الأدلة المفقودة... عراقيل في طريق العدالة الانتقالية بسورية
استمع إلى الملخص
- بعض العائلات السورية تمكنت من معرفة مصير أحبائها عبر السجل المدني أو مجموعات التواصل الاجتماعي، بينما لا يزال العديد يعاني من عدم اليقين.
- لتحقيق العدالة، يجب على الحكومة الجديدة جمع الأدلة وتشكيل لجنة وطنية تضم ممثلين عن المنظمات الحقوقية وأسر المفقودين، وتقديم الرعاية للمعتقلين المفرج عنهم للاستفادة منهم كشهود.
فقد سوريون آمالهم في الوصول لخبر يقيني حول مصير ذويهم المخفيين قسرا في سجون النظام المخلوع، جراء فقدان العديد من الأدلة والعبث بما تبقى منها، مما يعقد تصميم عملية عدالة انتقالية تحاسب الجلادين وتستعيد حقوق الضحايا.
- هرع العشريني السوري أصلان الحسين، إلى سجن صيدنايا عقب سيطرة إدارة العمليات العسكرية على مدينة دمشق في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، ودخل مع الأهالي الباحثين عن ذويهم في الزنازين، ومن لم يجدهم مثله، لم يكن أمامه سوى نبش السجلات والأوراق المبعثرة والدفاتر الملقاة في كل مكان بحثا عن معلومة قد توصله إلى مكان وجود والده الخمسيني محمد شهاب الحسين والذي انقطعت أخباره بعدما اعتقله في عام 2015 فرع الأمن العسكري التابع للنظام المخلوع، ومن ثم جرى نقله إلى فرع الأمن 235 (والمعروف باسم فرع فلسطين وهو أحد السجون التي كانت تديرها مخابرات الأسد).
وأدت الفوضى التي ضربت السجون وفروع الأمن إلى تلف وتدمير الوثائق وفقدان أو سرقة الأدلة وتشويه مسرح الجريمة بسبب عمليات الحفر والهدم خلال البحث عن زنازين مخفية كما شاع بين الأهالي، وهو ما رصده دياب سرية المدير التنفيذي لرابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا التي تأسست في عام 2017 من قبل ائتلاف للناجين وعائلات الضحايا بهدف كشف الحقيقة وتحقيق العدالة للضحايا وذويهم، مضيفا لـ"العربي الجديد":" ما جرى أثر سلبًا على قيمة الأدلة وصعّب من عملية التحقيق في الجرائم التي وقعت داخل السجون والفروع الأمنية".
الرأي السابق يتفق معه أسامة عثمان أمين سر فريق ملفات قيصر والذي وثق الكثير من جرائم النظام المخلوع بحق المعتقلين، قائلا: "المقصود بالأدلة التي تعرضت للتخريب أثناء فتح السجون والمعتقلات والمقرات الأمنية التابعة للنظام السابق، هي الوثائق والملفات والوسائط الرقمية بما فيها كاميرات المراقبة الداخلية والخارجية والتسجيلات الصوتية، والسجلات الخاصة بالموظفين وسجلات الزيارات والأوامر الإدارية وغرف التعذيب والأدوات المستخدمة في التحقيق مع الموقوفين والآثار والبصمات الموجودة على جدران غرف وزنازين الاعتقال".
و"تلك الأدلة أساسية لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان أو القتل تحت التعذيب وغيرها من الجرائم التي عانى منها الشعب السوري في ظل حكم الأسدين على مدى خمسة عقود" يضيف عثمان لـ"العربي الجديد".
ضحايا الفوضى
بعد يومين من فشله بالعثور على مكان اعتقال والده، تواصل الحسين مع رابطة معتقلي سجن صيدنايا، الذين أخبروه بأنهم لم يجدوا أي معلومات حوله، إلا أنه في 14 ديسمبر الماضي أدخل الاسم الرباعي لوالده على تطبيق السجل المدني السوري (أطلقته الإدارة السورية الجديدة عقب سقوط النظام السابق)، بعدما أخبره أصدقاؤه بأنه تم تحديث بياناته، وكانت المفاجأة أن والده توفي في 15 يناير/كانون الثاني 2015 في فرع فلسطين، لكن النظام المخلوع لم يصدر شهادة وفاته إلا في 13 يونيو/حزيران 2023، وبالطبع لم تُبلغ العائلة وظل مصير الأب مخفيا إلى أن سقط النظام.
وعلى العكس من الحسين، لم يعثر عبد الباسط نبهان في التطبيق عن أي معلومة عن شقيقه علي الذي اعتقله فرع الأمن السياسي من ساحة سعد الله الجابري بمدينة حلب شمالي البلاد في 20 مايو/أيار 2012 بعد مشاركته في الحراك السلمي، ومن وقتها حاولت العائلة الوصول إلى أي أمل حول مصيره خاصة أنها تلقت معلومة من أحد المعتقلين المفرج عنه في عام 2014، تشير إلى وجود أخيه في سجن صيدنايا، وتحديدا بالغرفة رقم 10 بالطابق الثاني (القسم الأحمر).
ويعيد نبهان وتسعة سوريين واجهوا صعوبات في العثور على ذويهم المعتقلين، أسباب العبث بالأدلة إلى الفوضى التي رافقت فتح المعتقلات عقب سقوط نظام السابق، لذا: "كان يتوجب على الإدارة السورية الجديدة تنظيم عملية الإفراج على المعتقلين وحفظ الأدلة التي تركت أمام آلاف الوافدين على مدار أيام".
إلا أن المسؤول عن فرع فلسطين في الإدارة السورية الجديدة، لورانس الشمالي، يرد على ما سبق قائلا لـ"العربي الجديد": "خلال البحث في سجلات ووثائق الفرع تبين أن سبب عدم العثور على بعض المعتقلين هي تصفيتهم من قبل النظام دون تسجيل الأمر"، ويكمل مدير مكتب وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال محمد الحسيني، مشيرا إلى: "حفظ قسم من السجلات المتوفرة، واستمرار العمل على متابعة المتورطين في الجرائم والانتهاكات التي وقعت في السجون من أجل الوصول إلى حقيقة مصير المختفين".
العبث بالأدلة يفقدها قيمتها القانونية
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان (منظمة غير حكومية)، وفاة 15.102 معتقل تحت التعذيب في المقرات الأمنية ومراكز الاحتجاز التابعة للنظام السابق خلال الفترة من عام 2011 حتى أغسطس/آب الماضي، كما رصدت خلال الفترة ذاتها 136 ألفا و614 حالة اعتقال وإخفاء قسري، بينما بلغ عدد المفرج عنهم عقب إسقاط النظام السابق 24.200 معتقل، بحسب رئيسها فضل عبد الغني، الذي يوضح لـ"العربي الجديد" أن العبث بمسارح الجرائم يشكل انتهاكا بحق المغيبين قسريا وذويهم، لافتا إلى أن الأفرع الأمنية كانت تسجل أسماء المعتقلين، والوجبات الغذائية، والأدوية التي تقدم لهم، والضباط والجنود المشرفين، والأوامر والقرارات التي تصدر وسجل الزوار، وهذه معلومات قيمة في حال توفرها كاملة، لأنها تساهم في تحقيق العدالة والمحاسبة".
نجاة 24 ألف معتقل سوري من سجون ومعتقلات الأسد
وبسبب ما جرى فقد أهالي المعتقلين أي أمل في الوصول لذويهم، لكن بعض المجموعات على تطبيق التواصل "واتساب"، ساهمت في التخفيف من آلامهم، إذ نشرت معلومات عن مصير المعتقلين بعد وصول جانب من الوثائق إلى القائمين عليها، ومن بينها مركز تلبيسة الإعلامي (منصة تهتم بأخبار الثورة السورية)، وفي إحدى قوائمها وجد محمد يوسف الجمعة اسم شقيقه الأربعيني جهاد، المعتقل منذ عام 2012، مضيفاً لـ"العربي الجديد":" تبين بعد العودة لتطبيق السجل المدني السوري، أن النظام البائد أصدر شهادة وفاة أخي في الرابع من يوليو/تموز 2023، بعد وفاته في 14 مارس/آذار 2013".
ويُجمع كل من الحسين والجمعة ونبهان، ورياض الخطيب الذي لم يجد أثرا يدل على وجود شقيقه أيمن في سجن صيدنايا، على أن مواطنين يحتفظون بوثائق تم نهبها من الأفرع الأمنية ويبدون أملهم في تسليمها للحكومة السورية، إذ يقول الخطيب أن شقيقه اعتقل في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، و"المرة الوحيدة التي استطعنا الحصول على صورة لأخي كانت في سجن صيدنايا، منتصف عام 2014، ودفعنا لمن أوصلها لنا ألف دولار أميركي، ووقتها بدا أيمن فاقدا لعينه وأسنانه، نتمنى أن نتأكد فقط من مصيره".
وإلى جانب المواطنين، يتهم الخطيب عناصر مسلحة من فصيل أحمد العودة (تأسس في عام 2013 في ريف درعا الشرقي جنوبي البلاد قبل أن ينضم إليه 16 فصيلا في عام 2016) بنهب كاميرات وأقراص تخزين مرتبطة بها تحتوي على معلومات عن معتقلين في سجن صيدنايا.
لكن محمود مقداد، مدير المكتب الإعلامي لفصيل العودة، رد على الاتهام قائلا: "نحن في غرفة العمليات لم ندخل إلى سجن صيدنايا، وما وصل إلينا من وحدات تخزين لبيانات كان عبر شخص في منطقة خربة غزالة شمال شرقي محافظة درعا، وقال لنا إنه أخذها معه، لدى دخوله إلى السجن بحثا عن ابنه المعتقل، ونحن بدورنا سلمناها لإدارة العمليات العسكرية"، مشيرا إلى حرصهم البالغ على الكشف عن جرائم النظام المخلوع وإنصاف الضحايا لتحقيق العدالة.
كيف يمكن للحكومة تحقيق العدالة للضحايا؟
"يجب تجميع كل ما وقع من وثائق وأدلة بأيدي المواطنين وجهات أخرى والحفاظ على ما تبقى من قيمتها القانونية حتى لا تتلاشى مع مرور الوقت بسبب نقلها من شخص لآخر دون مراعاة أهميتها وحساسيتها، ثم تدقيق ما تم الوصول إليه وكشف أي محاولات لدس وثائق مزورة لتبرئة أو تضليل أو توريط جهات بعينها بغية إحداث الفتنة وبث الشكوك بين أبناء المجتمع" كما يقول أمين سر فريق ملفات قيصر، وهو ما تتفق معه الشبكة السورية لحقوق الإنسان والتي أعدت قائمة تضم 16 ألفا و200 متهم من قوات النظام السابق والمليشيات الرديفة وأجهزة الأمن، ممن ارتكبوا جرائم اعتقال وإخفاء قسري وقتل وتعذيب بحق السوريين، حسب عبد الغني، مشيرا إلى أن ضياع أدلة وطمس أخرى من خلال لمس الملفات والجدران، ما يشكل عائقا أمام رفع البصمات ومعرفة آخر الضباط والعناصر الذين كانوا في السجن.
طمس الأدلة يشكل عائقاً في إثبات المسوؤلية الجنائية وتحديدها
وصاحب المصلحة في ضياع الأدلة، كما يقول عثمان، هم قادة وعناصر النظام السابق ومن يرتبط بهم، خشية أن تطاولهم يد العدالة والمحاسبة، لافتا إلى ضرورة تقديم الرعاية اللازمة للمعتقلين الذين تم الإفراج عنهم وتأمين حياتهم، للاستفادة منهم بصفتهم شهودا ومصادر معلومات محتملة.
ويمكن جمع الأدلة عبر مطابقة الإفادات والشهادت المتقاطعة من ذوي المعتقلين والمفرج عنهم، والمعلومات والوثائق التي جرى جمعها من الأفرع الأمنية وشبكة البيانات التي تمتلكها المنظمات الحقوقية للوصول إلى أدلة قاطعة تدين المتورطين بارتكاب الانتهاكات، وفق عبد الغني، الذي يطالب الحكومة الجديدة بتشكيل لجنة وطنية مؤقتة تعمل على الأمر، تضم ممثلين عن المنظمات الحقوقية السورية وأسر المفقودين بهدف إنشاء قاعدة بيانات وطنية مركزية وتحديثها باستمرار بما يضمن شمولية ودقة البيانات.
"نأمل في ذلك"، يقول نور الدين مخيبر، بعد ما لم يجد أثرا لشقيقه محمد المعتقل منذ عام 2012 على خلفية نشاطه الثوري المعارض للنظام السابق، رغم البحث عنه في الأفرع الأمنية وسجن صيدنايا، قائلا: "أقصى أمانينا معرفة مصير أخي ومحاسبة المتورطين في ما كابدناه من ألم كما مئات الآلاف من السوريين غيرنا".
وهي المشاعر ذاتها التي تسيطر على عائلة محمد الدغيم، الذي اعتقل والده في السادس والعشرين من أغسطس 2012، وعقب سقوط النظام وصل بالصدفة بعد ثلاثة أيام من البحث عن أي معلومة تدلهم على حالته، إلى أنه من بين المتوفين الذين حوت الوثائق المبعثرة في سجن صيدنايا تفاصيل ما جرى لهم، قائلاً لـ"العربي الجديد": "والدي كان في سجن صيدنايا حتى عام 2021، لا نعلم كيف مات، لكننا اليوم بتنا قادرين على أن نقيم عزاءه".