أزمة غرف العناية الفائقة... أطفال لبنان ضحايا فشل المسؤولين

الصورة
ثمانية أطباء متخصصين في العناية الفائقة للأطفال بلبنان
17 يوليو 2021
+ الخط -

ساعات ثقال من البحث عن مكان في العناية الفائقة مخصص للأطفال، تمر على آباء وأمهات لبنانيين، اتصالات لا تتوقف، محاولات لإيجاد "واسطة" للحفاظ على حياة صغار يتألمون حتى الموت، في ظل احتياج المنظومة الصحية إلى 312 سريرا.

- خسرت الطفلة اللبنانية ميلا "4 سنوات"، حياتها بعدما تدهورت حالتها الصحية وعجزت عائلتها عن إيجاد مستشفى فيه سرير شاغر ومخصص للعناية الفائقة بالأطفال. تقول والدة ميلا، ماريا موسى لـ"العربي الجديد"، "ابنتي كانت تعاني من مرض السرطان في الدم، وبدأت علاجاً كيميائياً في مستشفى مار يوسف (خاص) في منطقة الدورة منذ شهر سبتمبر/أيلول الماضي بعدما كانت تتلقى العلاج في مستشفى الروم (خاص) في بيروت والتي تضرّرت جراء انفجار مرفأ بيروت (وقع في 4 أغسطس/آب 2020)، وعادةً ما يترك العلاج عوارض على ميليا منها الحرارة نظراً لضعف المناعة عندها".

وتضيف ماريا، "في 9 يونيو/حزيران توجهنا بها إلى مستشفى مار يوسف بعدما ارتفعت حرارتها كثيراً، وتبين بعد إجراء الفحوص أنها تعاني من التهاب قوي رغم تأمين وحدات الدم المطلوبة، بيد أن حالتها تدهورت واستدعت نقلها إلى مستشفى فيه غرفة عناية فائقة مخصصة للأطفال باعتبار أن مستشفى مار يوسف لا يوجد فيه هكذا غرف". 

وتتابع ماريا، "بدأنا نجري اتصالات بأكثر من خمسة مستشفيات وكلها رفضت استقبالها، لم نعرف إذا كانت الأسباب مرتبطة بالتكاليف المالية أو غيرها لكن الجواب كان في النهاية بأن لا أسرة شاغرة لديها مثل مستشفى "أوتيل ديو" (خاص)، ومستشفى "رزق" (خاص)، ومستشفى المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت علماً بأننا لم نسأل عن المال أو المكان وكان همّنا إنقاذ حياة ابنتنا"، وفي النهاية و"بعد اتصالات كثيرة وتدخل بعض المعارف تمكنا من إيجاد سرير شاغر في مستشفى الكرنتينا الحكومي، لكن للأسف خطف الموت ميلا قبل نقلها إليه". 

ويقول مصدرٌ إداري في مستشفى مار يوسف فضل عدم الكشف عن اسمه (يحتاج إلى تصريح للحديث مع الإعلام) لـ"العربي الجديد" إنّ المستشفى قام بكلّ شيء لأجل الطفلة ميلا ولكن للأسف لم يكن به غرف للعناية الفائقة للأطفال، وحاولنا تقديم كل العلاجات الممكنة لحين إيجاد مستشفى آخر إلا أنها توفيت قبل نقلها، لافتاً إلى إن السبب وراء عدم تجهيز غرف كهذه يعود إلى انعدام الإمكانات المادية لأجل إنشائها أو استحداثها.

تكررت معاناة ميلا مع الطفلة جوري السيد، "10 أشهر"، والتي توفيت في يوليو/تموز الجاري، إثر مضاعفات صحية أصابتها، بعدما عجزت العائلة عن تأمين الدواء لها بسبب إضراب الصيدليات، ولأن المستشفى الذي قصدوه بجبل لبنان لا تتوفر فيه غرف عناية فائقة للأطفال، وتتشابه معاناة العائلتين المكلومتين، مع ما وقع لحسان طنوس والذي سبق وأن فشل في إيجاد غرفة للعزل (حاضنة تخصص للحالات الخطيرة من الأطفال قبل عمر الشهر)، لابنته إيللا والتي تدهورت صحتها نتيجة خطأ طبي في التشخيص عند نقلها في فبراير/شباط 2015 إلى مستشفى سيدة المعونات (خاص) في جبيل شمال بيروت، وهو ما سيتكرر في حال عدم مواجهة الأزمة التي استفحلت إثر تدهور الأوضاع الصحية في لبنان بحسب ما تؤكد مصادر طبية، لـ"العربي الجديد".

 وزير الصحة يقر بالأزمة 

يقر وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن، بوجود نقص كبير في غرف العناية الفائقة المخصصة للأطفال في مستشفيات لبنان، ولا سيما في العامة منها، وتابع قائلا في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد" :"القطاع الصحي يقوم على القطاع الخاص بشكل أكبر، ونأمل أن نسدَّ العجز خصوصاً بعدما رفعنا من عدد غرف العناية الفائقة إبان أزمة فيروس كورونا وتراجع أعداد الإصابات والحالات التي تستدعي نقلها إلى المستشفى واليوم يمكن الاستفادة منها أكثر في تقديمات طبية مختلفة، منها تحويلها إلى غرف للعناية الفائقة للأطفال". 

ويبلغ عدد أسرة العناية الفائقة للأطفال في المستشفيات الخاصة 48 سريراً، وحوالي 40 في المستشفيات الحكومية، بحسب إفادة مدير العناية الطبية في وزارة الصحة جوزيف حلو لـ"العربي الجديد"، لافتاً إلى أن العدد على صعيد لبنان يجب أن يكون 400 سرير بالحد الأدنى، وأن يكون هناك غرفة أقلّه في كل مستشفى لنقول إن الوضع آمن، مشيراً إلى إن عدد المستشفيات الحكومية 32 والخاصة 127. 

يحتاج لبنان إلى 312 سريرا مخصصا للعناية الفائقة للأطفال

ويوضح الدكتور عماد شكر رئيس دائرة طب الأطفال في مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت، أن غرف العناية الفائقة المخصصة للأطفال تبدأ من الشهر وحتى 18 عاماً، وقبل الشهر هناك ما يسمى بغرف عزل، أو الحاضنة وما يُعرف بـ"الكوفوز" التي ينقل إليها حديثو الولادة أي الخُدّج. ويتابع: "غرفة العناية الفائقة للأطفال تختلف عن تلك المخصصة للراشدين، سواء على صعيد التجهيزات والمعدّات والمستلزمات الطبية من إنعاش وجهاز تنفس وغير ذلك أو حتى الأطباء الذين يجب أن يكونوا من أصحاب الاختصاص فعلاج الأطفال يختلف عن علاج الكبار، وكذلك الأدوية التي توصف تبعاً للأعمار". 

ويضيف رئيس اللقاء الاكاديمي الصحي والهيئة الوطنية الصحية، الدكتور إسماعيل سكرية قائلا لـ"العربي الجديد": "العناية الفائقة للكبار تختلف عنها للأطفال، والاختصاص للكبار يغلب عليه أمراض الرئة، أما الأطفال، فالاختصاص أدق وليس متوقفاً فقط على الجهاز التنفسي، وتتوافر فيه كل الأجهزة التي ترتبط بالدورة الدموية للجهاز التنفسي ربطاً بالأوكسجين وما من شأنه أن يؤدي إلى صدمة ما أو مفاجآت صحية، ويكون لدى الطبيب إلمام كبير بالطب الداخلي". 

تكلفة مرتفعة للعلاج وغلاء المعدات 

بلغت موازنة الصحة العامة، 692 مليار ليرة (حوالي 461 مليون دولار وفق سعر الصرف الرسمي) في عام 2020، أي ما يشكل نسبة 3.79 بالمائة من اجمالي نفقات الموازنة وهي نسبة متدنية، كما يقول الباحث في "الدولية للمعلومات" (شركة دراسات مستقلّة) محمد شمس الدين لـ"العربي الجديد".

وتتوزع نفقات وزارة الصحة على البنود التالية، "445 مليار ليرة (296 مليون دولار وفق سعر الصرف الرسمي)، نفقات الاستشفاء في القطاعين العام والخاص، برامج مشتركة مع اليونيسف 10 مليار ليرة (6.66 مليون دولار تقريباً)، مساهمة للصليب الأحمر 11.4 مليار ليرة (7.6 مليون دولار تقريباً)، و34 مليار رواتب وأجور (حوالي 22.6 مليون دولار)، إضافة إلى برنامج أدوية الامراض المزمنة مع جمعية الشبان المسيحية 6.3 مليار ليرة (نحو 4.2 مليون دولار)، وفق شمس الدين.

وتتسم تكاليف علاج الأطفال المحجوزين في العناية الفائقة بكونها كبيرة جدا، كما يقول الدكتور عماد شكر، ولا قدرة أحياناً وخصوصاً اليوم على خلفية الأزمة المالية للجهات الضامنة العامة والخاصة لتغطية التكاليف، موضحاً أن الأسعار تختلف تبعاً للعملية وكل حالة صحية ولكن بشكل عام في حال دخل المريض بقصد العلاج إلى مستشفى الحريري يصل معدّل اليوم الواحد إلى مليون و500 ألف ليرة لبنانية (قرابة ألف دولار وفق سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة)، أما إذا كان بقصد الرقابة في العناية الفائقة فتكون التكلفة بحدود مليون أو مليون ومئة ألف تقريباً (730 دولارا وفق سعر الصرف الرسمي). 

غرفة العناية الفائقة للأطفال تختلف عن المخصصة للراشدين

ويضيف شكر: "أسعار المعدات والأجهزة والوسائل الطبية مكلفة جداً ومنها ما يستخدم لمرة واحدة وكلها تكون متطورة وحديثة ومستوردة، وبالتالي يجب تأمين الدولار لشرائها في حين أن الدولار مقطوع من السوق اللبناني والمصارف اللبنانية لا تسمح بتحويل الأموال إلى الخارج لتأمين البضاعة، والدولار في السوق السوداء يتخطى الـ 16 ألف ليرة ما يشكل صعوبة في تأمين المطلوب ويرتد حكماً على تكاليف العلاج". 

ويشير شكر إلى أن "النقص كان دائماً موجوداً في غرف العناية الفائقة والأسرّة قبل الأزمة التي يعاني منها لبنان مالياً منذ أواخر عام 2019 وبدء انتشار فيروس كورونا في فبراير/شباط 2020".

وارتفعت كلفة العلاج لكل العمليات والحالات باعتبار أن المريض بات يدفع فروقات أسعار المستلزمات الطبية بعدما توقف العملاء عن تسليمها إلى المستشفيات وفق سعر الصرف الرسمي، مثل أزمة البنج والشحّ الكبير فيه وغسل الكلى وما إلى ذلك، بحسب إفادة نقيب المستشفيات الخاصة سليمان هارون لـ"العربي الجديد".

الصورة
لبنان 2

ونبّهت تحذيرات كثيرة من مخاطر النقص الحادِّ في المستلزمات واللوازم الطبية والأدوية وكذلك على صعيد الخدمات الطبية، وفق إفادة آية مجذوب باحثة في شؤون لبنان والبحرين بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش" والتي تابعت لـ"العربي الجديد"، :"قد يصل الأمر إلى وفاة أشخاص داخل المستشفيات التي ستصبح عاجزة بدورها عن الاستجابة بالشكل المطلوب لتقديم الرعاية الطبية العاجلة للمرضى". 

وما أثر أيضاً على قدرة مستشفيات لبنان، بحسب مجذوب، هو عدم سداد الحكومة مستحقاتها سواء العامة أو الخاصة والتي تتخطى مليار دولار متراكمة منذ أعوامٍ بما فيها أيضاً للصناديق الضامنة وتلك الصحية العسكرية، وهو ما يقوّض إمكاناتها في تأمين الأموال المطلوبة لشراء الأدوية والمستلزمات أو القيام بأعمال الصيانة وشراء قطع الغيار التي ارتفعت أسعارها كثيراً، وكذلك دفع أجور رواتب الموظفين والعاملين في القطاع.

وما يزال على ذمة وزارة الصحة العامة بين أعوام 2012 و2019 حوالي 250 مليار ليرة لبنانية (نحو 166 مليون دولار)، كما يوضح النقيب هارون.

شحّ في الاختصاص وهجرة الأطباء 

ترتبط الأزمة أيضاً بالاختصاص النادر والذي يستلزم حوالي 10 سنوات من دراسة الطب للحصول على الماجستير، ويصل إلى 14 عاما للدكتوراة في التخصص، والأمراض المتعلقة بالأطفال دقيقة ونادرة، كما يقول الدكتور شكر.

ويكشف نقيب الأطباء شرف أبو شرف لـ"العربي الجديد" إنّ عدد الأطباء المتخصصين في العناية الفائقة للأطفال هم في الأساس قلّة فكانوا تقريباً 12 طبيباً وأصبحوا اليوم 8 فقط بفعل هجرة الأطباء التي ارتفعت إلى أكثر من ألف طبيب من جراء الأزمة النقدية والمعيشية التي يعاني منها لبنان وخصوصاً منذ أواخر عام 2019. 

ثمانية أطباء متخصصين في العناية الفائقة للأطفال بلبنان

ومن أسباب الشحّ في التخصّص المذكور، يقول أبو شرف، هناك عوامل كثيرة لعدم تخصص أطباء في العناية الفائقة للأطفال، أهمها مالية نظراً إلى أن التعرفة التي يتقاضونها هزيلة جداً، فعلى سبيل المثال، تعرفة المعاينة في العناية الفائقة كانت تقريباً 35 ألف ليرة لبنانية وارتفعت إلى 50 ألف في المستشفى الحكومي وهي لا تساوي شيئاً اليوم في ظلّ ارتفاع سعر صرف الدولار خصوصاً أنها في المقابل تتطلب مجهوداً مستمراً ومتابعة وحضورا دائما، عدا عن الضغط النفسي الذي يتعرض له وفي مرات كثيرة تشهير إعلامي وتعنيف الطبيب وغياب الحماية القانونية والاجتماعية للطبيب الذي يُحمّل مسؤولية وفاة طفل ويعامل كمريضٍ بينما يكون قد قام بكل ما بوسعه لإنقاذ حياته. 

هذه العوامل كلها دفعت أطباء إلى سلوك طريق الهجرة، وجعلت من هم في لبنان يتردّدون في التخصص بهذا المجال. يقول النقيب أبو شرف، ويتفق معه جوزيف حلو موضحا أن أصل المشكلة مرتبط بالعدد القليل جداً من الأطباء والجهاز التمريضي المتخصص في مجال العناية الفائقة بالأطفال، قائلا: "هذا الأمر أهم من أزمة مالية يمكن حلّها بالحصول على دعمٍ أو مساعدات على سبيل المثال، فكيف يمكن فتح مراكز في ظلّ عدم وجود أطباء متخصصين؟".