التهرب الضريبي في الأردن... برامج إلكترونية للتلاعب بالبيانات المالية

عمان
هديل فايز الطوالبة
عمّان
أنصار أبوفارة
02 نوفمبر 2020
+ الخط -

يقرّ المحاسب الأردني سامي عزت، (اسم مستعار خوفاً من المساءلة القانونية)، بأنه كان ينصاع لأمر صاحب المؤسسة الاستهلاكية التي عمل فيها عام 2017 بمدينة الزرقاء شرق عمّان، بفتح فواتير المبيعات (تشمل الفاتورة الكمية المباعة وإجمالي المبلغ بعد إضافة الضريبة المستحقة) قبل موعد تقديم الإقرار الضريبي، من أجل حذف ما بين 4 إلى 5 أصناف من كل فاتورة لتقليل قيمة المبيعات وتخفيض قيمة الضريبة، مشيراً إلى أن المؤسسة كانت تستخدم برنامجاً محاسبياً محلياً اسمه الجزيرة، وهو من ضمن البرامج التي تسمح بالتلاعب بالبيانات. وفق توضيحه.

ما اعتاد عزت القيام به، يعد واحداً من الأساليب التي تتبعها مؤسسات وشركات للتهرب الضريبي، وفي عمله الحالي في شركة ألبسة بعمان، يحتفظ قسم المحاسبة بالبيانات الحقيقية على نسخة مخفية من البرنامج المحاسبي المستخدم، وهناك نسخة أخرى مخصصة لإظهارها لمدققي الضريبة، وهو ما يعد اتهاماً يقع تحت طائلة القانون المعدل لضريبة الدخل رقم 38 لسنة 2018 والذي يعرف التهرب الضريبي على أنه استعمال أساليب احتيالية تنطوي على غش أو خداع أو تزوير أو إخفاء البيانات أو تقديم بيانات وهمية أو المشاركة في أي منها قصداً بهدف عدم دفع الضريبة أو التصريح عنها، كلياً أو جزئياً أو تخفيضها.

ويكشف تحقيق "العربي الجديد" الدور الكبير للبرامج المحاسبية التي تسهم في إخفاء البيانات الحقيقية من أجل تحقيق هدف واحد بالمحصلة، وهو تخفيض المبالغ المستحقة للضريبة، في ظل عدم التشدد الرقابي من قبل دائرة ضريبة الدخل والمبيعات.

كيف تساعد البرامج في التهرب الضريبي؟

يرى المستشار الضريبي باسل أبو سلطانة أن نسبة الشركات والمؤسسات التي توظف البرامج المحاسبية في عملها تصل إلى 75% من المؤسسات والشركات على اختلاف أنشطتها الاقتصادية.

ويكون التهرب الجزئي باستخدام واحد من البرامج المحاسبية التي تساعد في التلاعب بالإيرادات لتخفيض نسبة الضريبة المترتبة على المنشأة، أو عبر حذف عدد معين من الفواتير المدخلة أو من السلع المبيعة بعد ترحيل البيانات. أما النمط الأكثر اتباعاً فهو استخدام نسختين من البرنامج، واحدة بالبيانات الحقيقية وهي نسخة مخفية، والثانية تظهر جزءاً محدوداً من قيمة الإيرادات، وهي التي تعرض على مدققي الضريبة. بشكل جزئي باستخدام واحد من البرامج المحاسبية التي تساعد في التلاعب بالإيرادات لتخفيض نسبة الضريبة المترتبة عليها، أو عبر حذف عدد معين من الفواتير المدخلة أو من السلع المبيعة بعد ترحيل البيانات. أما النمط الأكثر اتباعاً فهو استخدام نسختين من البرنامج، واحدة بالبيانات الحقيقية وهي نسخة مخفية، والثانية تظهر جزءاً محدوداً من قيمة الإيرادات، وهي التي تعرض على مدققي الضريبة.

البرامج تلك عبارة عن نظام محاسبي متكامل، يتضمن الإيرادات والصادرات وكل حسابات المؤسسة التي تستخدم في المؤسسة أو الجهة المستخدمة، وقد يكون النظام المحاسبي جزءاً من تخطيط موارد المؤسسة أو نظام منفصل، وله بوابتين مختلفتين، أو بوابة واحدة لكن الدخول إلى محتوى البرنامج يتم باستخدام كلمتي مرور مختلفتين، بحيث تلج كلمة المرور الأولى إلى البيانات الحقيقية، أما الثانية فهي التي خضعت للتلاعب والحذف. ويمكن إضافة أي تخصيص بحسب طلب المؤسسة، مثل إظهار بيانات وهمية عبر النسخة الثانية من البرنامج، كما يشرح مهندس البرمجيات محمد الراغب (اسم مستعار خوفاً من المساءلة القانونية)، والذي يعمل في شركة خاصة لتصميم البرامج وتطويرها في عمان.

رئيس جمعية مدققي الحسابات في الأردن عمران التلاوي، يؤكد ذلك لـ"العربي الجديد" قائلاً إن أي منشأة أو مكلّف يرغب بتخفيض قيمة الضريبة المترتبة عليه يتمكن من ذلك عبر التلاعب بالنظام المحاسبي الإلكتروني، وذلك لا يتم إلا بمساعدة قسم المحاسبة أو الدائرة المالية في المؤسسة.

وتبدو أهمية رصد تلك المخالفات عبر حجم التهرب الضريبي في الأردن سنوياً والذي يقدره نائب مدير دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، موسى الطراونة، بـ 800 مليون دينار (مليار و128 مليون دولار أميركي)، تتوزع على ضريبة المبيعات وحجم التهرب فيها 600 مليون دينار (847.45 مليون دولار)، بينما يصل في ضريبة الدخل إلى 200 مليون دينار (282.48 مليون دولار). ويؤكد لـ"العربي الجديد" أنه يصعب حصر حجم التهرب الضريبي بشكل دقيق لأن هناك إعفاءات ممنوحة لجهات عديدة بقوانين أخرى، وهناك مبالغ لم يتم دفعها، وضرائب مفروضة على مكلفين لا توجد لديهم ملاءة مالية وغير قادرين على دفع الضريبة أو لأشخاص توفوا، ولا يملكون ممتلكات ليتم حجزها أو بيعها تنفيذاً للقانون.

وبلغ إجمالي إيرادات ضريبتي الدخل والمبيعات 4.323 مليارات دينار (6.10 مليارات دولار) عام 2019، بحسب التقرير السنوي الصادر عن الدائرة، والذي يبين اعتمادها خطة جديدة لمكافحة التهرب الضريبي وفقا لمعايير إدارة المخاطر مبنية على منهجية تحديد القطاعات والأنشطة التي يتوجب تدقيقها ومتابعة حقوق الخزينة من الضرائب المستحقة عليها، ويبدو ذلك في تحصيل 198.7 مليون دينار  (280.26 مليون دولار) عبر مكافحة التهرب الضريبي في عام 2019، مقارنة مع عام 2018، إذ كان إجمالي إيرادات ضريبتي الدخل والمبيعات 4.149 مليارات دينار (5.85 مليارات دولار).

ضعف تطبيق القانون

يؤكد رئيس جمعية خبراء ضريبة الدخل والمبيعات (منظمة تسعى لتطوير التشريعات والأعراف التي تحكم الأداء السلوكي للعاملين)، والمحامي المختص في الشأن الضريبي هاشم حمزة أن الخطوة الأساسية للحد من التهرب الضريبي هي تنفيذ القانون ونظام الإقرارات الضريبية والسجلات والمستندات ونسب الأرباح رقم 59 الصادر عام 2015 وتعديلاته، موضحاً أن هذا النظام يفرض على المكلف الذي يستخدم أجهزة حاسوب في تنظيم سجلاته، تقديم شهادة من الجهة التي قامت بإعداد البرنامج المستخدم، كما ورد في الفقرة (ب) من المادة 12، وكذلك تعهد بالتقيد بالشروط المتعلقة بالبرامج وعدم إجراء أي تعديل على النظام أو البرامج المستخدمة، سواء أكانت تلك الجهة من الموظفين والعاملين لدى المكلف أم من أي جهة أخرى، وإلا يتم تطبيق عقوبة التهرب الضريبي، ويعاقب المبرمج أو المحاسب نفس عقوبة المكلف بدفع غرامة تعادل مثل الفرق الضريبي، وفي حال التكرار يعاقب بعقوبة أشد تصل إلى الحبس.

لكن المشكلة تكمن في عدم تشدد الدائرة بتطبيق الشروط التي أقرها القانون، بحسب حمزة. ويشدد البند أ من المادة 12 على الشروط التي يجب على المكلف الالتزام بها لدى استخدام أجهزة الحاسوب في تنظيم سجلاته ومستنداته وبياناته المالية، وتشمل عدم السماح بإجراء أي تعديل أو تغيير أو حذف لمفردات البيانات المدخلة، وأن تتضمن البيانات المدخلة التوقيع الإلكتروني لمدخلها، وتوثيق البيانات لتعكس حقيقة الوضع المالي للمكلف.

ويفنّد هاشم مدى رقابة الدائرة على تطبيق شروط الاستخدام قائلاً إن الأمر الأهم المتعلق بإلزام المكلفين بتقديم شهادة من الجهة القائمة على تطوير البرنامج وتعهد من المكلف بعدم إجراء تعديلات على البيانات المالية من خلال البرنامج، غير مطبق، ما يزيد من اللجوء إلى البرامج التي توفر خواص التعديل والتلاعب، بالإضافة إلى تجاهل الدائرة لشرط التوقيع الإلكتروني لمدخل البيانات، فغالبية البرامج المتاحة والمستخدمة في المؤسسات تفتقر لخيار إضافة التوقيع، وفق قوله.

ويكشف مدقق من دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، رفض الكشف عن هويته للموافقة على الحديث، أن الشروط السابقة لا تطبق بسبب عدم وجود جهة اعتمادية لمطابقة البرمجيات مع المعايير المطلوبة، لذلك لا تلزم الدائرة المكلف بتقديم شهادة وتعهد، علماً أن ضبط استخدام الأنظمة المحاسبية الإلكترونية لا يكون إلا من خلال التشدد في مراقبة مطابقتها للشروط الواردة في النظام وفق رأيه، مؤكداً أن اعتماد البرامج ليس من مهام دائرة ضريبة الدخل والمبيعات. هذا ما يؤكده أبو سلطانة بقوله إن لا جهة لاعتماد تلك البرامج في الأردن وإجازتها، كما أن ذلك غير متعارف عليه في الممارسات الضريبية العالمية، كون شركات عديدة تستخدم برامج عالمية، بالتالي فإن الدائرة في هذه الحالة لا تستطيع إجبار الشركات الأجنبية على تقديم شهادات وتعهد، لذلك لا تتشدد في هذا الأمر وقامت بتعطيل المادة التي تشترط تقديم شهادة وتعهد من قبل المكلف شكلاً، بينما تلجأ للاستناد إليها في حال ثبوت تورط شركة برمجة في مساعدة منشأة ما على التهرب.

وتردّ الدائرة على لسان الطراونة، بالقول إن النظام الإلكتروني المعتمد لدى الدائرة حالياً قديم جداً، ولا بد من استحداث آخر قادر على التعامل مع بيانات المكلفين وربطه إلكترونياً مع الوزارات المعنية ومكاتب التدقيق والاستشارات الضريبية، بحيث تتمكن الدائرة من الاطلاع على تفاصيل إيراداته وحساباته، وبالتالي لن يكون قادراً على التلاعب بها.

ويحيل الطراونة المسؤولية إلى المؤسسات المنظمة لمهنتي التدقيق والمحاسبة القانونية على اعتبار أنها المكلفة بالتدقيق على وثائق المؤسسات وأنظمتها المحاسبية، إذ تستعين المؤسسة عادة بمدقق قانوني قبل موعد تقديم الإقرار الضريبي، لإجراء التدقيق الوقائي، وهو قانونياً مسؤول أمام دائرة ضريبة الدخل عن البيانات التي يقدمها لها، مؤكداً أن الأخيرة تلاحق أي مدقق أو محاسب قانوني، أو مستشار ضريبي إن أعد حسابات غير صحيحة، استنادا إلى الفقرة (ه) من المادة (5) من نظام مزاولة مهنة المحاسبة القانونية لعام  2006، التي تلزم المحاسب القانوني المزاول لأعمال التدقيق أو المحاسبة بـ"فحص الأنظمة المالية وأنظمة الرقابة الداخلية للجهة الخاضعة للتدقيق، والتأكد من مدى كفايتها لحسن سير أعمالها، وذلك لتحديد طبيعة ومدى عمل إجراءات التدقيق". بينما يوضح التلاوي أن المؤسسات التي تزيد مبيعاتها السنوية على 160 ألف دينار (أي ما يعادل 226 ألف دولار) فقط ملزمة بتقديم مستندات أصولية مدققة من محاسب قانوني.

صعوبة إثبات الجرم

يعتبر أبو سلطانة أن إثبات جرم التهرب الضريبي باستخدام البرامج أمر صعب من الناحية العملية، وخاصة أن مدققي الضريبة لا يقومون بالتفتيش الإلكتروني، ويكتفون فقط بالتدقيق المستندي على فواتير وكشوفات نهائية، ونادراً ما يدققون بالبرامج المستخدمة والبيانات المدخلة عليه ومقارنتها، مضيفاً أن المشكلة بعدم امتلاك المدققين للمهارات والمعرفة التكنولوجية اللازمة لكشف التلاعب، لذلك في حال وجود شكوك بتهرب مؤسسة ما عبر التلاعب في البيانات المدخلة إلى البرنامج، توكل الدائرة المهمة لفريق متخصص بقسم تكنولوجيا المعلومات للتحقق من الأمر.

ويلقي أبو سلطانة اللوم على الدائرة لإثقال كاهل المدقق الضريبي بأعباء هائلة، وإلزامه بتقدير ما بين 20 -26 ملفا مختلفا شهريا، ما يمنعه من إيجاد الوقت الكافي لتتبع البرامج وأساليب التلاعب والاكتفاء بالتدقيق المستندي.

الصورة
التهرب2

في المقابل، يشكك المهندس الراغب بقدرة المدقق الضريبي على كشف التلاعب من خلال البرنامج المستخدم، لأن تحليل البيانات يحتاج وقتاً كبيراً ومجهوداً فائقاً وقد يسفر عنه إحداث فوضى في البيانات، وقد يلجأ المدقق الضريبي في حال وجود شكوك لديه، إلى إجراء يسمى transaction، إذ يقارن قيم البيع لسلعة محددة بحسب ما وردت في الفواتير مع البيانات المدخلة إلى البرنامج المستخدم لذلك اليوم، لكن الشركات والمؤسسات غالباً ما تتنبه لهذا الأمر من خلال إخراج البيانات المتعلقة باليوم الجاري صحيحة، أما البيانات المدخلة سابقاً فتظهر بنسبة 30% فقط، وفق ميزة تضاف للبرنامج.

مكافحة التهرب الضريبي

يبدي عضو اللجنة المالية وعضو لجنة الاقتصاد النيابية، النائب في البرلمان الأردني سابقاً، موسى الوحش، تخوفاً من توسع التهرب الضريبي لأن آثاره تنعكس على المجتمع ككل، وخاصة على الطبقة الفقيرة والمتوسطة على اعتبار  أن نقص الإيرادات يدفع الحكومة إلى زيادة الأسعار، مؤكداً أن الدائرة مطلعة على الأساليب المتبعة لتخفيض المستحقات الضريبية، لذلك فإن التعديل القانوني الأخير أقر عقوبات مغلظة للمتهربين ضريبيا وكل من يسهم في عملية التهرب.

الصورة
التهرب3

 

ذات صلة

الصورة
أمير الكويت/سياسة/الأناضول

سياسة

خيّم الحزن على دول المنطقة، بعد إعلان رحيل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وأعلن عدد من الدول العربية الحداد وتنكيس الأعلام.
الصورة

سياسة

ما زالت تداعيات الانفجار الذي هزّ مدينة الزرقاء، الليلة الماضية، تنال اهتمام الشارع الأردني، في ظل ارتياح نسبي لعدم وقوع ضحايا من عناصر الجيش أو المدنيين، ومشاعر تداخل فيها الخوف والرعب من الانفجار الضخم.
الصورة
انفجار مستودع للجيش في محافظة الزرقاء(تويتر)

أخبار

أوضحت القوات المسلحة الأردنية أن الانفجار الذي هزّ مدينة الزرقاء، ليل أمس الخميس، ناتج عن الارتفاع الشديد بدرجات الحرارة، الأمر الذي أدّى لحدوث تفاعل في المادة الكيميائية الموجودة داخل إحدى حشوات قذائف الهاون التي أدّت لوقوع الانفجار.
الصورة
انفجار مستودع للجيش في محافظة الزرقاء(تويتر)

أخبار

أفاد التلفزيون الأردني، في وقت متأخر من مساء الخميس- الجمعة، بوقوع انفجارات في منطقة عسكرية بمنطقة الغباوي بمحافظة الزرقاء شمال شرق العاصمة عمان، لافتاً إلى أن قوات الأمن أغلقت المنطقة في ظل تواجد مكثف لمركبات الأمن العام والدفاع المدني.