أطفال خلف الحدود... قُصّر سوريون من معتقلات "قسد" إلى زنازين العراق
نقلت القوات الأميركية أطفالاً سوريين كانوا محتجزين لدى مليشيا "قسد" إلى العراق، بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش، في مخالفة لاتفاقية حقوق الطفل الدولية، التي تعتبر الترحيل إلى بلد آخر مساساً بـ"المصلحة الفضلى".
- تمر برب الأسرة السوري محمد الحمد الحسين أيام ثقال، تارة يحدوه الأمل ومرات يطارده اليأس خوفاً مما ستؤول إليه أوضاع طفله جاسم، منذ ترحيله مطلع فبراير/شباط الماضي إلى العراق رفقة قاصرين آخرين، بتهمة الانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي (داعش).
فمن سجون مليشيا سوريا الديمقراطية (قسد) شرقي البلاد، نقل كل من جاسم وقريبه محمد الحمادي (وقت القبض عليهما كان عمرهما 16 عاماً) إلى سجن الكرخ المركزي غرب بغداد، على الرغم من عدم خضوعهما لمحاكمة تثبت التهمة عليهما منذ اعتقالهما على يد جهاز استخبارات قسد في أثناء اللهو بدراجة نارية في محيط حقل العمر بريف محافظة دير الزور شرقي سورية في 28 سبتمبر/أيلول 2025، ليمضيا فترة قاسية في محبسيهما، كما يقول الحسين وعلامات استنزاف طاقته ألماً وقهراً بادية على وجهه، معرباً عن حسرته لفشل جميع محاولاته ومحاميه للإفراج عنهما أو تقديمهما لمحاكمة عادلة.
ولهذا يصف فضل عبد الغني رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما يجرى بأنه، "مخالفة لعدة مبادئ وقواعد أساسية في القانونين الدولي الإنساني والجنائي الدولي، منها انتهاك مبدأ الإقليمية أي تطبيق قانون العقوبات الوطني على كل جريمة تقع داخل إقليم الدولة، سواء كان الجاني مواطناً أم أجنبياً، وحرمان الضحايا من الحق في العدالة والإنصاف في بلادهم ومخالفة مبدأ عدم الطرد أو الرد القسري، والأخطر احتمالات تقويض الحق في المحاكمة العادلة"، مؤكداً رصد مؤسسته وقوع عمليات نقل وتسليم واسعة النطاق للعراق بحق محتجزين كانوا لدى قوات سوريا الديمقراطية والجهات التابعة للإدارة الذاتية.
وطاولت عمليات التسليم 6.547 محتجزاً، من بينهم 4.743 مواطناً سورياً، وفيهم عشرات الأطفال واليافعين، إضافة إلى 1.804 من الأجانب وينتمون إلى نحو 61 جنسية، منذ عام 2019 وحتى فبراير الماضي، وفق البيانات التي حصل عليها "العربي الجديد" عبر الجهات الحقوقية السورية، و"مع ذلك فإن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى"، يقول عبد الغني، مشيراً إلى أن عمليات الترحيل تمت بطلب من التحالف الدولي ضد داعش، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، وهي معطيات تتقاطع مع قاعدة بيانات الجهات العسكرية ذات الصلة، إذ تؤكد إحصاءات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، إكمال عملية نقل أكثر من 5700 عنصر من تنظيم الدولة الإسلامية إلى عهدة العراق حتى 13 فبراير الماضي.
قُصر في سجون العراق
ولد جاسم في التاسع من يناير/كانون الثاني 2009، وفق ما تثبته شهادة ميلاده التي حصل عليها "العربي الجديد"، "ما يعني دون أي شك أنه طفل ومدني وليس مقاتلاً"، يقول الحسين لـ"العربي الجديد"، مضيفاً بألم: "لم نعرف بما جرى إلا بعد شهر من الترحيل بعدما أخبرني معتقل أُفرج عنه من سجن علايا بمدينة القامشلي شمال شرقي سورية، أن جاسم كان معه في نفس المكان وهو من أعطاه رقم هاتفي ليتواصل معي، وبعدها تلقيت اتصالاً هاتفياً من الصليب الأحمر أخبروني بنقله إلى العراق".
نقل مع جاسم والحمادي، الطفل ضياء سعيد العلي (16 عاما)، الذي اعتقلته قوات قسد من قرية الحصين بدير الزور في 29 أغسطس/آب 2023، على خلفية نزاعات داخل مجلس دير الزور العسكري (كان تابعاً لمليشيات قسد)، والذي كان ابنه الأكبر علاء أحد عناصره"، كما يقول العلي لـ "العربي الجديد" بينما زود معد التحقيق بصورة من البطاقة الأسرية (دفتر العائلة) تشير إلى أن ضياء من مواليد الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول 2009، مضيفاً: "بعد محاولات استمرت سنة ونصف السنة، لمعرفة مكان احتجازه عرفنا أنه في سجن علايا، حيث كانت آخر زيارة له في 11 يناير 2026، قبل أن أتلقى اتصالاً من الصليب الأحمر في مطلع شهر مارس/آذار الماضي يفيد بأن ضياء موجود في سجن الكرخ مع المرحلين بتهمة الانتماء لتنظيم داعش". واعتقل ضياء مع أخيه علاء، لكن أُفرج عن الأخير في 19 فبراير 2026، بينما احتُفظ بالأخ الأصغر رغم أنه لا علاقة له بما حصل، حسب إفادة والده.
وبعد وصول جاسم والحمادي والعلي وآخرين إلى محبسهم في بغداد، فُرز 157 حدثاً ممن هم دون سن الـ 18 عاماً، وأحيلت ملفاتهم على محكمة تحقيق الأحداث في الكرخ، ليودعوا لاحقاً في دور تأهيل الأحداث، وفق معلومات مصادر متقاطعة يؤكدها مجلس القضاء الأعلى العراقي، إلى جانب عبد الغني، الذي لفت إلى صدور تقرير عن الشبكة السورية في 18 يونيو/حزيران الماضي تناول إشكالية مصير آلاف المعتقلين السوريين المنقولين إلى العراق، وأهمية ضمان حقوقهم القانونية والإنسانية، مضيفاً أن القضاء العراقي أكد استلامه 3,543 سوري.
ويتضمن هذا الملف حالات عشرات القُصر والمراهقين الذين نُقلوا ضمن دفعات متفرقة، من دون إعمال اتفاقية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، ومبدأ المصلحة الفضلى (يتضمن الحماية من سوء المعاملة والاستغلال والإهمال) الوارد في المادة الثالثة بها، على الرغم من مصادقة سورية والعراق عليها. وهنا يوضح الحقوقي عبد الغني أن مكافحة الإرهاب ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المنسوبة إلى تنظيم داعش، لا تبرران التعامل مع الأطفال على أساس الشك الجماعي أو استهدافهم بسبب الانتماء العائلي أو الوجود في مناطق خاضعة لسيطرة تنظيم داعش، كما لا تجيزان النقل الجماعي لهم إلى بلد آخر، في ظل غياب ضمانات المحاكمة العادلة، أو احتمالية التعرض للتعذيب، فضلاً عن حرمان العائلات من حقهم في معرفة مصير ذويهم، ومن هذا المنطلق يشدد على ضرورة أن يكون الملف ضمن أولويات العدالة الانتقالية في سورية.
يوافقه الرأي محام سوري، يضم مكتبه 70 ملفاً لمتهمين بالانتماء إلى تنظيم داعش، ويصف القضايا بأنها ادعاءات بلا أدلة دامغة، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن 17 حالة، ومن بينهم جاسم الحسين، تم ترحيلهم من دون حتى استجوابهم وجمع البراهين الدالة على تورطهم مع التنظيم، ويتابع القانوني الذي شدد على ضرورة عدم الكشف عن هويته خشية التعرض للملاحقة من قبل "قسد": "نقل هؤلاء الأطفال إلى بيئة احتجاز جديدة في بلد آخر بدلاً من إعادة تأهيلهم ودمجهم، يعارض مصلحتهم تماماً، وطبعاً لا يدخل ضمن نطاق مبدأ المصلحة الفضلى بأي صورة من الصور".
انتهاكات ممنهجة
في سورية تنقل جاسم الحسين بين عدة مراكز احتجاز، بدءاً من سجن حقل العمر، مروراً بسجني الشدادي والحسكة المركزي، وصولاً إلى سجن علايا في القامشلي الذي حط فيه بتاريخ 28 يناير 2026، قبل أن ينتهي به المطاف مرحلاً إلى العراق، وفي أثناء فترة وجوده في جميع مراكز الاحتجاز، لم يتمكن والده أو محاميه، من زيارته، فقط في كل مرة كان المسؤولون يكتفون بإبلاغ الأب :"بأنه لم يحاكم بعد وليس عليه شيء".
وفي ضوء ما جرى يؤكد المحامي السوري الذي يعيش في مناطق نفوذ قسد، أن جميع المبعدين إلى العراق، لم يحرموا فقط من حقهم في المحاكمة العادلة، وإنما وقع الأمر بمعزل عن إخطار سلطات وجهاز العدالة المختص.
وفي حالات أخرى، خضع معتقلون لمحاكمات بعد سنوات من الاحتجاز، أو أعيدت محاكمتهم مع تشديد الأحكام، قبل أن ينتهي المسار ذاته بالترحيل خارج البلاد، كما يقول المحامي العامل على ملفاتهم. ومن بين هؤلاء، العشريني السوري حسن أحمد العلي الذي رُحل كغيره إلى العراق، بعد اعتقاله من قبل مليشيا قسد في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وفق إفادة والده الذي زود محكمة الشدادي في الثاني من أغسطس 2025 بشهادة موقعة من وجهاء وشيوخ بلدة ذيبان بمحافظة دير الزور.
ويتضح من نسختها التي حصل "العربي الجديد" عليها، أنها معتمدة من المجلس المحلي للبلدة، ومما جاء فيها، أن حسن العلي "لم ينضم أو يشارك في أي عمل يخل بأمن المنطقة". لكن، "هذا لم يشفع له"، يقول والده لـ"العربي الجديد".
ومثله حسين علي الحمد (22 عاماً)، الذي حُكم عليه بالسجن في سورية لمدة سنتين ونصف السنة ثم أعيدت محاكمته بعد نقض الحكم ليصدر حكم آخر بالسجن لمدة 7 سنوات قضاها في سجون قسد قبل ترحيله إلى العراق، وفق شقيقه ياسر، الذي قال لـ"العربي الجديد": "رغم إدلاء شهود بإفادات حضورية وتأكيدهم على عدم انتمائه لتنظيم داعش، إلا أن المحكمة لم تستمع إليهم ولم تخطر المحامي حتى بمواعيد الجلسات".
وتتقاطع إفادة ياسر، مع تأكيد عبد المعطي حمادي، وهو مختار سابق لقريتي الشيخ حمد في ريف محافظة الحسكة الجنوبي، والصقار بالقامشلي (بين أعوام 2018 و2024)، الذي قال إن "الحمد مدني يعمل في الزراعة ورعي المواشي"، وتابع لـ"العربي الجديد": "اعتقل حسين الحمد عندما كان طفلاً لأن شقيقه كان من ضمن عناصر الجيش الوطني المقرب من تركيا". "وهو أسلوب تتبعه قسد لتبرير الاعتقالات" يضيف المسؤول المحلي.
مخاوف من تكرار سيناريو أحكام الإعدام
"نظراً لوجود خطر جسيم يتمثل في التعذيب في العراق، فإن عمليات النقل تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي، الذي يمنع إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لسوء المعاملة في ضوء الانتهاكات العراقية الموثقة جيداً للإجراءات القانونية الواجبة في عمليات مكافحة الإرهاب"، بحسب ما جاء في تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش صدر في 17 فبراير الماضي بعنوان "العراق: معتقلو "داعش" المزعومون المنقولون من سورية مهددون بالتعذيب"، وأوضح التقرير أن "الدور الأميركي في احتجاز هؤلاء الأشخاص وتنفيذ عمليات النقل قد يجعل واشنطن شريكة في أي انتهاكات".
ويعتمد العراق عقوبة الإعدام إطاراً رئيسياً في عمليات مكافحة الإرهاب، ويقدّر عدد المحكوم عليهم بهذه العقوبة بـ8 آلاف سجين، من مجموع 20 ألفا من المدانين بالقضايا ذات الصلة. ورغم إيقاف العمل بالعقوبة عقب الغزو الأميركي في عام 2003، فقد أعادت السلطات القضائية العمل بها مرة ثانية في عام 2004، ما يفاقم مخاوف أهالي القصر المرحلين.
إزاء مخاوف الأهالي والمنظمات الحقوقية، يقول المتحدث باسم الوفد الرئاسي لتطبيق اتفاق الحكومة السورية وقسد، أحمد الهلالي لـ"العربي الجديد" إن جهاز الاستخبارات العامة يعمل بالتعاون مع وزارة الخارجية، كمرحلة أولى، على إعادة دفعة أولى من المدنيين وعناصر فصائل المعارضة المسلحة السابقين ممن رحلتهم قسد إلى العراق بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش من دون توفر أدلة كافية على ذلك "ولاحقاً سيتم إعادة جميع السوريين ليتم محاكمتهم في سورية". ولدى إبلاغ الحسين بالتصريح السابق، ارتسمت على محياه ملامح أمل ورجاء في احتضان طفله مرة ثانية ونسيان كل هذه المعاناة.
مسؤول حكومي: جهاز الاستخبارات العامة ووزارة الخارجية يعملان على استعادة المرحلين
وفي رد على ما كشفه التحقيق، أكد رئيس ما كان يعرف بمجلس العدالة الاجتماعية (أعلى سلطة قضائية تابعة لقسد)، عطية نعمة، أن "المجلس لم تكن لديه صلاحيات الاطلاع على هذه الملفات"، وتابع في إفادته لـ"العربي الجديد": "هذا ملف عسكري واستخباري ومن صلاحيات قيادات أخرى".