الدواء السام... مستحضرات عشبية مخلوطة بمواد محظورة في عُمان

مسقط
ميثاء العليانية
22 مارس 2021
+ الخط -

تردت الحالة الصحية للخمسينية العُمانية دلال بركة بعد ارتفاع نسبة السكر في الدم بشكل خطر، عقب تناولها مستحضرا عشبيا حصلت عليه من صفحة على إنستغرام، ادعى القائم عليها، بأنه يعالج مرض السكري، بشرط أن يستخدم 3 مرات يوميا لمدة شهر، ما شجع بركة التي تعاني من النوع الثاني للمرض، على شراء العلاج "المزعوم" بقيمة 35 ريالا عُمانيا (91 دولارا أميركيا)، كما تقول لـ"العربي الجديد".

استمرت بركة بتناول المستحضر 20 يوما، لكن السكر كان يرتفع بشكل حاد، فتواصلت مع البائع عبر تطبيق "واتساب" تشرح له الأعراض التي عانت منها، لكنه زعم بأنها أعراض طبيعية في بداية العلاج، وستختفي تدريجيا مع الوقت، وهو ما لم يحدث، ما دفع بركة إلى عدم تناوله، خاصة بعد ما توقف البائع عن الرد على رسائلها بخصوص المكونات أو تحذيرات الاستعمال، وتعلق الدكتورة صفية السيابية، اختصاص طب عام والتي تعمل في مركز صحي ولاية سمائل غرب مسقط على حالة بركة قائلة: "توجد خلطات وأدوية عشبية قد ترفع من معدل تركيز الأدوية أو العقاقير في الجسم، بالتالي تزيد من سُمية الأدوية، وبعض الأعشاب تقلل من تركيز الأدوية بالتالي تقلل من مفعولها، ما يشكل خطورة كبيرة على حياة المصابين بأمراض مزمنة، أو يهدد استقرار حالتهم الصحية"، مشددة على أهمية الاستشارة الطبية قبل اللجوء لأي من الخلطات العشبية وخاصة مجهولة المصدر.

مكونات مجهولة المصدر

رصدت معدة التحقيق 10 صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي 7 منها على إنستغرام، تروج لخلطات عشبية تدعي أنها تعالج أمراضا مزمنة، كالسكري، وضغط الدم، وأخرى لمشاكل الإنجاب، وتبييض البشرة ومشاكل الشعر، وتواصلت مع 6 صفحات منها تسأل عن مكونات الخلطات من دون أن تتلقى إجابة، ومن خلال رصد تعليقات المتابعين الذين ألحوا بالسؤال عن مكونات الخلطات لم يفصح أي من المروجين لها عن مكوناتها.

بينما أجابتها بائعة تروج لخلطة لمعالجة الهالات السوداء تحت العيون عبر "واتساب"، بأن "سر الخلطة لا يمكنها الإفصاح عنه"، لكنها تؤكد للزبائن أنها "من أعشاب طبيعية آمنة"، وتبيعها بثمن يترواح بين 3 و7 ريالات عمانية (من 8 دولارات إلى 18 دولارا)، حسب حجم العبوة، التي لم يُكتب عليها أي معلومات ذات علاقة بالمكونات أو طريقة الاستخدام، وفقا لما وثقته معدة التحقيق.

مواد كيمائية ومحظورة

بألم تتحدث العشرينية أسماء الهادية عن استخدامها منتجا لتقوية الشعر ابتاعته من تاجرة تداولت الصديقات إعلانها عبر "واتساب"، ادعت أن المنتج مكون من "حناء ومواد طبيعية وخال من المواد الصناعية الضارة"، وقامت بتعبئته في علب صغيرة لم تكتب عليها أية تفاصيل تتعلق بالمكونات، إلا أن استخدام الهادية للمنتج سبب لها حروقا في يدها التي استخدمتها لوضعه على شعرها، وتهيجا في فروة الرأس.

وتتطابق ادعاءات مروجي الأدوية العشبية مع ما رصده الأكاديمي المتخصص في الكيمياء حيدر اللواتي، والذي يعمل في جامعة السلطان قابوس وترأس فريقا بحثيا لإعداد دراسة حول الغش في الأدوية العشبية المنتشرة في السوق العُمانية عام 2016، موضحا أن اللجوء إلى الأعشاب لمعالجة الأمراض المختلفة ما زال قائما استنادا للاعتقاد الشائع بأن الأعشاب الطبيعية آمنة ولا تضر، "وهو اعتقاد يفتقر للصحة، لأن هناك عددا من الأعشاب السامة وأخرى ذات أثر سلبي على صحة الإنسان، فالمفهوم السائد بأن الدواء العشبي خال من التأثيرات السلبية معلومة خاطئة جدا ويجب الانتباه لذلك، وليس كل طبيعي مفيداً، كما يمكن أن تتعارض مواد طبيعية مع أدوية هامة لذوي الأمراض المستعصية".

وتبين عبر التحليل الكيميائي الذي أجراه الفريق البحثي أثناء إعداد الدراسة أن 15% من العينة التي تم تحليلها وتباع إما على شكل منتج صيدلاني أو عشبي أو كمواد غذائية مقوية، تحتوي على أدوية ذات تأثير صيدلاني معروف، مثلا المحفزات الجنسية كدواء الفياغرا الذي يجب تناوله عبر وصفة طبية، وثبت وجوده في عدد كبير من المنتجات العشبية المغشوشة، بحسب اللواتي لافتا إلى وجود كميات من المعادن الثقيلة، ما يشير إلى أهمية تضافر جهود الجهات المختصة للاستمرار في متابعة السوق المحلية للكشف عن هذه المنتجات المغشوشة وتحليلها، لمكافحة هذه الظاهرة التي تهدد صحة المجتمع، بالإضافة إلى توعية المستخدمين بخطورتها.

الصورة
عمان

وتتطابق نتائج الدراسة مع فحوص مخبرية أجرتها وزارة الصحة لخلطات ومستحضرات عشبية متداولة، وكما جاء في ردها المكتوب على "العربي الجديد"، فإنها اكتشفت مواد دوائية بنسب متفاوتة في تلك الخلطات، مثل المروجة على أنها تعالج الضعف الجنسي وثبت احتواؤها على سيلدينافيل وتادالافيل ويفترض ألا يستخدمان إلا بموجب وصفة طبية إذ يسببان انخفاضا حادا في ضغط الدم ومشاكل صحية في القلب، في حين تحتوي مستحضرات إنقاص الوزن على مادة ميتفورمين، المستخدمة لعلاج السكري ويصاحب تعاطيها أعراض جانبية مثل اضطرابات في الجهاز الهضمي، ومنها ما يحتوي على مادة سيبوترامين والممنوع استخدامها دولياً نظراً لما تسببه من أضرار جانبية على القلب والدورة الدموية.

وهناك مادة فلوكستين التي لا تصرف إلا بموجب وصفة طبية لعلاج الأرق والقلق وقد تتسبب بنزيف حاد ونوبات صرع. وثبت عبر التحليل أن المستحضرات التجميلية تحتوي على ستيرويد ديكساميثازون والذي لا يستخدم إلا بموجب وصفة طبية لأنه يسبب اضطرابا في الهرمونات، أو هيدروكينون، الذي تصاحبه آثار عكسية على الجلد واضطراب في وظيفة الدماغ والكلى، وفق رد الوزارة.

عسل بالزرنيخ

"اتضح من خلال نتائج فحوص مخبرية أجرتها وزارة الصحة على عينات من مستحضرات عشبية، وجود نسبة عالية جدا من الميكروبات وتلوث تلك الخلطات بالمعادن السامة والتي توجد غالبا في منتجات العسل، بسبب تصنيع تلك الخلطات في بيئة ملوثة بالمعادن السامة كالرصاص، والزرنيخ والزئبق، أو احتواء المياه المستخدمة على بقايا المبيدات الحشرية أو أن ظروف التخزين والرطوبة والحرارة غير صحية، ما يسمح بتكاثر الميكروبات والفطريات ما قد يقلل من جودة الأعشاب أو أن تكون مصدرا لأمراض أخرى".

وتؤكد الوزارة أن ما يتم تداوله من خلطات عشبية غير مرخصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يجب التبليغ عنها نظرا لخطورتها، مشيرة إلى نشر قائمة بالمستحضرات المغشوشة في موقع الوزارة الإلكتروني يتم تحديثها بشكل دوري وتضم حاليا 137 صنفا مغشوشا من أصناف علاج الضعف الجنسي وكمال الأجسام والتنحيف والمستحضرات التجميلية.

15% من العينة التي تم تحليلها وتباع إما على شكل منتج صيدلاني أو عشبي أو كمواد غذائية مقوية، تحتوي على أدوية ذات تأثير صيدلاني معروف، مثلا المحفزات الجنسية كدواء الفياغرا

استغلال القصور التشريعي

تندرج المستحضرات العشبية ضمن بنود قانون تنظيم مزاولة مهنة الصيدلة والمؤسسات الصيدلانية الصادر في 11 أكتوبر/تشرين الأول عام 2015 بالمرسوم السلطاني رقم 2015/35، والذي يقضي في المادة (23) منه بأنه "يحظر على أي شخص القيام بالإعلان عن الدواء أو التعريف به إلا بعد الحصول على الترخيص بذلك من المديرية، وذلك كله وفقا للشروط والإجراءات التي يصدر بتحديدها قرار من الوزير" وفق إفادة المحامي محمد بن سالم الوهيبي.

وعلى الرغم من صرامة قانون تنظيم مزاولة مهنة الصيدلة في السلطنة، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت سوقا مفتوحا لمثل هذه المنتجات في ظل عدم وجود قانون ينظم ويضبط الاتجار عبرها، كما أضاف الوهيبي، مشيرا إلى مناقشة مجلس الدولة في جلسته العادية المنعقدة في 2 يوليو/تموز 2019 للأمر وطرح تنظيم العمل الإعلاني في السلطنة عبر استحداث قانون للاتجار عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

قائمة وزارة الصحة تضم 137 مستحضراً مغشوشاً ومحظوراً

لكن المخالفين للقانون ومروجي تلك المستحضرات غير المرخصة يخضعون لعقوبات المادة 36 من قانون تنظيم مزاولة مهنة الصيدلة والمؤسسات الصيدلانية والتي تنص على أنه  "كل من حاز بقصد البيع أو الاتجار أدوية أو مواد أو مستحضرات صيدلانية غير مسجلة بالوزارة أو مخلة بالآداب العامة" يعاقب "مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر،  بالسجن مدة لا تقل عن (6) ستة أشهر ولا تزيد على (3) ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن (500) خمسمائة ريال عماني (1298 دولارا)، ولا تزيد على (2000) ألفي ريال عماني (5194.9 دولارا)، أو بإحدى هاتين العقوبتين"، "وتكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن (3) ثلاث سنوات، ولا تزيد على (7) سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن (2000) ألفي ريال عماني، ولا تزيد على (5000) خمسة آلاف ريال عماني (12987 دولارا) أو بإحدى هاتين العقوبتين،  على كل من حاز بقصد البيع أو الاتجار أدوية أو مواد أو مستحضرات صيدلانية ممنوعة أو مقلدة أو مغشوشة أو تالفة أو منتهية الصلاحية".

أضرار خطرة

تنفق الطالبة الجامعية ميساء الكحالية، مبالغ باهظة لعلاج بشرتها في إحدى العيادات الجلدية بعد استخدامها لمستحضر عشبي باسم "خلطة ميمان"، ابتاعته من حساب باسم تاجرة تعمل عبر إنستغرام، ادعت بأن الخلطة للتبييض ولإزالة آثار حبوب الشباب، وبعد استخدامها لفترة، "ظهرت الحبوب على وجهها بشكل مخيف وبأحجام كبيرة، فأوقفت الاستخدام وبدأت العلاج في عيادة متخصصة". مشيرة إلى أنها تواصلت مع محامية لرفع قضية على التاجرة، لكن التكلفة الكبيرة أجبرتها على التراجع، بالمقابل فإن فاطمة الفارسية والتي اشترت الخلطة عقب دعاية مكثفة على إنستغرام تضم إعلانات تروج لاستفادة عدد من المشترين المزعومين منها، رفعت دعوى تضامنية مع مجموعة من المستخدمات المتضررات ضد تاجرة أخرى، بعد معاناتهم من التهاب في البشرة، كما تقول، مضيفة: "استمر علاج المضاعفات طبيا لمدة 3 أشهر، ما زالت آثار الحبوب موجودة ولم تختف، ما سبب أضرارا مادية ونفسية كبيرة لي".

الصورة
السلطنة 3

ومن بين المتضررات من "خلطة ميمان"، آمنة العدوية والتي تقول إنها تعرفت على المواد المستخدمة فيها بمجرد فتح العلبة، وكان من ضمنها مادة اسمها "كريم فايزة" كانت قد استخدمته من قبل، بينما تنكر التاجرة وجوده في المكونات، وهو من المنتجات المحظور تداولها في السلطنة لاحتوائه على مادة هيدروكينون hydroquinone، التي يحظر استخدامها دون الحصول على موافقة وزارة الصحة. بموجب قرار رقم 2020/98 الصادر عن هيئة حماية المستهلك في سلطنة عُمان، وتوضح طبيبة الأمراض الجلدية فاطمة بنت عُمر الحوسنية، والتي تعمل في مستشفى النهضة الحكومي في مسقط، أن تلك الخلطات لا يتم كتابة المكونات المستخدمة في صناعتها على العبوة، ونسب تركيزها، ولكن تحليلها يوضح احتواءها على الكورتيزون، أو الهيدروكينون وهو مستحضر يستخدم طبيا للمساعدة في علاج البقع الداكنة الناتجة عن بعض الأمراض الجلدية، ولكن لا يمكن استخدامه دون استشارة طبيب يحدد التركيز المطلوب وفترة الاستخدام لتجنب الأعراض الجانبية مثل احمرار الجلد الذي تختلف حدته من مريض لآخر، وظهور تصبغات وبقع داكنة على المدى الطويل من الاستخدام.

ذات صلة

الصورة
أنشطة جائرة للكسارات في سلطنة عمان

تحقيقات

يخالف قرب موقع الكسارات من المساكن قانون الثروة المعدنية العماني، والذي حدد المسافة الفاصلة بين المواقع التي توجد بها خامات والمناطق السكنية بـ6 كيلومترات، لكن بعضها يقع على بعد يقل عن كيلومتر واحد، ما أدى إلى تضرر البيئة ومعاناة الأهالي من الأمراض.
الصورة

منوعات وميديا

كادت قرية وادي المر العمانية تختفي بالكامل قبل 30 عاماً، بعدما طمستها الرمال، ما دفع السكان إلى تركها، لكنها تستقطب حالياً أعداداً من قاطنيها السابقين والزوار الفضوليين الراغبين في إعادة اكتشاف المنطقة الواقعة في قلب الصحراء.
الصورة
مايك بومبيو في سلطنة عمان-تويتر

أخبار

أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، اليوم الخميس، وصوله إلى سلطنة عمان، ضمن جولته في المنطقة.
الصورة

سياسة

يبدو أن المسار التطبيعي بين دول عربية والاحتلال الإسرائيلي لن يتوقف عند الإمارات، وهو ما تبدّى في تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب "عن أشياء مثيرة تجري مع دول أخرى، وهي مرتبطة باتفاقات سلام"، وتعزز بعد ترحيب البحرين وسلطنة عمان بإشهار التحالف.