ملاحقة جنود إسرائيليين فرنسيين شاركوا في الحرب على غزة
16 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:03 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- ألكسي دوسواف، محامٍ متخصص في القانون الجنائي الدولي، يشارك في جهود كسر حصار غزة ويؤكد أن الدفاع عن حقوق الإنسان يتجاوز المحاكم. الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان تقدمت بشكاوى ضد جنود إسرائيليين مزدوجي الجنسية بتهم جرائم حرب في غزة.

- التحقيقات في الجرائم الدولية خارج فرنسا تعتمد على مبادئ قانونية مثل الولاية القضائية العالمية، وتتطلب موارد لوجستية وتعاوناً دولياً، مما يثير تساؤلات حول كفاية الموارد الفرنسية وقدرة القضاء على إجراء تحقيقات نزيهة.

- التحديات التي تواجه العدالة الدولية تشمل نقص الموارد، طول التحقيقات، والتدخلات السياسية، مما يؤثر على القضايا مثل محاكمة مجدي نعمة. المحامون يشددون على دعم محكمة العدل الدولية لتعزيز مصداقية العدالة الدولية.

- قبل الإجابة عن أسئلة "العربي الجديد"، تمسّك ألكسي دوسواف بتوضيح التالي: "أتحدّث معكم من على متن أسطول الصمود الهادف لكسر حصار غزة. فالدفاع عن حقوق الإنسان لا يقتصر على أروقة المحاكم".

مبدأ يعتنقه قولاً وفعلاً، هذا المحامي المتخصص في القانون الجنائي الدولي بفرنسا وبلجيكا إلى جانب كونه معتمدا لدى المحكمة الجنائية الدولية، كما يشغل منصب نائب رئيس الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، التي لاحقت بعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة جنوداً إسرائيليين يحملون الجنسية الفرنسية، بعد توفر أدلة تُشير إلى احتمال تورطهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وفقاً لدوسواف: "بالتعاون مع شركائها الفلسطينيين والفرنسيين، تقدمت المنظمة بشكوى ضد قناصين اثنين من مزدوجي الجنسية ينتميان إلى وحدة الشبح، هما ساشا أ. وغابرييل ب. يُتَهم أفراد هذه الوحدة، ومعظمهم من جنود مزدوجي الجنسية، بتنفيذ عمليات إعدام ميدانية بحق مدنيات ومدنيين فلسطينيين في غزة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ومارس/آذار 2024. كما تقدّمت المنظمة بشكوى ثانية ضد جندي آخر مزدوج الجنسية، يُدعى يونيل أنونا، بعد انتشار مقطع مصور، التقطه بنفسه ويظهر صوته موجهاً إهانات لأسرى فلسطينيين، يرجّح تعرضهم للتعذيب".

في السنوات الأخيرة بات مألوفاً اللجوء إلى النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب في فرنسا، للتحقيق في جرائم وقعت خارج الأراضي الفرنسية، لا سيما في فلسطين وسورية. ولم تنشر السلطات المعنية بالتحقيقات أي بيانات للإشارة إلى نسبة هذه الملفات من إجمالي عمل النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، باستثناء الرقم الوحيد المتاح، وقد ذكره جان-فرنسوا ريكار، المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب سابقاً، والذي أشار خلال جلسة استماع برلمانية في 1 فبراير/شباط 2023 إلى توليهم التحقيق في 644 ملفاً.

ما هي منطلقات اللجوء للقضاء الفرنسي؟

الشكويان اللتان تقدّمت بهما الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ارتكزتا على مبدأ الشخصية الإيجابية الوارد في المادة 6-113 من القانون الجنائي الفرنسي، و"يجيز ملاحقة الفرنسيين المتورطين بارتكاب جرائم خارج الأراضي الفرنسية"، بحسب دوسواف.

التحقيق في 644 ملف جرائم وقعت خارج الأراضي الفرنسية

في المقابل، اعتمدت شكاوى وقضايا أخرى على مبدأ الشخصية السلبية، أي أن يكون الضحايا من حملة الجنسية الفرنسية، وفقاً للمادة 7-113 من ذات القانون. كذلك كانت الولاية القضائية العالمية منطلقاً لعدد آخر من الشكاوى، وفق المادة 11-689 من القانون الجنائي الفرنسي، إذ تُتيح للمحاكم الفرنسية النظرَ في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة، بالرغم من وقوعها خارج نطاق سيادتها الجغرافية وارتكابها من قبل أجانب بحق أجانب آخرين، على أن يكون المتهم مقيماً في فرنسا.

بالتالي لكل دعوى وشكوى خصوصية لجهة إطارها القانوني والميداني وتداعياتها السياسية، وفق ما توضحه المحامية المتخصّصة في القانون الجنائي الدولي كليمانس بيكتارت، إلا أن القاسم المشترك بينها أنها وقعت خارج الأراضي الفرنسية: يُشير قاضي التحقيق المتخصص في مكافحة الإرهاب جان لوي بروغيير إلى أن التحقيق في هذا النوع من الملفات يتطلب توفير إمكانات لوجستية إضافية، إذ يشير على سبيل المثال إلى سفره على متن طائرة تابعة لسلاح الجو الفرنسي لاعتبارات أمنية.

ألكسي دوسواف، من على متن أسطول الصمود المتوجّه لفكّ الحصار عن غزة

هل تكفي الموارد الفرنسية؟

أيّد المحامي والرئيس الفخري للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان باتريك بودوان ما ذكره بروغيير: "فهذا النوع من القضايا يفرض التنسيق مع سلطات/حكومات أجنبية لإجراء التحقيقات. تعاون ليس بالضرورة أن يتم".

إنه واقع يدفع إلى طرح التساؤلات التالية: هل تمتلك النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب في فرنسا ما يكفي من الموارد ومن المعرفة لإجراء تحقيقات نزيهة وصولاً إلى إصدار أحكام قضائية؟ هل الجهاز القضائي الفرنسي محصّن أمام التدخّلات السياسية؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، جرى التحقيق في المسار الذي سلكته و/أو تسلكه سبعة ملفات هي: شكوى الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بحق ساشا أ. وغابرييل ب. وشكوى الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بحق يونيل أنونا. والشكوى المقدمة من المحامي والناشط السياسي الفلسطيني – الفرنسي صلاح حموري، في مارس 2024، على خلفية الانتهاكات التي تعرّض لها خلال فترات اعتقاله المتفرّقة من قبل السلطات الإسرائيلية. والشكوى المقدمة في يونيو/حزيران 2025 من قبل جاكلين ريفو، عقب مقتل حفيديها، اللذين يحملان الجنسية الفرنسية، بقصف إسرائيلي على قطاع غزة يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول 2023. والشكوى المقدمة بحق الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، من قبل المجلس الفرنسي – العلوي، "بتهم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحق أبناء الطائفة العلوية". ومحاكمة الناطق الرسمي السابق باسم جيش الإسلام مجدي نعمة، والتي صدر فيها حكم بسجنه عشر سنوات، على خلفية التواطؤ بارتكاب جرائم حرب في سورية، والحكم الغيابي بالسجن المؤبد الصادر بحق ثلاثة من كبار المسؤولين الأمنيين السوريين المحسوبين على نظام بشار الأسد (علي مملوك، جميل الحسن، عبد السلام محمود) بتهم الضلوع في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية (إخفاء قسري، تعذيب، قتل …) أدت إلى مقتل مازن الدباغ ونجله باتريك وهما من مزدوجي الجنسية.

سبل إنصاف بديلة

يعتبر دوسواف أن الاحتكام إلى القضاء الفرنسي هو نتيجةٌ لتقاعس الأجهزة القضائية الإسرائيلية عن ملاحقة الجنود المتهمين بارتكاب جرائم حرب وإبادة قائلاً: "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها تُلزم الدول التحرك لتفادي وقوع جريمة إبادة أو محاسبة مرتكبيها".

مارك بايي، محامي الضحايا في قضية مجدي نعمة، أشار من جهته إلى أن فلسفة الولاية القضائية العالمية التي أتاحت محاكمة مجدي نعمة في فرنسا، هي توفير سبل قضائية بديلة لإنصاف الضحايا العاجزين عن إيجاد العدالة في بلدانهم الأصلية، فيما رأت كليمانس بيكتارت، محامية عائلة الدباغ، أن التوجه إلى القضاء الفرنسي يتيح الحفاظ على الأدلة لتحديد المسؤولية الجنائية.

على المقلب الآخر لم يجد رومان رويز ورفائيل كامف، محاميا مجدي نعمة، أي مبرر لمحاكمة موكلهما في فرنسا، التي وصلها طالباً جامعياً. وفقاً لحديثهما إلى "العربي الجديد": "الاستناد إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية يعد إمبريالية قضائية من جانب. غاية فرنسا الإيحاء بتكريس صورتها قاضيةً للعالم، في استحضارٍ للعقلية الاستعمارية".

رفائيل كامف محامي مجدي نعمة في فرنسا

التدخلات السياسية المحتملة

من النقاط التي حرص "العربي الجديد" على استيضاحها مسألة التدخلات السياسية المحتملة في عمل القضاء الفرنسي. الإجماع المبدئي على عدم وجود تدخل بالمعنى المباشر أو التقليدي، لم يخف بعض التباينات، فآربيه آليمي، محامي جاكلين ريفو، عبّر عن ثقته التامة باستقلالية القضاء الفرنسي، وهي وجهة نظر أيدها ألكسي دوسواف.

لكن باتريك بودوان، محامي الدفاع عن الضحايا في قضيتي مجدي نعمة والدباغ، تطرق إلى إمكانية التأثير السياسي غير المباشر على عمل القضاء: "لم تحسم فرنسا قرارها بمناوئة نظام الأسد إلا بعد قصفه ضواحي دمشق بالأسلحة الكيميائية في أغسطس/آب 2013. هذا التحول جعلنا نشعر، كحقوقيين، أن ملاحقة شخصيات من قلب هذا النظام باتت ممكنة، بعد سنوات من غض النظر الفرنسي".

بينما الحقوقية اللبنانية – الفرنسية، لينا طبال، التي ساهمت في إعداد ملف الشكوى ضد أحمد الشرع، أكدت من جانبها كلام بودوان. توضح طبال، وهي أستاذة القانون الدولي والإنساني في المدرسة العليا للإعلام والعلاقات الدولي، لـ"العربي الجديد"، أن الشكوى المقدّمة ما تزال في مراحلها الأولى: "لكن زيارته إلى باريس في مايو/أيار الماضي لا توحي بالأمل"، وهو ما تراه طبال انعكاساً لرغبة دولية في تكريس شرعية أحمد الشرع وإزالة ما قد ينتقص منها.

أما القاضي السابق وصاحب كتاب "مسارات الإرهاب... تهديدات، إخفاقات: القاضي السابق يبوح بكل شيء" جان لوي بروغيير، فأشار من جهته إلى إمكانية التأثير في مسار التحقيق بقرار سياسي غير مباشر: "مبدأ فصل السلطات الذي يسمح للقضاء الفرنسي بأداء وظيفته باستقلالية تامة، قد يتحول إلى أداة للعرقلة. فالموارد اللازمة للعمل رهن بقرار السلطة التنفيذية التي قد تحجبها بذرائع عدة، كترشيد الموارد المالية".

كلام بروغيير يتقاطع مع ما صرّحت به كليمانس بيكتارت لجهة عدم اقتناعها بوجود جهاز قضائي مستقل تماماً، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا دولية ذات أبعاد سياسية ودبلوماسية. وفي المحصلة معضلة الموارد والإمكانات ذكرها باقي المحامين الذين شدّدوا على أهميتها في مسار إنصاف الضحايا.

وبحسب ألكسي دوسواف، يشتكي قضاة التحقيق في فرنسا من قلة الموارد المالية والبشرية، ما يعيق العدالة عن القيام بتحقيقات ميدانية تتطلب السفر آلاف الكيلومترات إلى مناطق نزاع يتعذر أحياناً الوصول إليها.

يستطرد دوسواف، مشيراً إلى ميزةٍ تطبع الشكويين المقدّمتين بحق الجنود الإسرائيليين الثلاثة: "لم يسبق أن أقدم متهمون بارتكاب جرائم دولية على توفير أدلة إدانتهم بأنفسهم. إحساسهم بالإفلات من العقاب دفعهم إلى التباهي بجرائمهم على مواقع التواصل الاجتماعي. نحن أمام حالة استثنائية، فالوصول إلى أدلة الإدانة هذه عادة ما يكون خلال مرحلة التحقيق".

موارد غير كافية 

مع ذلك، لا يخفي دوسواف العراقيل المحتملة، خصوصاً إذا قررت السلطات الإسرائيلية الدفاع: "نحن متطوعون لمتابعة هذه الشكاوى. بالمقابل، بوسع الطرف الآخر توفير ميزانية مفتوحة دفاعاً عن مواطنيه". 

لينا طبال تناولت أيضاً مسألة التكلفة المادية، معتبرة أنها من أبرز العراقيل التي تعترض العدالة الدولية، ولا سيما إذا طالت مدة المسار القضائي، قائلة:"  المسار القضائي الطويل يعد إشكالية أخرى، فطول المدة قد يؤدي إلى فقدان الأدلة (وفاة شهود، عدم صلاحية أدلة مادية...) فضلاً عن استنزاف الموارد المالية والقضائية وتراجع الاهتمام الإعلامي".

في هذا السياق، يشير صلاح حموري إلى أنه خلال إدلائه بشهادته خلال جلسة استماع قبل أشهر، لمس "عدم إلمام القضاة الفرنسيين بطبيعة دولة الاحتلال وتواطؤ جهازها القضائي". ينظر حموري إلى هذه الشكوى على أنها "جزء من العملية النضالية لفضح الاحتلال"، إلا أنه وفقاً لحديثه لـ"العربي الجديد"، أبدى خشية من إهدار الوقت بعد طلب قضاة التحقيق وقتاً إضافياً للبحث والتقصي.

تتفهم لينا طبال موقف حموري، فـ"الضحية تشعر دوماً بالتأخير، لكن العدالة تتطلب وقتاً". موقف أكده المحامي أنور البني الذي شدد على ضرورة مقاربة هذه الشكاوى من زاوية حقوقية بحتة، وفق خبرته وعمله رئيسا للمركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية الذي ينشط في ألمانيا وعمله على ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب في سورية. 

تحضير الملفات، بحسب المحامي السوري، يتطلب جهداً قانونياً دقيقاً تجنباً للادعاءات الكيدية، فـ"على سبيل المثال، لملاحقة شخص متهم بالتعذيب، لا بد من تقارير طبية تثبت أن الآثار على جسد الضحية بسبب تعرضها للتعذيب، إلى جانب تقدير تاريخ حدوثها وأداة التعذيب المستخدمة".

يضاف إلى ذلك اختلاف اللغة، ما يفرض الاستعانة الدائمة بمترجمين محلفين، إلى جانب صعوبة إجراء تحقيقات ميدانية. ويوضح البني لـ"العربي الجديد" أن العمل على إعداد بعض الملفات استغرق منهم أكثر من خمس سنوات، وهي مدة دفعت شهوداً وضحايا إلى حافة اليأس.

بعض الملفات القضائية استغرق العمل فيها أكثر من خمس سنوات

على المقلب الآخر، كان ألكسي دوسواف أكثر ميلاً إلى تبنّي موقف حموري: "ندرك أن العدالة بطيئة نوعاً ما، لكننا أمام حالة طوارئ إنسانية تتطلب الإسراع في إدانة مجرمي الحرب الإسرائيليين في غزة للحد من الإفلات من العقاب".

وفي السياق ذاته، فإن اغتيال الصحافي اللبناني سمير قصير في عام 2005، يُعَدّ مثالاً على إمكانية عرقلة مسار قضائي بسبب المناخ الفرنسي ونقص الموارد وطول المدة الزمنية. كانت عائلة قصير قد تقدمت بشكوى أمام السلطات القضائية الفرنسية، لكونه من مزدوجي الجنسية.

ولمعرفة ما آل إليه الملف بعد 20 عاماً، توجهنا إلى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في باريس، زياد ماجد، الذي تابع مجريات التحقيق الفرنسي لقربه من قصير وعائلته، فقال: "الملف انتقل إلى لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رفيق الحريري، على اعتبار أن سياق الاغتيالين كان واحداً. خطوة قلصت الجهود الفرنسية، ولا سيما مع تقاعد قاضي التحقيق جان لوي بروغيير في عام 2008 ودخول الملف في حالة من الجمود وعدم تخصيص فرنسا موارد كافية لاستئناف التحقيقات. يضاف إلى ما سبق ذكره، تطبيع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي لعلاقات باريس مع النظام السوري السابق في عام 2008، ما ولّد انطباعاً بانتفاء المصلحة السياسية الفرنسية من مواصلة التحقيق".

يضيف ماجد لـ"العربي الجديد": "كان يمكن إحداث خرق عبر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لكن إغلاق أبوابها في عام 2023 بعد الإفلاس المالي اللبناني، أدى بالملف إلى طريق مسدود".

عيوب في الترجمة 

بالإضافة إلى الأسباب المذكورة أعلاه (التدخل السياسي غير المباشر، البيئة السياسية، نقص الموارد، طول المدة الزمنية)، اعتبر محاميا مجدي نعمة، أن بوسع الأجهزة القضائية الفرنسية حرف العدالة عن مسارها. من المفيد، في هذا السياق، التوقف عند الجدل السائد حيال قضية مجدي نعمة لكونها الشكوى الوحيدة التي صدر فيها حكم قضائي وجاهي. بالتالي، تُعَدّ مؤشراً على المآل المحتمل للشكاوى الحالية.

ينفي رومان رويز ورفائيل كامف حدوث تدخلات سياسية في هذا الملف، لكنهما يتوقفان عند سلسلة من "العيوب" التي حالت، برأيهما، دون تمتع موكلهما بمحاكمة عادلة. بحسب المحاميان، أدان القضاء الفرنسي مجدي نعمة بتهمتي تجنيد قاصرين والمشاركة في إنشاء جماعة بغرض ارتكاب جرائم حرب، دون تقديم أي دليل يُثبت الاتهام على نعمة.

وفقاً لرويز وكامف، انتساب نعمة إلى هذا التنظيم المسلح بصفة ناطق رسمي لا يُعَدّ دليلاً بحد ذاته على تورطه في ارتكاب جرائم حرب، إذ إن "المحاكمة دامت خمسة أسابيع. خلال الأسابيع الثلاثة الأولى تركز الحديث على أنشطة جيش الإسلام. ما شهدناه كان أشبه بمحاكمة لجيش الإسلام منه إلى محاكمة مجدي نعمة".

لا ينفي المحاميان تورط جيش الإسلام في جرائم تستوجب ملاحقة قضائية، لكنهما يشيران بالمقابل إلى أن المنظمات الحقوقية التي كانت توثق ارتكابات جيش الإسلام (الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ...)، لم تأتِ على أي ذكر لنعمة بادئ الأمر. وإقحام موكلهما في هذا الملف جرى بعد أخذ العلم بوجوده على الأراضي الفرنسية، فاعتُبر "صيداً ثميناً" على حد تعبيرهما: "وجهت إليه تسع تهم لحظة توقيفه، لتتقلص تدريجياً وتنحصر في تهمتين اثنتين".

كذلك عرض رويز وكامف لـ"العربي الجديد" العراقيل التي حالت دون تمكين نعمة من الدفاع عن نفسه كما يجب. أول ما يشيران إليه تعرّض موكلهما لعنف جسدي خلال عملية توقيفه، نتج منها كدمات على وجهه. وعليه، تقدما بشكوى ظلت دون متابعة.

من جهة أخرى، خلال مرحلة التحقيق، ظهرت عيوب في الترجمة من العربية إلى الفرنسية. يذكر كامف (الذي يجيد اللغة العربية) على سبيل المثال، مقطعاً دعائياً مصوراً يعرض فيه مجدي نعمة هيكلية جيش الإسلام. لكن جرى تحوير مضمونه، طبقاً للمحاميان، عبر ترجمة غير دقيقة نسبت إلى نعمة كلاماً لم يرد على لسانه، ومضمونه: "يمكنكم الانضمام إلى جيش الإسلام أياً يكن سنكم".

بسبب هذه الأخطاء، أراد نعمة التوجه إلى القضاة باللغة الإنكليزية تجنباً لتحوير كلامه (باعتبارها لغة مشتركة فيما بينهم)، فقوبل طلبه بالرفض. وانتقد المحاميان عدم تعاون المحكمة في استدعاء أفراد من تركيا كانوا سيشهدون لصالح موكلهم، كما رفضها اقتراحاً يقضي بالاستماع إلى شهاداتهم عن بعد.

على خط موازٍ، أسقط القضاة نظرتهم الغربية على كل ما يمت بصلة إلى الإسلام، بحسب ما أشار إليه رويز وكامف، فقد "عُرضت وثيقة صادرة عن موكلهما تشير إلى اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب وافتتحها نعمة بالبسملة. أمر طبيعي نظراً للبيئة التي يتوجه إليها نعمة، إذ يسهل عليه نشر هذه القواعد بغلاف إسلامي. لكن المحكمة اعتبرت أن الإسلام بنظر نعمة أكثر أهمية من الاتفاقية في انعكاس لصورة نمطية تربط بين الإسلام والإرهاب".

ما خلص إليه رومان رويز ورفائيل كامف هو الآتي: "تعمد القضاء الفرنسي تسييس المحاكمة لأغراض دعائية بدليل تصوير جلسات المحاكمة، وهو أمر نادر الحدوث في فرنسا". يتضح هذا بحسب الموقع الإلكتروني لوزارة العدل الفرنسية، فالقانون رقم 699-85 لعام 1985 سمح "بإدخال الكاميرات إلى قاعات المحكمة لتصوير المحاكمات الأكثر أهمية لأغراض تاريخية"، على سبيل المثال محاكمة الضابط النازي كلاوس باربي في عام 1987 كانت الأولى التي يجري تصويرها، ليتوالى إدخال الكاميرات إلى قاعات المحاكم (محاكمة أوغستو بينوشيه في عام 2010 ...). بينما محاكمة مجدي نعمة تحمل الرقم 32 على قائمة المحاكمات التي سُمِحَ بتصويرها في تاريخ القضاء الفرنسي.

تسييس الأدلة

بودوان اعتبر أن ما ذكره محاميا الدفاع عن نعمة يندرج ضمن استراتيجية متعارف عليها في أوساط المحامين: العرقلة بغرض التصويب. وفقاً لبودوان، عقد رئيس المحكمة اجتماعات تحضيرية سبقت جلسات المحاكمة: "محاميا نعمة شاركا في الاجتماعات الأولى قبل مقاطعتهما لها، ليعودا ويطلبا قبل ثلاثة أسابيع من انطلاق المحاكمة الاستماع للشهود، وهو أمر يصعب تحقيقه خلال هذه المدة الزمنية القصيرة".

من جهته، يعتبر بايي أن ما من نص قانوني فرنسي يسمح بالإدلاء بشهادة عن بعد. لكن أبرز ما أشار إليه بايي، تراجع أشخاص عن الإدلاء بشهاداتهم ضد نعمة بعد تلقيهم تهديدات، خصوصاً أولئك الذين تقطن عائلاتهم في مناطق يتواجد فيها من ينتمون إلى جيش الإسلام، ما يعني أنهم واجهوا بدورهم صعوبات.

أما بخصوص عيوب الترجمة، فيقول بايي: "طوال السنوات الأربع التي استغرقتها التحقيقات، لم يطلب مجدي نعمة التواصل بالإنكليزية، كذلك فإن محامييه لم يتطرقا إلى هذه الإشكالية خلال الاجتماعات التحضيرية التي شاركا فيها". في هذا الصدد أوضح بودوان أنه طوال مسيرته المهنية لم يحدث أن طلب أجنبي التواصل مع المحكمة بلغة ثالثة، غير الفرنسية أو لغته الأم.

بايي توقف كذلك عند مسألة "الإسقاطات الغربية"، ليصنفها في خانة "تسييس الأدلة التي تدين المتهم". أما بودوان، فيقول في هذا الإطار إن الدفاع امتلك الوقت الكافي لتوضيح وجهة نظره حيال مكانة الإسلام في البيئة السورية، وبالتالي لم يكن الحكم الصادر بحق نعمة مبنياً على أي تنميط.

بالمقابل، يشير بايي إلى استنكارهم للعنف الذي واكب عملية توقيف مجدي نعمة، مؤكداً تصديهم لهذه الانتهاكات أياً كانت هوية ضحاياها. برأي بودوان، كثرة التركيز على هذه المسألة، التي يدينها بدوره، تهدف إلى حرف الأنظار عن جوهر القضية، "خصوصاً أن ما جرى مع مجدي نعمة ليس سابقة، مع الأسف".

برأي محاميَي الضحايا، محاكمة مجدي نعمة كانت عادلة. وفقاً لبودوان، قُدِّمَت الأدلة التي تثبت مشاركته في اجتماعات اتخذت خلالها قرارات أفضت إلى ارتكاب جرائم حرب، وقد استُحصِل على هذه الأدلة من الحاسوب الشخصي.

في المحصلة، إلى جانب ملاحقة الأجهزة القضائية الوطنية للمتهمين بارتكاب جرائم دولية، شدد دوسواف أيضاً على مسؤولية الدول في دعم محكمة العدل الدولية بعيداً عن ازدواجية المعايير السياسية: "تذمر واشنطن وعدد من الدول الأوروبية من مذكرة توقيف نتنياهو، مقابل تهليلها لمذكرة توقيف بوتين، يقوض مصداقيتنا ويضعف العدالة الدولية التي أرسيت لعدم تكرار ما جرى خلال الحرب العالمية الثانية".