الحزام الأمني... تحولات واقع الاحتلال في غزة عبر الخط الأصفر
استمع إلى الملخص
- الانتهاكات الإسرائيلية وتغيير المعالم: تقوم قوات الاحتلال بتدمير البنية التحتية وإنشاء بنية عسكرية، مما يهدد بتحويل الخط إلى واقع دائم، يؤدي إلى مصادرة 55% من مساحة القطاع وتهجير مليون شخص.
- الأبعاد الاستراتيجية والديموغرافية: يهدف تثبيت الخط إلى تحقيق أهداف ديموغرافية واستراتيجية، تشمل فصل المناطق وتقييد عودة النازحين، مما يؤثر على الحقوق المدنية والسياسية للفلسطينيين ويشكل تهديداً أمنياً مباشراً.
خلق الخط الأصفر تحولاً جذرياً في الواقع الأمني داخل غزة، إذ يتيح لجيش الاحتلال تنفيذ عمليات خاصة بدقّة وسرعة وفرض مناطق نفوذ لمليشياته، التي تعمل آمنة وراء حزام أمني متقدّم، في ظل مخطط لمفاقمة الظروف المؤدية للتهجير.
-على طرف شارع صلاح الدين، الفاصل بين شرقي خانيونس وغربيها، وقف العشريني الغزيّ محمود النجار متكئاً على كتف صديقه، يحدّق بصمت صوب بلدات الشرق التي ابتلعها ما يسمّى بـ"الخط الأصفر"، ومنعه من العودة إلى منزله في قرية عبسان الجديدة شرق المدينة، هامساً بحسرة: "ضاع البيت ومعه عبسان كلها".
يسير النجار بخطوات ثقيلة جراء إصابته بشظية قنبلة أطلقتها مُسيّرة إسرائيلية أثناء محاولته الوصول إلى منزله في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بينما ثلاثة من جيرانه وأقاربه قضوا بعد عبورهم حداً صار فاصلاً بين الحياة والموت، حتى راح ضحيته 280 فلسطينياً قتلتهم قوات الاحتلال وأصابت 830 آخرين، في مساحة ممتدة من رفح جنوباً إلى بيت لاهيا وبيت حانون شمالاً، كما فُقد 20 شخصاً داخل المنطقة نفسها، يُرجَّح أنهم إما قُتلوا وإما اعتُقلوا، منذ بدء اتفاق التهدئة في 11 أكتوبر وحتى نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بحسب بيانات وزارة الصحة والمكتب الإعلامي الحكومي.
انقلاب على بنود الاتفاق
يُعدّ الخط الأصفر حداً وهمياً مؤقتاً فرضته الولايات المتحدة ضمن مقترحها لوقف إطلاق النار على ثلاث مراحل، ويهدف إلى الفصل بين قوات الاحتلال والمناطق المدنية بعد انسحابها من مناطق التماس التي تُحددها الخطة، ورُسم الخط على الخرائط العسكرية كمنطقة عازلة مؤقتة يُفترض أن تلتزم إسرائيل بعدم تجاوزها، ويسمح لجيش الاحتلال بالبقاء فيها مرحلياً، من دون التوغل مجدداً إلى ما بعدها.
وهذه المساحة تشمل محافظة رفح بالكامل، ونصف مساحة خانيونس، وأجزاء واسعة من محافظتي وسط القطاع وشماله، وشرق محافظة غزة. إلا أن إسرائيل ما زالت ترفض الدخول في المرحلة الثانية والسماح بعودة النازحين ووصول المساعدات، بل وحتى تقضم المزيد من الأراضي، وفق ما يؤكده كلّ من إسماعيل الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي، والدكتور طلال أبو ركبة، المحلل السياسي في شبكة السياسات الفلسطينية (مؤسسة فكرية مستقلة).
يصادر الخط الأصفر 55% من مساحة القطاع
ويشكّل تحول الخط الأصفر إلى حد فاصل فعلي طويل الأمد يقسم القطاع إلى قسمين، بدلاً من كونه حداً عسكرياً مؤقتاً، إخلالاً جوهرياً ببنود الاتفاق، الذي يتلاعب الاحتلال به من خلال فرض إجراءات عسكرية وإدارية جديدة تقوّض شروط المرحلة الثانية من الاتفاق، ما يؤدي عملياً إلى حرمان أعداد كبيرة من المواطنين من العودة إلى منازلهم، ومنعهم من الوصول إلى الأراضي الزراعية والمرافق الأساسية، والتلاعب بالملف الإنساني وإخضاعه لشروط أمنية، تروم إطالة أمد المعاناة وتقليص برامج الإغاثة وإعاقة إعادة الإعمار، ويوضح الثوابتة أن منشآت اقتصادية وأراضي زراعية ومستشفيات وطرقاً تؤدي إلى المعابر جميعها تقع خلف الخط الأصفر، وباتت تحت سيطرة الاحتلال، والأخطر من ذلك، أن يتحول هذا الوضع إلى واقع دائم، ما يعدّ انقلاباً واضحاً على بنود الاتفاق، خاصة أن الخط الأصفر يقسم القطاع ويصادر نحو 55% من مساحته، ويهجر نحو مليون شخص عن بيوتهم.
خلق وقائع جديدة
التقى معدّ التحقيق بسبعة غزيين خاطروا بحياتهم للوصول إلى داخل مناطق الخط الأصفر شرق مدينتي خانيونس وغزة، وقد أصيب اثنان منهم، وتعرض ثلاثة لمطاردة من طائرات مُسيّرة خلال شهري أكتوبر ونوفمبر، بينهم الأربعيني عبد الله عرفات الذي روى لـ"العربي الجديد" مشاهداته قائلاً إن قوات الاحتلال تعمل على تغيير معالم المناطق الواقعة شرق الخط الأصفر، عبر تنفيذ عمليات تدمير شاملة للمباني والبنية التحتية بدأت منذ مايو/ أيار الماضي، واستمرت حتى بعد بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، باستخدام النسف بالمتفجرات أو الجرافات، لتتمّ بعد ذلك تسوية الأرض بالكامل.
وأضاف عرفات أن الاحتلال أنشأ بنية تحتية عسكرية على طول الخط الأصفر، إذ أُقيمت مواقع محاطة بأبراج مراقبة، ووُضعت مرابض مدفعية داخل الخط، خاصة شرق مدينتي خانيونس وغزة. هذه الوقائع، وفق ما يقرأها الثوابتة، تُظهر نية الإبقاء على حدود الخط الأصفر من دون أي انسحاب.
280 فلسطينياً استشهدوا بعد عبورهم حدود الخط الأصفر
"وتتمركز الدبابات في مواقع ثابتة على تلال رملية تكشف كامل مدينة خانيونس"، بحسب ما عاينه يوسف الشاعر، الذي شاهد عند دخوله مناطق شرق خانيونس عشرات المكعبات الإسمنتية والعلامات الصفراء، مشيراً إلى عمليات تسوية الأرض التي قد تمهّد لتركيب أسلاك شائكة تتحوّل إلى حدود فصل ثابتة.
وفي سياق متصل، أكد ثلاثة ممن دخلوا مجبرين إلى مناطق تقع في شرق الخط الأصفر، في محاولة لجلب ملابس وأغطية شتوية من منازلهم المدمّرة أو المتضررة، أن الاحتلال ينفذ إطباقاً جوياً كاملاً على المنطقة عبر تحليق مكثف للمسيرات، وإحداها لاحقتهم وأطلقت النار تجاههم لكنهم راوغوا وأسرعوا مبتعدين حتى نجوا بأعجوبة.
"غزة الجديدة"
تشير الوقائع الجارية على الأرض والسياق السياسي الحالي إلى أن تثبيت "الخط الأصفر" حدّاً دائماً يخدم أهدافاً ديموغرافية واستراتيجية لإسرائيل، تشمل: فصل مناطق عن أخرى، وتقييد عودة النازحين، والاستحواذ على الأراضي الزراعية والبنية التحتية، وتحويل حدّ مؤقت إلى فصل دائم. ويترتب على ذلك تغيير التوزيع السكاني والتركيبة الحياتية للمحافظات المتضرّرة، وهو ما يؤثر مباشرة في الحقوق المدنية والسياسية للشعب الفلسطيني، وفق الثوابتة، الذي قال: "يجب التعامل مع أي محاولة لتثبيت الخط على أنها تهديد لحق العودة وللوضع القانوني والسكاني في غزة".
اتفق أبو ركبة مع الرأي السابق، خاصة أن الخط الأصفر أصبح يؤسس لما يصفه بـ"غزة الجديدة" كما تريدها إسرائيل وأميركا، ومن هنا يخشى أن يتحوّل وجوده من فترة زمنية مؤقتة ومربوطة بالمراحل المتفق عليها، ليصبح فاصلاً طويل الأمد، يحدد المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال، وتلك التي تُدار من حركة حماس، أي بين المدنيين الفلسطينيين وما يسمى بـ"المدن الإنسانية" التي يسعى "مجلس السلام الدولي" لإنشائها برعاية أميركية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإسرائيل بدأت باستخدام الخط أداة ضغط سياسية وأمنية على سكان القطاع، فقلّصت مساحة غزة عبره، وتشنّ الهجمات، كما تُقيّد حركة السكان، ضمن خطة لم تتوقف لمفاقمة الظروف المؤدية إلى التهجير، وهو الهدف الاستراتيجي المعلن من الاحتلال.
حزام أمني متقدّم
خلق الخط الأصفر تحولاً جذرياً في الواقع الأمني داخل غزة، بعدما سمح للاحتلال بالتمركز في مواقع متقدمة لا تبعد سوى مئات الأمتار عن التجمّعات السكنية، وأتاح لقواته تنفيذ عمليات خاصة بدقّة وسرعة. فخلال نوفمبر الماضي، نفذت مجموعات تابعة للاحتلال عمليتي اغتيال في مواصي خانيونس ومخيم البريج، استهدفتا مقاومَين، قبل أن يعود المنفذون فوراً إلى داخل الخط الأصفر، وفق مصادر أمنية رفضت الكشف عن هويتها، كونها غير مخولة بالتصريح لوسائل الإعلام.
إضافة إلى ذلك، وضع الخط الأصفر تجمعات سكانية كبيرة تحت مراقبة مباشرة، بعد نصب كاميرات ومعدات تجسس على طوله، بالتزامن مع إقامة مواقع عسكرية على خطوط التماس تُتيح توغلات سريعة للآليات العسكرية إلى داخل المناطق المأهولة خلال دقائق معدودة، وكما يؤكد اللواء المتقاعد يوسف الشرقاوي، فالخط الأصفر يشكل محوراً عسكرياً أمنياً ذا تبعات خطيرة للغاية، إذ قد يُستخدم مستقبلاً كنقطة انقضاض على مناطق سكنية، بسبب قربه الشديد من التجمعات المدنية، كما يجري تجهيز مواقع تحصينية متقدمة يصعب على المقاتلين اختراقها، بما يمنح الاحتلال حزاماً أمنياً متقدماً يحمي مستوطنات الغلاف.
وبالنظر إلى خريطة غزة، يشير الشرقاوي إلى أن حدود الخط الأصفر رُسمت بدقة عالية على يد خبراء عسكريين، ليمنح إسرائيل سيطرة أمنية واسعة، وسهولة حركة عسكرية، وفرصاً كبيرة لتنفيذ اختراقات استخباراتية مستقبلية.
ويوافقه مصدر أمني مطلع، مؤكداً أن الخط يُعد تهديداً أمنياً مباشراً، كونه متعدد النقاط القابلة للاستغلال في وصول عملاء محليين إلى نقاط التقاء مع ضباط الشاباك، وإدخال أجهزة تجسس، أو تهريب المخدرات. ويحذّر المصدر من أن إسرائيل قد تستغل صعوبة السيطرة على هذا الشريط لتعزيز نفوذ المليشيات العميلة، مثل مليشيا أبو شباب والأسطل، وخلق مناطق نفوذ جديدة بمعايير أمنية مغايرة، وهو ما يشكل خطورة استراتيجية ممتدة على أمن قطاع غزة. لهذه الأسباب ينظر الباحث المتخصص في الشأن العسكري والأمني رامي أبو زبيدة إلى الخط الأصفر على أنه أداة إسرائيلية للسيطرة المنهجية على مساحة واسعة داخلَ القطاع، تمنحُ الاحتلالَ قدرةً مستمرةً على التموضع الميدانيّ تحت غطاءِ "الفصلِ الأمني"، مع إمكانيةِ تنفيذِ ضرباتٍ موضعيةٍ دقيقةٍ من دون الاضطرار إلى خوض حرب شاملة.
ضوء أميركي أخضر
في قراءته للتطورات الجارية، يرى اللواء الشرقاوي أن التطورات الميدانية تقول إن ضوءاً أخضر أميركياً جعل الاحتلال لا يبالي بتوسيع مساحة الخط الأصفر متقدما من أجل ضم المزيد من أراضي القطاع، ويجرى ذلك في إطار تنسيق على مستوى عالٍ داخل القاعدة الأمنية المشتركة الجديدة في مستوطنة "كريات غاد"، حيث تُناقش ترتيبات "مستقبل غزة"، بين الحليفين.
إلا أن الثوابتة حذر من أن تثبيت الخط الأصفر حداً دائماً يدمج المدنيين فعلياً داخل منطقة تماس عسكرية قابلة للاشتعال في أي لحظة، بما يحول التجمعات السكانية القريبة منه إلى مناطق استهداف ناري وجوي مستمر، وهذا من شأنه تعطيل حركة المدنيين وعمليات الإخلاء ويعيق خدمات الطوارئ، ما يؤدي إلى ارتفاع الخسائر البشرية، ويحوّل مناطق واسعة من القطاع إلى ساحات صراع مفتوح، و"هذا ما نخشاه"، يقول خالد رمضان، القاطن في بلدة بني سهيلا الواقعة داخل نطاق الخط الأصفر، مشيراً إلى أنه بعد بدء اتفاق وقف إطلاق النار أقام خيمة إلى جانب منزله المدمّر، فهاجمته المسيّرات وأضرمت النار في المنطقة بأكملها، فانتقل وجيرانه إلى منطقة المواصي خوفاً من تبعات بقاء الاحتلال لفترة طويلة.