إصابات كورونا في المدارس الجزائرية... خروقات متعددة للبروتوكول الصحي

الجزائر
إيمان الطيّب
03 ديسمبر 2020
+ الخط -

يخضع الأربعيني الجزائري كمال غرين، أستاذ اللغة العربية بابتدائية الأزهر، التابعة  لبلدية القبة وسط العاصمة، منذ 10 أيام لحجر صحي اضطراري بمنزله، بعد إصابته بفيروس كورونا في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 أي بعد 21 يوما من عودة الدراسة، موضحا في إفادته لـ"العربي الجديد"، أن خروقات البروتوكول الصحي الذي أقرته وزارة التربية الوطنية على مستوى المدرسة التي يشتغل بها تسببت في إصابته بالمرض، رغم مراقبة وضع الكمامة والتعقيم، وقياس درجة حرارة التلميذ قبل الدخول، ولكن إلزامية التباعد ومنع الاكتظاظ غير مطبقين، وهو ما يسهل انتقال العدوى.

ذات الخروقات للبروتوكول الصحي، تؤكدها أسماء ميغاري، أستاذة اللغة الفرنسية بإكمالية أم حبيبة التابعة لبلدية باب الوادي وسط العاصمة، إذ تأكدت إصابتها بفيروس كورونا بتاريخ 13 نوفمبر، رغم أنها لم تغادر منزلها إلا نادرا منذ مارس/آذار 2020 بعد قرار غلق المدارس بأمر من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، خلال الفترة من 12 مارس/آذار وحتى 21 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وتؤكد ميغاري أنه بمجرد عودتها للعمل، لاحظت عوارض المرض عليها وهي الحرارة المرتفعة والإسهال بعد فقدان حاستي التذوق والشم، كما ثبتت إصابة 3 أساتذة آخرين في نفس المدرسة، قائلة "المؤسسة لا تلتزم بإجراءات التعقيم بشكل يومي كما أنه من الصعب ضمان تغيير التلاميذ الكمامة كل يوم ناهيك عن الاكتظاظ المسجل عند الدخول والخروج وفي الساحات الخارجية، مناشدة وزارة التربية: "بأن يكون تطبيق البروتوكول الصحي أكثر صرامة وبإشراف ومتابعة طبية داخل كل مؤسسة تربوية".

وينص البروتوكول الصحي، الذي كشفت عنه وزارة التربية بتاريخ 11 أكتوبر/تشرين الأول 2020، على ضرورة التباعد بين التلاميذ بمسافة 150 سنتيمترا على الأقل ووضع شريط عازل عند مدخل المدرسة، لقياس درجة حرارة التلاميذ يوميا قبل الدخول للمدرسة، وتنظيم خرجات متداولة في ساحة المدرسة لمنع تجمهر التلاميذ في نفس الوقت وتنظيف المطاعم والمراحيض يوميا وتعقيم دوري للمؤسسات التربوية.

تضاعف الإصابات اليومية

يقدر عدد الأساتذة وأعضاء الأسرة التربوية المصابين بفيروس كورونا، بـ 811 حالة، سجلت خلال الفترة الممتدة بين 21 أكتوبر و21 نوفمبر الماضي، أي في ظرف شهر من الدخول المدرسي، في حين أن عدد المدارس التي تعرضت للإغلاق بسبب كورونا بلغ 17 مدرسة، عدد منها أعيد فتحه بعد انتهاء فترة الأسبوعين المقررين للإغلاق، وفق إفادة رئيس المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس للقطاع ثلاثي الأطوار للتربية (نقابة وطنية مفتوحة لكل عمال التدريس في المراحل التعليمية الثلاث) ، مسعود بوديبة لـ"العربي الجديد".

وبالمقابل بلغ عدد الإصابات المسجلة بفيروس كورونا بصفة عامة في الجزائر بتاريخ 21 أكتوبر، المصادف ليوم الدخول المدرسي لتلاميذ المرحلة الابتدائية بعد 7 أشهر من تجميد الدراسة، 252 إصابة مؤكدة و7 حالات وفاة وفقا لتصريح مدير الوقاية على مستوى وزارة الصحة الدكتور جمال فورار.

وارتفعت الإصابات بتاريخ 4 نوفمبر وهو تاريخ الدخول المدرسي لتلاميذ الإكماليات والثانويات إلى 548 حالة جديدة مؤكدة و10 وفيات، وفقا للنشرة اليومية لوزارة الصحة الجزائرية، في حين بلغ عدد الإصابات بتاريخ 22 نوفمبر 1088 حالة مؤكدة و17 وفاة، وفقا لذات المصدر.

وعادل عدد الإصابات الإجمالي بفيروس كورونا إلى غاية تاريخ 22 نوفمبر 72 ألفا و755 حالة وعدد الوفيات 2275 حالة وفاة  منذ بداية الوباء، وتكشف الأرقام السابقة عن ارتفاع حالات الإصابة خلال أسبوعين من عودة تلاميذ الابتدائي للمدارس  بـ296 حالة إضافية يومية، أي أكثر من الضعف، وفي ظرف شهر بـلغت 836 إصابة جديدة يومية، أي تضاعفت قرابة الأربع مرات، بحسب إفادة البروفيسور  مصطفى خياطي، رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث "هيئة مستقلة لتطوير الصحة".

تفشي العدوى

يدقّ النقابي التربوي بوديبة ناقوس الخطر، جراء ارتفاع نسبة إصابات كوفيد 19 بالمدارس الجزائرية، داعيا إلى ضرورة اتخاذ إجراءات استعجالية لمنع انتقال العدوى لعدد أكبر من أفراد الأسرة التربوية.

ويشارك رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث بوديبة مخاوفه قائلا في تصريح لـ"العربي الجديد" :"نسبة الإصابة بفيروس كورونا ارتفعت في أوساط الأساتذة خلال الفترة الأخيرة، ولو تم تطبيق البروتوكول الصحي المدرسي بحذافيره، سيكون كافيا"، مضيفا "لم يثبت لحد اليوم أن إصابة الأساتذة تمت داخل المدرسة وليس خارجها". ويرد على ذلك النقابي بوديبة أنه من الصعب اليوم معرفة ما إذا كانت عدوى كورونا تتم داخل المدارس أو خارجها، ولكن المؤكد هو انتشار العدوى بشكل أكبر وتضاعف الإصابات منذ تاريخ فتح أبواب المدارس.

ثغرات في البروتوكول الصحي

رصدت معدّة التحقيق 7 ثغرات في تطبيق البروتوكول الصحي، عبر جولة في 3 مدارس شهدت انتشار فيروس كورونا، وتكمن أولى المشاكل في نقص فادح في الكمّامات حيث تحصي وزارة التربية وجود 10 ملايين تلميذ ما يتطلب توفير 20 مليون كمامة يوميا بالمدارس، وهو ما يعجز عنه التلاميذ، والأسر المعوزة، ولا تلتزم بتوفيره المدارس أو مديريات التربية، وفقا لإفادة رئيس المنظمة الوطنية لأولياء التلاميذ (منظمة وطنية مستقلة تأسست سنة 2009 تضم أولياء التلاميذ وتهدف إلى تدليل الصعوبات التي تواجه تمدرسهم)،  علي بن زينة، مضيفا لـ"العربي الجديد" "يجب تخصيص ورشات ومصانع لإنتاج حصريا كمامات المدارس، ويجب أن تكون كمامات طبية مطابقة للمعايير. 

وكمثال على خطر الخروقات السابقة، تقول رئيسة مكتب أولياء التلاميذ بولاية مستغانم غرب العاصمة الجزائر، كريمة بوشطارة "قمنا بمعاينة تطبيق البروتوكول الصحي على مستوى ابتدائية بڨاي البشير ببلدية حاسي مماس والتي تعرضت للغلق بسبب تسجيل أكثر من 3 حالات كورونا، قبل اسبوعين رفقة لجنة ولائية تضم ممثلين عن مديرية التربية ومفتشين وممثلي أولياء التلاميذ إضافة الى اللجنة الطبية التي عينتها الولاية، وثبت تسجيل مجموعة من التجاوزات بداية من عدم التزام الحارس والتلاميذ بارتداء الكمامات، كما وثقنا اكتظاظا في الأقسام وغياب المعقم والذي تم استبداله بماء الجافيل وعليه قمنا برفع تقرير للوالي الذي أصدر على إثره أمرا بغلق الابتدائية".

ويرد مدير المدرسة دحو قادة على بوشطارة بالقول: "المشكل الوحيد أن أدوات التعقيم انتهت وتأخرنا في تقديم طلبية جديدة للبلدية"، مضيفا "الأمور تسير بطريقة جيدة ونحن نطبّق البروتوكول الصحي رغم أن محضر المعاينة يقول عكس ذلك".

ومن بين مشاكل البروتوكول الصحي، كما يقول رئيس المنظمة الوطنية لأولياء التلاميذ، أن وزارة التربية لم تقم بتدريب الأساتذة والمفتشين لتكوينهم على كيفية التعامل داخل قاعات التدريس وكيفيه تقديم الدروس في هذه الظروف، كما أنها تراسل المفتشين وتطالبهم بمراقبة مدى تطبيق البروتوكول الصحي رغم أن المفتش ليس طبيبا ولا يمكنه معرفة مدى التزامهم.

وترد وزارة التربية على لسان الأمين العام الولائي شبيلي نور الدين، بأنها قدمت بروتوكولا من السهل تطبيقه ولا يحتاج لتكوين لأنه واضح من حيث طريقة التنفيذ، كما أن كل مؤسسة تربوية تسجل إصابات داخل 3 أقسام (غرف تدريس ) تتعرض للغلق لأسبوعين، وهي مدة حجر كافية لاختفاء المرض.

ووفقا لمنظمة أولياء التلاميذ فإن عدد مرات التعقيم التي تقوم بها المؤسسات التربوية لا تتجاوز المرتين في الأسبوع، في حين أن مدة صلاحية التعقيم لا تتجاوز 24 ساعة، وهو ما يعد ثغرة في تطبيق البروتوكول الصحي، كما يوثق عضو لجنة التربية والتعليم والبحث العلمي بالمجلس الشعبي الوطني مسعود عمراوي عن حزب الإتحاد من أجل النهضة والعدالة والتنمية (معارضة)، نقصا كبيرا في عدد أجهزة قياس الحرارة على مستوى المدارس، خاصة الابتدائيات بحكم أنها مموّلة من طرف البلديات بميزانية صغيرة، إذ تتوفر على مقياس حرارة واحد لما متوسطه 1000 تلميذ يوميا، إضافة إلى نقص كبير في المعقمات. وهو ما يتم رصده عبر كافة الإبتدائيات.

ووثقت معدة التحقيق الخروقات السابقة عبر إفادة حدادو اكلي رئيس مكتب جمعية أولياء التلاميذ في ولاية تيزي وزو، شرق العاصمة، والذي قال أن إعدادية العقيد لطفي، لم تكن جاهزة لاستقبال التلاميذ خاصة مع انتشار فيروس كورونا، وسجلت مع الدخول المدرسي نقصا فادحا في وسائل التعقيم، مضيفا "قمنا بالاتصال برجال أعمال في المنطقة لجمع التبرعات والمساهمة في شراء أدوات التعقيم".

إضافة إلى ما سبق يؤكد، عضو مجلس الأمة، عن حزب جبهة التحرير الوطني (موالاة) عبد الوهاب بن زعيم، أن تطبيق بروتوكول صحي لمنع تحول المؤسسات التربوية إلى بؤرة لتفشي كورونا يقتضي إجراء تحاليل للأساتذة مرة كل أسبوع على الأقل للتحكم في الوضع، وهو ما نجده غائبا في المؤسسات التربوية الجزائرية كما أن هذه النقطة لم تدرج في البروتوكول الصحي المعتمد، إضافة إلى نقص الإمكانيات المالية.

وهنا رصدت منظمة أولياء التلاميذ بولاية تيزي وزو،  غياب عمليات الصيانة على مستوى المطعم المدرسي ما يخرق تطبيق قاعدة التباعد المفروضة في البروتوكول الصحي، وكذلك الاكتظاظ على مستوى ثانوية سحوي علجية، وهو ما يتنافى مع البروتوكول الصحي، ونتيجة لذلك تم تسجيل ثلاث إصابات في أوساط المدرسة التي تقرّر غلقها لمدة 15 يوما، وفقا لإفادة ممثل أولياء التلاميذ بولاية تيزي وزو.

ميزانيات غير كافية

تعاني المدارس الجزائرية من عدم كفاية ميزانيات التسيير ما يعوق تطبيق البروتوكول الصحي لمجابهة كورونا وفق تأكيد مديري مدارس ابتدائية، ويؤكد النائب مسعود عمراوي عضو لجنة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي بالمجلس الشعبي الوطني، ضآلة الموارد المالية المخصصة لمجابهة كورونا قائلا  "في حين أن مدراس المتوسط والثانوي ممولة من قبل وزارة التربية الوطنية، تعاني البلديات من عجز كبير ومعلوم أن هذه الأخيرة تسيرها وزارة الداخلية، إذ تمنح البلدية كل مؤسسة تربوية ميزانية تتراوح بين 3 ملايين و 6 ملايين دينار (من 23 ألف دولار إلى 46 ألفا )  سنويا، وهي قيمة مالية لا تكفي حتى لاقتناء الطباشير والاقلام.

وبالنسبة للمتوسط والثانوي تتراوح الميزانية بين 30 و50 مليون دينار سنويا (230 ألف دولار إلى 380 ألفا)، لكن وبعد تفشي وباء كورونا، لم نلاحظ أي زيادة كبرى في الميزانيات، يقول عمرواي.

وخصصت الحكومة الجزائرية 771 مليار دينار (5.99 مليارات دولار) في ميزانية عام 2021 التي لم يتم تفعيلها بعد، مقارنة مع 724 مليار دينار (5.64 مليارات دولار ) لعام 2020 ضمن بند قطاع التربية والمدارس بزيادة عادلت 6.44 في المائة أي 46 مليار دينار (358 مليون دولار) وفقا لوثيقة الموازنة لسنة 2021 التي حصلت عليها معدة التحقيق.

وتقترح لجنة التربية والتعليم والبحث العلمي على مستوى المجلس الشعبي الوطني سحب تسيير المدارس الابتدائية من البلديات وتحويلها إلى وزارة التربية لتقليص بؤر انتشار كورونا، خاصة أن تمويل البلديات للمدارس ضعيف جدا، بحسب ما قاله عضو اللجنة مسعود عمراوي، بينما يضيف النائب بن زعيم، مقترحا بتدريس التلاميذ مرة كل يومين، من أجل تعقيم المدرسة وتقليص عدد التلاميذ إلى النصف مع اعتماد الصرامة في تطبيق البروتوكول الصحي وإلزام المصالح الولائية بالمساهمة في عملية توفير الإمكانيات وتخصيص ميزانية لاقتناء المعقمات والكمامات ومقياس الحرارة وتوزيع الكمامات مرة كل أسبوع على التلاميذ المعوزين.