القات العابر للحدود... سلاسل تهريب دولية تحطّ في مطارات أميركا وموانئها

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:33 (توقيت القدس)
المطارات وتليها الحدود البحرية أكبر منافذ القات المهرب (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يكشف التحقيق عن تهريب القات إلى الولايات المتحدة عبر مسارات معقدة تشمل دولاً مثل إسرائيل واليمن وإثيوبيا، مروراً بالهند وأوروبا، حيث يُعاد تعبئته لتفادي الجمارك.
- تم اتهام عادل منير يوسف وآخرين بتسهيل تهريب القات باستخدام تصاريح سفر خاصة، حتى اعتقال يوسف في يناير 2020، وتفكيك شبكة عالمية في نوفمبر 2024.
- يُعتبر القات مادة مخدرة من الدرجة الأولى في الولايات المتحدة، ويواجه المهربون عقوبات تصل إلى 20 عاماً، بينما تظل محاربته تحدياً بسبب العوائد الكبيرة.

يكشف تحقيق "العربي الجديد" الاستقصائي عن ممرات تهريب القات إلى الولايات المتحدة، إذ تبدأ من إسرائيل واليمن وإثيوبيا وتمر عبر الهند وأوروبا من خلال عمليات إعادة تصدير بطرق احتيالية تتجاوز رجال الجمارك الأميركية.

- واجه الخمسيني المصري عادل منير يوسف وخمسة من زملائه العاملين في قسم ميكانيكا الطيران بشركة مقرها في مدينة فورت وورث  في ولاية تكساس الأميركية، تهماً فيدرالية بتسهيل نقل كميات ضخمة من القات تُقدر بنحو 36 طناً بقيمة تتجاوز 82 مليون دولار، إذ استغل يوسف امتيازات عمله عبر ما يُعرف بـ Buddy Passes (تصاريح الأصدقاء) وهي تذاكر سفر مجانية أو منخفضة التكلفة تمنح لموظفي شركات الطيران، للسماح لمتعاونين معه بالسفر ونقل الشحنات بين الهند وأوروبا وتكساس وفق ما جاء في أوراق القضية رقم CR-271-4:19 بمحكمة مقاطعة شرق تكساس لعام 2020.

بيّنت التحقيقات أن أفراد الشبكة أعادوا تعليب القات على أنه شاي أو تحت مسمى أعشاب لتفادي تفتيش الجمارك، واستمروا بهذا العمل حتى تمكنت السلطات الأميركية من اعتراض خطوط التهريب بعد سلسلة فحوص جمركية لشحنات وتعاون استخباراتي دولي لتتبع تحويلات عوائد بيع القات التي كانت جزءاً من الأدلة التي ربطت الشحنة بالمشتبه فيهم، فاعتُقل يوسف في يناير/ كانون الثاني 2020.

الصورة
ملف قضية (CaseMine)
استغل عادل يوسف امتيازات عمله في تهريب القات ضمن مسارات متشعبة 

وتشكل المطارات وتليها الحدود البحرية أكبر ممرات القات المهرب إلى أميركا، إذ نفد منها 44.9 ألف رطل من أصل 46.248 ألف رطل ضبطت من بداية عام 2025 وحتى نهاية سبتمبر/ أيلول من العام ذاته، بينما دخل 1.2 ألف رطل عبر الحدود مع كندا، بحسب قاعدة بيانات دائرة الجمارك وحماية الحدود الأميركية CBP التابعة لوزارة الأمن الداخلي.

 

من أين يهرَّب القات؟

شهدت كميات القات المضبوطة خلال العام الجاري ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالعام الماضي، وكانت قد بلغت 17.6 ألف رطل عام 2024، مقارنة بـ 70 ألف رطل صودرت عام 2023، بينما عام 2022 سُجل رقم قياسي بلغ 175 ألف رطل، وتشمل أكثر الوجهات التي يُهرَّب منها القات إلى الولايات المتحدة، إسرائيل والمغرب وهونغ كونغ وهولندا والكونغو، مع وصول كميات أيضاً من اليمن والهند، بحسب رد مكتوب تلقاه "العربي الجديد" من ستيفن بانسباش، المكلف بالعلاقات العامة في دائرة الجمارك وحماية الحدود الأميركية.

سجل عام 2022 رقماً قياسياً من القات المضبوط بلغ 175 ألف رطل

وتستخدم شبكات التهريب مسارات معقدة لإيصال الشحنات إلى الأراضي الأميركية، إذ هربت الشبكة التي قادها يوسف القات من اليمن أو إثيوبيا عبر إعادة تصديره إلى الهند ثم شرق أفريقيا ثم إلى أوروبا، وصولاً إلى أميركا، وذلك عن طريق تزوير وصف البوالص والشِحنات في كل محطة، ولدى وصوله الأراضي الأميركية تُعاد تعبئة الكميات وتوزع داخل السوق عبر شبكات محلية، ثم تُحول عائداتها المالية إلى إثيوبيا حسب لائحة الاتهام وملفات الادعاء التي اطلع عليها "العربي الجديد" عبر منصة البحث القانوني CaseMine.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 أعلنت دائرة خدمات الهجرة والجمارك الأميركية ICE (تتولى التحقيق في الجرائم الفيدرالية) تفكيك شبكة عالمية لتهريب القات تستخدم الأنماط ذاتها في شحنه خلسة، لكن على نطاق أوسع من تجاوز القارات، إذ تضمّنت العملية لائحة اتهام بـ215 تهمة ضد أعضاء الشبكة، وكشفت العملية شبكة واسعة للتهريب والتوزيع داخل الولايات المتحدة، كانت تجلب القات من اليمن وكينيا وإثيوبيا، وتشحنه إلى الولايات المتحدة عبر دول مثل المملكة المتحدة والصين وهولندا وبلجيكا، ليهرب إلى مدينة نيويورك وبعض مقاطعات الولاية الأخرى، وإلى ولايتي ماساتشوستس وأوهايو، ثم عمد المتورطون إلى غسل العائدات في ولاية مينيسوتا وأرسلوا الأموال إلى مواقع مختلفة في الخارج، بما في ذلك دبي وإنكلترا، وفقاً لبيانات ICE.

يُشحن القات المجفف إلى أميركا تحت مسمى شاي أو أعشاب مجففة

نمط تهريب مختلف يكشفه عبد الولي الردي، رئيس المركز الأميركي لحقوق الإنسان والخدمات الاجتماعية (غير حكومي) عن تدفق القات عبر المسافرين من إسرائيل والذين يتعاملون مع جمارك المطارات الأميركية لإدخال كميات من القات الأخضر مقابل عمولة مالية، أو يجندون شركاء يعملون في شركات ملابس وبضائع من علامات معروفة عالمياً تهرّبه ضمن بضاعتها جواً أو عبر الموانئ، وأغلبها في جورجيا وكاليفورنيا دون أن تخضع للتفتيش، نظراً لاسمها المعروف وسمعتها وأقدميتها في السوق الأميركية، ونبات القات انتقل فعلياً إلى إسرائيل مع المهاجرين اليهود اليمنيين، وهناك يُسمح بشراء أوراق القات الطازجة وبيعها، بينما يمنع تصنيعه.

الصورة
قات (GETTY)
             يُهرب القات في الطرود وحقائب المسافرين على أنه "ملوخية" (Getty)

ولهذا، نشأت سوق محلية صغيرة للسياح والمهاجرين اليمنيين والإثيوبيين الذين باتوا يهربونه ويتاجرون فيه أيضاً، كما يوضح الردي الذي يتردد أصدقاء له على متجر في نيويورك يُموّنه تاجر يمني الأصل ويحمل الجنسية الإسرائيلية، بالقات منذ عشر سنوات، ويجلبه من إثيوبيا أو اليمن أو إسرائيل، ويدخله عبر مطار جون ف. كينيدي بنيويورك بواسطة صناديق يسهل له أصدقاؤه من الجمارك تمريرها مقابل مبالغ مالية. كذلك يمكن إخفاؤه ضمن بضائع، وقد صادرت سلطات اليونان في 17 أغسطس/ آب من العام الجاري 500 كيلوغرام من القات كانت مُخبأة في أربع حاويات شحن معنونة كستائر وأقمشة، مصدرها إسرائيل، وكانت متجهة إلى أميركا بحسب بيانات ICE.

 

عبوات الشاي والملوخية

أمام شاشة هاتفه تسمّر الأربعيني اليمني عبد الملك محمد، المقيم في ولاية كارولاينا الشمالية يطالع بنظرات فرحة مقاطع فيديو تلقاها من مزوده اليمني بالقات الذي يحظى بطلب واسع لجودته، وهو يجهز له الشحنة القادمة، إذ يجففه تحت الشمس قبل تعليبه في أكياس أو عبوات تحت اسم شاي أو ملوخية أو أعشاب، قبل شحنه إلى أميركا. وهذه الطريقة هي التي اعتاد محمد أن يستقبل بها القات عبر الطرود البريدية القادمة من اليمن أو الصومال، وكانت ترسل باسمه تارة، وبأسماء وهمية تارة أخرى، تجنباً للشكوك، كما يستخدم عناوين غير عنوانه الحقيقي، ويختار عملية الاستلام دون توقيع المستلم، في طريقة للتمويه، وهذه العملية تتكرر بين ثلاث وأربع مرات سنوياً، ليؤمن حاجته وحاجة زبائنه الذين يؤمون محلّه طلباً للقات.

سوق خفية للقات بإدارة يمنية في نيويورك

ومن الصعب تهريب القات طازجًا لأنه غالبًا يكون رطبًا وثقيلًا، بحسب ريتشارد أفيسيدو، نائب رئيس إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية السابق في مطار جون ف. كينيدي، قائلا: "قبل 20 عامًا كنت أرى أنه يهرب طازجًا في حزم صغيرة وتوضع في صفوف داخل حقيبة سفر مع جرائد مبللة للحفاظ عليه أو يُلف بأوراق الموز، لكن هذه الطريقة تظهر بصمة حرارية كما تجعل الحقائب ثقيلة ومن السهل ضبطها، لذلك يلجأ المهربون إلى تجفيفه ووضعه في أكياس بلاستيكية كالشاي والملوخية ليصبح من الصعب على ضباط الحدود اكتشافه إلا من خلال إخضاعه لاختبارات مخصصة".

وبحسب خبرته، فإن مهرّبي القات عادة ما يكونون من اليمن، والصومال، وإثيوبيا، وكينيا، لكن شبكات التهريب في تلك الدول تعتمد على وسطاء من الشرق الأوسط وأوروبا وأميركا للمساعدة في تهريب القات إلى الولايات المتحدة.

الصورة
القات المجفف والطازج
لا يمكن تمييز القات المجفف عن غيره من الأعشاب إلا عبر فحص مخبريّ (العربي الجديد)

 

ويلجأ بعض اليمنيين في الولايات المتحدة إلى زراعة القات في الحدائق الخلفية لمنازلهم بسرية تامة، خوفاً من العقوبات المشددة التي قد تصل إلى السجن والغرامات، وبحسب مصادر التحقيق فإن الحصول على البذور متاح عبر طلبها من شركات التجارة الإلكترونية وعلى رأسها أمازون، رغم القيود القانونية المفروضة من وزارة الزراعة التي تشترط الحصول على ترخيص مسبق قبل الاستيراد، وهي عملية قد تستغرق أكثر من شهرين. ورغم أن عملية الزراعة تعد مربحة لأن تكلفة الحزمة الواحدة تبلغ 30 دولاراً بينما يمكن بيعها طازجة بـ200 دولار بحسب يمنيين قابلتهم معدة التحقيق، إلا أن عوائق عديدة تحول دون ذلك أبرزها الخوف من العقوبات وحاجة القات لمناخ مثالي لأنه يتأثر بالصقيع لذلك تُعد ولايات كاليفورنيا وفلوريدا وتكساس الأنسب لزراعة القات وفق تطبيق Greg الأميركي المختص بالنباتات، إذ يوفر مناخها درجات حرارة بين 15 و27 مئوية.

ويُدرج القات ضمن المواد المخدرة من الدرجة الأولى، لوجود مادة الـ Cathinone فيه، المصنفة ضمن الجدول الأول من مدونة اللوائح الفيدرالية الصادرة عن إدارة مكافحة المخدرات الأميركية DEA، ذات الاحتمالية العالية للإدمان وممنوعة الاستخدام طبياً، وضبطه يؤدي إلى فرض عقوبات كبيرة تصل إلى الحبس 20 عاماً، وبعد مرور 24 ساعة يتحول Cathinone إلى Cathine والمدرج ضمن مواد الجدول الرابع ذات احتمالية أقل للإدمان، وتستخدم للأغراض الطبية في أميركا، وبالتالي فإن العقوبة أقل حدّة، بحسب بيانات DEA.

 

سوق خفية بإدارة يمنية في نيويورك

بين الأحياء التي يتركز فيها اليمنيون بنيويورك، تنتشر متاجر مستلزمات التدخين، تبيع القات بسرية مشددة وأسعار مرتفعة تتجاوز أضعاف قيمته في الوطن الأم، في ظل كثافة حضور الجالية التي يُقدّر عدد أفرادها بنحو 50 ألف شخص بحسب بيانات الجمعية الوطنية اليمنية الأميركية (غير حكومية).

ويراوح سعر كيلوغرامين من القات بين 1800 و2000 دولار، وتوفر هذ المحال القات من إثيوبيا وإسرائيل واليمن بأنواعه الجافة والطازجة، فيما تراوح أسعار الأكياس الصغيرة بين 50 و300 دولار حسب الجودة، بحسب كريم سري، اسم مستعار لمالك متجر يمني يوفر القات ورفض الإفصاح عن اسمه تجنباً للمساءلة القانونية.

سوق خفية للقات بإدارة يمنية في نيويورك

وتخضع محال بيع منتجات التدخين ومشتقاته، إضافة إلى بعض أنواع المخدرات والحشيش التي يجيز قانون الولاية تداولها مثل الماريجوانا إلى رقابة مشددة، لارتكاب كثير منها مخالفات خطيرة، بحسب عمدة نيويورك السابق إريك آدمز (ولايته تنتهي بداية العام المقبل بتنصيب زهران ممداني)، مشيرا إلى أنه وبالتنسيق مع حاكمة الولاية كاثي هوكول (بدأت ولايتها في 1 يناير 2023 وحتى الآن)، نُظمت حملة مداهمات في أبريل/نيسان من العام الماضي، وضُبطت خلالها كميات كبيرة من القات وصودرت وأُغلقت المتاجر المخالفة نهائياً، قائلا أن هناك 36 ألف متجر غير مرخّص على مستوى الولاية ويشكّل اليمنيون النسبة الأكبر من مالكيها. ويؤكد عمدة المدينة في إفادته لـ"العربي الجديد" أنّ الحملات مستمرة، وجمعت المدينة أكثر من 30 مليون دولار من الغرامات والمصادرات.

ويستهلك اليمنيون القات في جلسات "التخزين"، سواء داخل المنازل أو في المجالس الاجتماعية، وغالباً ما تكون هذه الجلسات شبه يومية. وما يدل على أن القات متوفر وفي متناول الأيدي، ما ترويه اليمنية الأميركية غيداء التي اكتفت بذكر اسمها الأول تجنباً للمساءلة القانونية، بأن زوجها يتولى تأمينه رغم صعوبة الحصول عليه، لأنهم يسكنون بعيداً عن مناطق الجالية، مستذكرة أنه "في إحدى المرات توجها إلى مطعم يمني، ولاحظ زوجها أن موظفاً يمضغ القات، فأشار له مضخماً فمه، في علامة تدل على البحث عن القات، وبالفعل رافقه إلى ممر ضيق وباعه كيساً صغيراً مقابل 100 دولار مع توجيه سريع لإخفائه، علماً أنه يمكن شراء الكيس نفسه في اليمن بثلاثة دولارات"، وهذا القات المجفف وفق شرحها يغمس بالماء الحار ليصبح طرياً قبل المضغ، ويضطرون إلى استعمال اليابس رغم الفرق في المفعول مقارنة بالطازج.

الصورة
khat
يُدرج القات ضمن المواد المخدرة من الدرجة الأولى والمسببة للإدمان (المصدر:DEA)

ولا تقتصر عادة الاستهلاك على المنازل، بل تمتد إلى الأعراس والجنازات ومآتم الجالية، حيث يخصص البعض قبو أسفل منازلهم لهذه الجلسات، وتصل مصاريف القات في ليلة الفرح إلى أكثر من عشرة آلاف دولار، وفق نبيل الجماعي، نائب رئيس الجالية اليمنية في نيويورك، مشيراً إلى أن "محاربة القات تبدأ من صالات الأفراح، لكنها شبه مستحيلة بسبب العوائد الكبيرة التي يجنيها التجار والسماسرة"، ويضيف أن الحضور يجلبون القات الخاص بهم، سواء الطازج أو الجاف، ونقلوا الأمر إلى غير اليمنيين، ما يجعل هذه العادة ممتدة وراسخة في الحياة الاجتماعية.

للرد على ما سبق، وبعد سلسلة محاولات للتواصل مع شرطة نيويورك بشأن تفشي القات داخل المدينة، وفي أوساط الجالية، اكتفت الدائرة الإعلامية في شرطة المدينة بالرد، قائلة: "إن الملف ذو حساسية عالية"، بحسب ما ذكرته شيماء الخفاجي، المسؤولة في خلية الإعلام التابعة للقسم.