المراهنات الإلكترونية في الجزائر... منصات عالمية تستقطب الشغوفين بالدوريات الأوروبية

23 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 15 ديسمبر 2025 - 17:38 (توقيت القدس)
كرة القدم الأكثر انتشاراً بين نوافذ المراهنات على التطبيقات (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يتزايد عدد الجزائريين الذين يتحولون إلى وكلاء لتطبيقات القمار الإلكتروني، مستغلين شغف الشباب بالدوريات الأوروبية، مما يؤدي إلى إدمان وخسائر مالية كبيرة.
- مواقع المراهنة تشهد انتشارًا واسعًا في الجزائر، مستغلة البطالة المرتفعة، وتقدم مكافآت مغرية، مما يعقد المشكلة الاقتصادية والاجتماعية.
- رغم القوانين التي تجرم ألعاب الحظ، تستمر المنصات الإلكترونية في العمل من الخارج، والجهود الحكومية تبدو غير كافية، مع دعوات لتجريم استخدام الـ VPN وملاحقة الوكلاء.

يتحوّل جزائريون من مراهنين إلى وكلاء تطبيقات ومواقع قمار إلكتروني تستقطب الشغوفين بالدوريات الأوروبية.

- بين جدران شقّة متواضعة في "برج الكيفان" شرق العاصمة الجزائرية، انعكس وهج شاشة الهاتف الصغيرة على عينَي كريم المرهقتين وهو يتابع مباراةً في الدوري الإسباني، بينما لم يرتد اللون الأخضر المميّز للملعب العشبي على عدستي نظارته، فقد حلّت محله أرقامٌ باردة وجداول إحصائية تتراصّ على خلفية قاتمة.

بنبض متسارع وقلق مكتوم، تابع الشاب العشريني تفاصيل المباراة، مترقِّباً مصير رهان بقيمة 50 يورو، اخترق من أجله الحجب الإلكتروني باستخدام "VPN" ليتسلّل إلى منصة "1Xbet"، رافضاً في حديثه مع "العربي الجديد" الكشف عن هويته الكاملة، ومكتفياً باسمه الأول، في إشارة واضحة إلى تورّطه في مخاطر مخالفة قانون لم يردعه عن نشاطه الذي بدأ كتسلية في أمسيات كرة القدم، وسرعان ما تحوّل إلى إدمان شرس يلتهم مدخراته ويُقلق راحته. ومع ذلك، فإن لحظة الانتصار الأولى لا تزال محفورةً في ذاكرته: 1000 يورو ربحها دفعةً واحدة، لكنّها كانت فخاً قاده إلى دوّامة الخسارة. فقد تبخرت 1750 يورو في يوم واحد، ليتراجع محاولاً كبح إدمانه قبل أن يتحول إلى انهيار شامل.

خطر لا يدركه العديد من المتورطين في الأمر، إذ يقبل جزائريون على منصات المراهنة الإلكترونية، وتحدّث "العربي الجديد" إلى أربعة منهم غير كريم؛ ثلاثة أقرّوا بإدمانهم المراهنة، بينما قالت ميليسا، وهي جامعية عاطلة من العمل، إنها جرّبت الرهان مرةً واحدة وخسرت 2000 دينار (13.3 يورو)، فحذفت التطبيق فوراً.

الصورة
ترتيب مواقع القمار الإلكتروني في الجزائر
الزيارات الشهرية من الجزائر لمواقع المراهنات حسب بيانات منصة Semrush (العربي الجديد)

ورغم رفض المنصات كشف عدد مستخدميها أو مسارات تدفّق الأموال منها وإليها، تكشف بيانات Semrush (منصة أميركية متخصصة في تتبّع أداء مواقع الإنترنت) عن تسارع لافت في انتشار مواقع المراهنة بين مستخدمي الإنترنت في الجزائر. فقد سجّلت في سبتمبر/ أيلول 2025 مليونين و132 ألفاً و10 زيارات، وتصدّر 1Xbet بـ 673 ألفاً و620 زيارة عبر نطاقي download1xbet.com و1xbet.com، بزيادة شهرية 9.65% وسنوية 451.48%، وجاء موقع stake.com ثانياً بـ 348 ألفاً و290 زيارة، بانخفاض شهري 30.15% وزيادة سنوية 94.17%. أما arabcasinohex.com فحلّ ثالثاً بـ 238 ألف زيارة، مع زيادة شهرية 310% وسنوية 33,427%، وهو نمو يبرره بدء الموقع نشاطه بالجزائر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024.

التسلّل عبر شغف الكرة
تتعدّد نوافذ المراهنة عبر المنصات، وتبدو أقرب إلى "كازينو" إلكتروني، إلّا أن المتعلقة بكرة القدم أكثرها رواجاً، وهو أمر استغلّته إداراتها وعزّزت حضورها في الساحة الكروية برعاية أبرز أندية أوروبا، فمثلاً تقيم 1Xbet شراكات مع برشلونة الإسباني وباريس سان جيرمان الفرنسي، وترعى الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، وتباهي بعرض شعارات الشركاء في موقعها وتطبيقها. ومن هنا جاء مدخل كريم ورفاقه إلى هذا العالم، إذ يراهنون على المباريات الدولية بمبالغ بين 50 و100 يورو، وتُحتسب الأرباح وفق قيمة الرهان وعامل المفاجأة؛ يشرح كريم أن المراهنة على فريق مرشح للفوز تُقلل الأرباح، بينما ترتفع إلى أربعة أضعاف عند اختيار منافسه، وحتى تفاصيل صغيرة، مثل توقيت الأهداف وعدد البطاقات والركنيات، تدخل في حسابات الربح.

مليونان و132 ألف زيارة شهرية لتطبيقات القمار ومواقعه
 

لكن الخطر يتجاوز ما يبدو من ورطات فردية، إذ تكشف شروط استخدام المنصة عن بنود تمنح الشركة سلطةً شبه مطلقة على أموال المستخدمين، فهي تقبل الإيداع عبر البطاقات والمحافظ الرقمية والعملات المشفرة من دون التزام بالقوانين الوطنية، فيما تتم طلبات السحب حصراً عبر قسم الدعم المالي من دون إمكانية اللجوء إلى البنوك كطرف ثالث، وتحصّن المنصة نفسها من أية مسؤولية، إذ تعترف عبر نطاق dz.1xbet.com الموجّه إلى الجزائر بحظر الموقع والتطبيق، وأن على المستخدم تجاوز الحجب بـ VPN، متحمّلاً وحده كامل المسؤولية.

وليس هناك ما هو أسهل من إنشاء حساب على المنصة، مجرد ثوانٍ احتاجها مُعِدّا التحقيق لكتابة الاسم ورقم الهاتف والبريد الإلكتروني، وفوراً تلقّيا عشرات الرسائل وتنبيهات دعائية تعرض مكافآت تصل إلى 46,500 دينار (360 دولاراً)، ما يفوق ضعف الحد الأدنى للأجور (20 ألف دينار: 154 دولاراً)، مع رسائل بالدارجة تحثّهما على الإيداع لتحقيق الربح السريع، ويُعزز هذا انتشار المنصات في بلد يرتفع فيه معدل البطالة، وقد بلغ في عام 2024 نحو 12.7%، و25.4% بين النساء، و29.3% لدى الشباب بين 15 و24 عاماً، بحسب بيانات البنك الدولي الصادرة في 25 إبريل/ نيسان 2025.

استقطاب الوكلاء
تُناقض المنصة نموذج عملها، حين تعترف في صفحة "مسؤولية اللعبة" بارتباط القمار بمشكلات نفسية "كالاكتئاب والقلق والأفكار الانتحارية وتأثيره على الأسرة والعمل"، لكنها من ناحية أخرى تُعقِّد عمليةَ إلغاء الحساب، إذ لم يعثر مُعِدّا التحقيق على خيار إغلاقه إلا بعد بحث داخل أربع قوائم.

إنها "تقية تذكّر بسلوك صنّاع التبغ، عندما يحذرونك من خطر الإصابة بأمراض القلب والرئة، مع هذا يستمرون في التصنيع والدعاية والبيع"؛ هكذا تصف أستاذة علم النفس بجامعة مولود معمري بتيزي وزو (شرقي الجزائر) ليندة بودينار المشهدَ السابق، مؤكدةً سهولة تحول المقامرة إلى سلوك إدماني للهروب من الإحباط والبطالة، وتطوّر الأمر سريعاً لـ"مطاردة الخسائر" قهرياً، وما يرافق ذلك من يأس واكتئاب وتبعات تمتد إلى الأسرة والمجتمع، ما يستدعي تدخّلاً نفسيّاً واجتماعياً عاجلاً.

ضع ما سبق إلى جوار مفارقة جلية، تتبدّى في تجاهل تام أبدته إدارة 1Xbet لرسالة "العربي الجديد" المستفسِرة عن طبيعة نشاطها في الجزائر، وعدد المستخدمين، والإطار القانوني لعملها، إضافة إلى طرق تحويل الأموال؛ فبقيت الرسالة أسابيع بلا ردّ، في مقابل إعلان بالدارجة يظهر في واجهة الموقع قائلاً: "إذا راك مهتم تخدم معانا كوكيل رسمي، تواصل معانا على التلغرام"، وهنا راسلهم مُعِدّا التحقيق وادّعيا رغبتهما في العمل وكيلين، ليأتي الردّ خلال أقل من 24 ساعة، موضحاً أن أي شخص يبلغ 18 عاماً ويملك 50 دولاراً يمكنه أن يصبح وكيلاً رسمياً بعد إيداع المبلغ في حسابه بالتطبيق، مقابل عمولة 5% على الإيداع و2% على السحب، إضافة إلى رمز ترويجي يمنحه 25% عن كل مستخدم جديد يستقطبه.

مكافآت للمستخدمين الجدد تتخطّى ضعف الحد الأدنى للأجور
 

وطبقاً لرد الشركة، يُشترط إرسال صورة الهوية من الجهتين وصورة "سيلفي" أثناء حملها، مع تعبئة استمارة ببيانات مقدِّم الطلب وموقعه الجغرافي، ليتحول المراهن إلى جزء من شبكة تسويق مرتبطة بمعاملات مالية غير خاضعة لأية رقابة. يؤكد ذلك أحمد باجي، بحسب ما طلب أن يُعرّف به لمخالفته القانون، إذ يُعدّ أحد الوكلاء العاملين عبر استغلال واجهة متجر هواتف؛ وقد بدأ مراهناً مطلع 2024 وتحول إلى وكيل في بداية 2025، بعد استقطاب عشرات المراهنين، وإدارة حسابات كثيرة لمن لا يملكون بطاقات بنكية أو حتى لا يستطيعون القراءة والكتابة، مقابل الاستفادة من الأرباح بالعملة الصعبة، لذا يفوّضه المستخدمون باستقبال الأرباح وسحبها ويتلقّونها هم بالدينار الجزائري.

اقتصاد الظلّ
يتبع الوسطاء مساراتٍ معقدةً لتجاوز القيود المصرفية على التحويلات بالعملات الأجنبية، بمعزلٍ تامٍّ عن البنوك، بحسب قول باجي، فتُودع وتُسحب عبر وسطاء يتلقّون الأموال نقداً أو بواسطة تحويلات محلّية كـ"بريدي موب" التابعة لشركة البريد الحكومية، ثم يُموِّلون أرصدة المراهنين من محافظ جاهزة بسعر السوق الموازية، وفي حالة الربح يُحصِّل المستخدم أرباحه داخل الجزائر بالدينار من الوسيط، بينما تُحتجز القيمة الحقيقية في الخارج، ويحصل عليها باجي وغيره من الوكلاء لاحقاً عن طريق صديقٍ في الخارج أو طرق أخرى لجلب الأموال نقداً، وهنا يلفت فادي تميم؛ المحامي والمنسّق الوطني للمنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك (غير حكومية)، النظر إلى رواج تداول بطاقات الهدايا مسبقة الدفع المزوّدة بأرصدة مالية في السوق المحلية، وكلها سبل التفافية يؤكّد وجودها الباحث في الصيرفة وأستاذ الاقتصاد بجامعة قاصدي مرباح (حكومية) سليمان ناصر، مشدداً على تأسيس الممارسات "اقتصاد ظل" غير مراقب، يُعزز الطلب على العملة الصعبة، ويخلق نظاماً مالياً موازياً يصعب قياس حجمه ومخاطره. 

الصورة
تحقيق الجزائر 2
يتحول القمار مع الوقت لسلوك إدماني (Getty)

يقع كل هذا رغم أن المادة 165 من قانون العقوبات لسنة 2015 تنصّ على أنه يُعاقب "كل من فتح بغير ترخيص محلّاً لألعاب الحظ... بالحبس من ثلاثة أشهر لسنة وبغرامة من 500 دينار إلى 20 ألف دينار، والحال كذلك بالنسبة للصيارفة ومديري ومندوبي ومستخدمي المحل"، وهو ما دفع النائب البرلماني سليمان زرقاني إلى مراسلة وزير البريد والمواصلات سيد علي زروقي رسمياً، ليطالبه "بكشف الإجراءات العملية لمواجهة المنصات من جانبين: قانوني، لمخالفتها قانون مكافحة تبييض الأموال، ومجتمعي لتأثيرها السلبي على الشباب"، وسأل الوزير عمّا إذا كانت هناك خطة حكومية لملاحقة مروّجي المنصات، خصوصاً صنّاع المحتوى ممن مارسوا علناً هذا النشاط، وقد قال: "هي منصات أجنبية تعمل من الخارج، ما يعني سيطرة خارجية على عقول الشباب الجزائري وجيوبه".

وحصل "العربي الجديد" على ردّ الوزارة غير المقنع بالنسبة لزرقاني، فسؤاله كان يخصّ منصات القمار، لكن الرد تلافى تسميتها وضمّها إلى قائمة "المواقع غير المرغوب بها"، وأورد وضع الحكومة "استراتيجيات ومخططات عمل لحماية المجتمع من مخاطر الاستخدام غير الآمن للإنترنت توعّي الشباب وتستقطبهم لدور الشباب ومراكز التسلية العلمية"، كما تضمّن الرد إشارة إلى حملة موجهة إلى الأطفال في نفس الصدد أطلقتها الوزارة في فبراير/ شباط 2025، من دون التطرّق إلى تطوير آليات الحجب القانونية للمنصات.

سلبية الردّ دفعت زرقاني لوصفه بـ"اللامبالاة تجاه خطر يمس الأسرة والمجتمع"، مؤكداً توسّع الظاهرة وخطورة تداعياتها الاجتماعية، أما اقتصادياً ورغم غياب إحصاءات دقيقة حول ما ينفقه الجزائريون عليها "فالمنصات أجنبية والأكيد هو خروج جلّ الأموال من البلاد، واستنزاف العملة الصعبة، وتراجع قيمة الدينار، وفتح الباب أمام تبييض الأموال والتحويلات غير المشروعة".

ويؤكّد زرقاني استمراره في الضغط عبر القنوات الرسمية لدفع الحكومة لاتخاذ خطوات جدية، ويعول كذلك على الوعي الشعبي، وضرب مثالا بحملة لمقاطعة مؤثرين روّجوا لهذه التطبيقات نهاية 2024 ما دفع أحد أبرزهم، ويدعى سيد أحمد، للاعتذار قائلاً: "أخطأت والقمار حرام". لكن زرقاني يرى التحرك الشعبي غير كافٍ دون ضبط حكومي يشمل تجريم استخدام الـ VPN وملاحقة الوكلاء غير الشرعيين. لهذا السبب فإن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى تدخل حكومي أقوى ودعم أهلي حتى لا يقع المزيد من شباب الجزائر في حبائل تلك المنصات.