن الذي احتجزته فيه عصابة مكوّنة من مصرييْن وليبي، مع 16 شاباً آخرين لم يبلغوا الثامنة عشرة من العمر، بعد أن نُقلوا من مدينة السلوم الحدودية بين البلدين إلى مطروح، ثم إلى طرابلس، التي كان من المفترض أن تكون بداية الطريق إلى إيطاليا، لكن عشرين يوماً قاسى فيها عبد الله ومن معه صنوف العذاب، جعلتهم يوقنون بضياع حلم الهجرة، خاصة بعد أن اتصل المهربون بوالده وطالبوه بمبلغ 140 ألف جنيه (ما يعادل 2900 دولار أميركي) مقابل إعادة ابنه إلى مصر. وبالفعل دفع الأب 90 ألف جنيه (1890 دولاراً) لمكتب "سهيل لإلحاق العمالة المصرية بالخارج" في 10 سبتمبر/أيلول 2023، بينما حوّل الباقي، عبر خدمة "فودافون كاش"، إلى رقم هاتف محمول أرسله أحد المهربين.

الصورة
إيصال دفع الفدية للمهربين (العربي الجديد)
إيصال دفع المال للعصابة التي احتجزت المصري أحمد عبد الله في طرابلس (العربي الجديد)

ومن هنا أدرك عبد الله أن السمسار المصري الذي نظم الرحلة، استدرجهم ليتاجر بهم، باتفاق مسبق مع العصابة في طرابلس، لكن المأساة لم تقتصر على الأحياء، بل طاولت الجثث أيضاً، يقول، مضيفاً أنه شهد قتل أحد المهاجرين بضربه على رأسه بأنبوب معدني، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعرضت عائلة القتيل للابتزاز لتسلّم جثمانه، مع تهديدهم بإلقائه في الصحراء إذا لم يصل المال.

"تُحوّل العصابات جثث المهاجرين إلى ورقة مساومة لتحصيل المال

وتستطيع العصابات الليبية التحفّظ على جثمان المهاجر المتوفى ليومين على الأكثر إذا لم يكن لديها ثلاجة حفظ للجثث، وإلا فعليها أن تتخلص منه جراء ظهور أعراض تحلل الجثة.  ولن يجري تسليم الجثمان إلا في حال تلقت العصابة المبلغ المطلوب من أسرة الضحية، ويتم الأمر عبر وسيط مصري لينقله إلى مستشفى حكومي، بادعاء أنه قريب المتوفى، لتتم عملية تغسيله وتكفينه وإنهاء الإجراءات، تمهيداً لتسليمه إلى الأسرة، وفي حال لم يتوفر الوسيط المصري يضعونه في مكان بعيد عن عيون الأمن ويبلغون الأهل بموقعه، خلاف ذلك يقومون بإلقاء الجثة على أي شاطئ، إن لم يحصل المهرب على المال، كما يقول السمسار المصري حسن السيد، من قرية الحامدية، في محافظة سوهاج، الذي يعمل في استقطاب الشبان الراغبين في الهجرة.

ما سبق، يتطابق مع إفادة موسى أبو محمود، متطوع مصري لدفن ضحايا الهجرة غير الشرعية في المنطقة الشرقية بليبيا، موضحاً أن الجثث التي يُعثر عليها أمام المشافي أو في مناطق معينة من الصحراء، أو الشاطئ في حال كانت هويتها معلومة تتواصل الجهات الرسمية مع الأهل ويتفقون على طريقة التسليم، إن كان الجسد بحالة قابلة للنقل، مشيراً إلى أن المهربين كثيراً ما يرفقون أوراق الهوية مع الجثة، ليتولى الأمن نقلها إلى المستشفيات، أما الجثث المتعفنة فتدفن داخل ليبيا، والجثث مجهولة الهوية أيضاً توارى الثرى بترخيص من النيابة العامة الليبية.

الصورة
تصاريح دفن (العربي الجديد)
تصاريح دفن مهاجرين عُثر على جثثهم في ليبيا (العربي الجديد)

وفي رده على ما يوثقه التحقيق، قال رئيس فرع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في طبرق (يتبع مليشيا الجنرال المتقاعد خليفة حفتر) إبراهيم الأربد، إنه "لم يطلع على أي حالات مساومة بشأن تسليم جثث المهاجرين، لكنه لا يستبعد حدوثها في المناطق الخارجة عن قبضة الدولة والخاضعة لتشكيلات مسلحة"، معتبراً أن بيئة النزاع وانتشار السلاح قد تتيح مثل هذه الانتهاكات. ويضيف أن ملف الاتجار بالمهاجرين أحياء أو أمواتاً يتجاوز قدرات وزارة الداخلية، كونه قضية دولية متشابكة تتداخل فيها مصالح اقتصادية وسياسية لجهات عدة، بخاصة أن شبكات التهريب تقوم على "تواطؤ بين المهاجر والمهرب" لتجاوز نقاط الأمن، مشيراً إلى أن السلطات تواصل عمليات الضبط والترحيل، رغم تكرار محاولات العبور إلى ليبيا بسبب الظروف الاقتصادية في مصر.

 

مهاجمة المراكب

"تتعرض الزوارق والمراكب التي تقل المهاجرين دائماً للهجوم، ويجري ذلك بتنسيق مسبق بين المهربين واللصوص، وبعد إغراقها ومن عليها يبدأ مسار آخر من التفاوض مع ذوي الغرقى بشأن الجثث"، وفق تأكيد المهرب الليبي علي أبو ذيب، كما عرّف عن نفسه عندما تواصلت به معدة التحقيق عبر مجموعة على فيسبوك للهجرة غير الشرعية. 

تتطابق الإفادة السابقة مع ما يؤكده صياد ليبي أطلق على نفسه "أبو الفوارس" للموافقة على الحديث خوفا من تلك العصابات، مشيرا إلى تعمدها إغراق المهاجرين، ويقع هذا مثلا لخلافات بين العصابة وأخرى تقوم بالتهريب من مناطقها أو لسرقة مراكبهم أو سرقة المهاجرين أنفسهم.

في الأيام التي تخلو من العواصف الشديدة يخرج أبو الفوارس للبحر بحثا عن رزقه، وهنا يرصد العديد من المراكب المقلوبة والتي كان شاهدا على إغراق بعضها، في منطقة مصراتة تحديداً، وحسب روايته لـ"العربي الجديد" فإنه قد شهد عشرة مراكب تم إغراقها ليلاً وعثر صباحا على الجثث قائلا: "في إحدى المرات شاهدت مركبا مقلوبا لكن عدد المهاجرين كان كبيرا يصل إلى 35 شخصا لم أتمكن من سحب الجثث جميعا، فأبلغت خفر السواحل".

ويتجلى هذا الاستغلال فيما يرويه محمد أيمن، وهو سائق في مكتب الشيخ لسيارات نقل الموتى بالقاهرة، إذ رافق أسرة من المنصورة لاستلام جثمان ابنها البالغ من العمر 24 عاماً، من منفذ السلوم الحدودي، وكانت رحلة الشاب هذا قد بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2024 حين خرج باتجاه ليبيا، قبل أن تحتجزه عصابة تهريب في مدينة زوارة غرب ليبيا، وما أن انطلق برفقة 28 مهاجراً على متن مركب في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 حتى غرق بعد ساعات قليلة من الإبحار، برفقة 23 آخرين، ولم ينج سوى أربعة منهم، وتمكن تجار البشر في ليبيا من الحصول على جثامين الغرقي ليساوموا الأهل عليهم، ومن بينهم الشاب الذي دفع أهله 150 ألف جنيه (3 آلاف دولار) مقابل تسليمه.

انتشال جثامين مهاجرين مصريين من البحر

ولم يتوقف ابتزاز الأسرة حتى بعد غرق ابنها وفق روايتها التي نقلها السائق لـ"العربي الجديد"، إذ اتصل بهم المهرب، واتضح لاحقاً أنه متواطئ مع عصابة الاتجار بالجثث، زاعما أنه بحاجة إلى مزيد من المال ليسمحوا لابنهم بركوب المركب، إلا أن خبر الغرق كان قد بلغ الأسرة التي كانت تحتفظ أيضاً بمقطع فيديو لأشخاص ينتشلون جثث الغرقى ممّن كانوا على المركب، وهذا يعزز حقيقة "أن جثة ابنهم بيعت في ليبيا" وفق السائق، ومن وجدها تولى مساومتهم عليها.

 

عصابات تقاسم المهاجرين

ما حدث مع أحمد عبد الله ورفاقه بات نمطاً يتكرر، إذ تثبت الشهادات التي وثقها "العربي الجديد" عبر إفادات أسر الضحايا والناجين أن الظاهرة تقوم على شبكة مكونة من عصابات التهريب والاتجار بالبشر، كما يقول المحامي في مركز بني مزار بمحافظة المنيا، علي أحمد، وكان أحد الساعين إلى الهجرة انطلاقاً من قريته جنوب مصر، مضيفاً أنه تواصل مع أحد الوسطاء وسلمه 12 ألف جنيه (245 دولاراً)، قبل أن ينطلق في مايو/أيار 2023 مع أربعة شبان آخرين من محافظات مختلفة، وفي مدينة السلوم تجمع 60 شاباً داخل مغارة جبلية، برفقة دليلين، ليبدأوا في المسير باتجاه الحدود الليبية، قبل أن تظهر فجأة عصابة مسلحة تقاسموا المهاجرين بينهم، يقول علي: "حينها أدركت أن المهربين والعصابة بينهم تنسيق مسبق ويتقاسمون البشر".

تجارة الجثامين نشاط جديد لعصابات الاتجار بالبشر في ليبيا

يتضح اتساع نطاق هذه التجارة المنظمة، فيما يرويه المهرب أبو ذيب، قائلاً: "إنه لا يحتفظ بالمال الذي يجنيه، بل ينفقه على شراء السلاح لحماية مرافقيه من عصابات الخطف المتخصصة في المتاجرة بمن يموتون اختناقاً أو جوعاً أو تحت التعذيب داخل مخازن الاحتجاز، ومنهم من يُصفى عندما تعجز عائلته عن دفع الفدية، قبل أن تتحول جثته نفسها إلى ورقة مساومة تُباع وتُشترى".

الصورة
بحث عن مفقودين
لا يترك ذوو المهاجرين المفقودين وسيلة لمعرفة خبر عن أبنائهم (العربي الجديد)

هذه المشاهد المروّعة يتردد صداها في قاعة صغيرة بمحافظة الشرقية شمال مصر، حيث يجتمع الأهالي كل يوم جمعة في لقاء تديره البرلمانية سحر عثمان، المنخرطة في ملف المختفين منذ أربعة أعوام، كما تقول إن كثيراً من العائلات استنزفتها مطالب الوسطاء والمهربين الذين يساومونهم على حياة أبنائهم المحتجزين داخل المخازن (مقرات المهربين)، تحت تهديدات صريحة: القتل، أو البيع لتجار الأعضاء، و"الأكثر قسوة" امتداد الاتجار ليشمل جثامين الغرقى أو القتلى والمتوفين في مختلف الظروف. وهو ما تكرر في حالة العشريني محمد عبد النبي من قرية أجهور الصغرى بمحافظة القليوبية، والذي دفع 200 ألف جنيه (4 آلاف دولار) لحجز مكان على قارب يقل 17 مهاجرا إلى إيطاليا في يوليو/تموز 2024، لكنه تعطل في عرض البحر فنجا 13، وفُقد ثلاثة، وكان محمد من بينهم، ووصل خبر وفاته إلى والده، الحاج عبد النبي، الذي وجد نفسه أمام مأساة ثانية: دفع 400 ألف جنيه (8 آلاف دولار) إضافية لاستعادة جثمان ابنه عبر وسيط يلعب دور السمسار بين العائلات والعصابات. وبحسب رواية شريف محمد، جار الحاج عبد النبي ووالد أحد الناجين من الرحلة ذاتها، فإن الأهالي عقدوا جلسة عرفية مع السمسار وهددوه بتقديم شكاوى رسمية إن لم يُعد إليهم المبالغ، كاشفا أن ابتزاز العائلات بعد موت أبنائها بات جزءا ثابتا من اقتصاد التهريب.

شبكات منظمة لنقل الجثامين

مطلع نوفمبر 2024، لقي ثلاثة مهاجرين مصريين ينتمون إلى مركز القوصية بمحافظة أسيوط جنوب مصر، حتفهم في حادث دهس سيارة على طريق المطار بليبيا، وهم: سيد أحمد إبراهيم القوصي، أحمد عبد القادر القوصي، ومحمد أحمد إبراهيم القوصي. سيد، الذي كان يعمل في ليبيا منذ ثماني سنوات، هاجر بشكل غير شرعي عبر ما يعرف بـ"السفر الجبلي".
بعد الحادث، أنفق أهالي الضحايا 120 ألف جنيه لإعادة جثامينهم إلى مصر، إذ دفعت الأسرة هذه المصاريف لمكتب السعيطي، لخدمات الإسعاف ونقل الموتى، الذي ينهي إجراءات تكفين جثامين المهاجرين غير الشرعيين بالتنسيق مع السفارة المصرية في ليبيا، وتضمنت هذه التكاليف تجهيز الجثامين، الصناديق الحاملة لها، وسيارة إسعاف مجهزة لنقلهم إلى الحدود المصرية.
الصورة
السعيطي
صفحة مكتب السعيطي لخدمات الإسعاف ونقل الموتى على فسيبوك
وضعت الجثامين الثلاثة في سيارة واحدة، وحصل السائق الليبي على مبلغ ثمانية آلاف دينار (1400 دولار)، وتأخذ السيارة في الحالات المماثلة 3500 دينار (650 دولارا)، بحسب رواية شقيق أحد الضحايا، ويسرد تفاصيل المعاناة قائلاً: "لم نكن نملك خياراً سوى دفع المال، السائق الليبي ابتزنا أكثر من مرة، بحجة الأوزان الزائدة أو عرقلة الإجراءات من الاستخبارات الليبية بطبرق".
هذه الحادثة، تمثل مثالاً آخر على معاناة أسر المهاجرين المصريين، الذين يُستغل عجزهم ووجعهم الإنساني لإجبارهم على دفع مبالغ طائلة مقابل إيصال جثامين أبنائهم إلى الوطن. ويبرر الليبي سالم الشيباني، سائق سيارات نقل الجثامين عبر الحدود، ارتفاع تكلفة نقل الموتى من داخل ليبيا إلى منفذ السلوم المصري بأنها تُحسب بناء على المسافة، لكنها ترتفع في حالة نقل جثامين المهاجرين غير الشرعيين، وهذه الزيادة مقابل الانتظار وتعطل السيارة أثناء مراجعة الأوراق. قائلا: "أحياناً أضطر لدفع 350 دينارا لحارس البوابة الأمنية، وإذا لم أدفع، أُجبر على الانتظار حتى الليل أو صباح اليوم التالي".
ورداً على سؤال "العربي الجديد" عن دور الدولة في كل ذلك، تؤكد النائبة عثمان أن الدولة المصرية تتحمل كامل تكاليف وإجراءات نقل جثامين المهاجرين المصريين غير النظاميين، شريطة الإبلاغ الرسمي عن الوفاة وسبق أن تكفلت مصر بكافة إجراءات تكفين وشحن جثامين ثلاثة أطفال مصريين لقوا مصرعهم برصاص الجيش المكسيكي خلال محاولة هجرة غير نظامية على الحدود المكسيكية الأميركية، في الثامن من أكتوبر 2024.