أزمة الأوكسجين... أجهزة مزيفة لمرضى كورونا في لبنان

بيروت
ريتا الجمّال
17 يناير 2021
+ الخط -

يوثق "العربي الجديد" استغلال أزمة كوفيد-19 في لبنان، في ظل ارتفاع أعداد المصابين بالفيروس وعجز المشافي عن استقبال جميع الحالات، الأمر الذي خلق سوقاً سوداء لبيع أجهزة الأوكسجين المزيفة بسبب ارتفاع الطلب عليها.

-تحذر سلمى عاصي، رئيسة تجمّع نقابة مستوردي المعدات والأدوات الطبية في لبنان، من بيع أجهزة أوكسجين تزوّد المصاب بالهواء العادي عوضاً عن الأوكسجين، ما يعرض صحته للخطر، وفق قولها، مضيفة أن النقابة حرصت على إصدار لائحة بأسماء الشركات المرخصة البالغ عددها 22 شركة في العاشر من يناير/ كانون الثاني عام 2021.

لكن عجز الشركات المرخصة عن سد النقص الحاصل في الأجهزة التي تنتج الغاز المشبع بالأوكسجين، وعجز المشافي اللبنانية عن استقبال جميع مصابي فيروس كورونا (كوفيد 19)، شجع الشركات غير المرخصة على استغلال حاجة المصابين الذين اضطروا إلى العلاج في منازلهم من خلال شراء أجهزة، أو أسطوانات الأوكسجين التي تعاد تعبئتها لتزود المريض بغاز مشبع بالأوكسجين عبر قناع الوجه، وفق ما وثقته معدة التحقيق التي رصدت 5 إعلانات معروضة على مواقع إلكترونية مخصصة لبيع الأغراض المستعملة، مثل موقع OLX (وهو موقع يعرض فيه المواطنون أغراضهم للبيع).

اتجار بصحة اللبنانيين

نشطت تجارة أجهزة الأوكسجين في لبنان مع تفاقم الكارثة الصحية التي خلّفها فيروس كورونا، إذ تم تسجيل 6154 إصابة جديدة في يوم 14 يناير الجاري، ما دفع السلطات اللبنانية حينها إلى إعلان حالة الطوارئ الصحية وفرض حظر التجول حتى 25 يناير الجاري، وفق الدكتور جوزيف الحلو، مدير العناية الطبية في وزارة الصحة العامة.

وانتشرت أرقام هاتفية لأشخاص يبيعون أجهزة أوكسجين تتراوح أسعار بعضها بين 300 و400 دولار أميركي، كما أعلنت شركات عن توفر الجهاز لديها، وعند تواصل معدة التحقيق مع رقمين، وجدت أنهما يعودان لشركة في بلدة ريفون بقضاء كسروان التابع لمحافظة جبل لبنان تحمل اسم oxygene rezzi.

ولدى تواصلها مع مالك الشركة، أشار إلى أن شركته تبيع أسطوانة الأوكسجين بـ 350 دولاراً للمنازل، وجهاز الأوكسجين بـ 1200 دولار، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أنه شركته المرخصة باعت في يوم 10 يناير/ كانون الثاني الجاري 500 أسطوانة أوكسجين. وبالعودة إلى لائحة الشركات المرخصة التي تبيع أجهزة الأوكسجين، تبين أن اسم شركته ليس مدرجاً فيها، وهو ما تؤيده عاصي، التي أكدت لـ"العربي الجديد" أن اسم شركة oxygene rezzi غير مدرج على لائحة النقابة.

ويحذر الحلو من مخاطر استخدام أجهزة أوكسجين تباع من قبل شركات غير مرخصة، قائلاً لـ"العربي الجديد":"قد تحتوي تلك الأجهزة على هواء عادي بدلاً من الغاز المشبع بالأوكسجين، والاعتماد عليها من قبل مريض بحاجة إلى الأكسجين فعلاً قد يؤدي إلى وفاته"، كاشفاً أن الأجهزة الأمنية تقوم بملاحقة التجار الذين يبيعون هذه الأجهزة، التي غالباً ما تكون مهرَّبة، فضلاً عن مراقبة السوق لمحاسبة المخالفين، لكنه يستدرك: "من الصعب ملاحقتهم، فغالبيتهم باعة متجوّلون، غير تابعين لشركة لها مقرّ ثابت أو اسم شرعي".

وبإمكان وزارة الصحة بناءً على شكاوى مرضى استخدموا هذه الأجهزة، وحصلت لهم مضاعفات، أن تحوّل الشكاوى مباشرة إلى القوى الأمنية، وفق الحلو. لكن رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي كولونيل جوزف مسلم، يؤكد لـ"العربي الجديد" عدم تلقيهم أي شكوى تتعلق بأجهزة أو أسطوانات أوكسجين مزيفة.

وتختلف أجهزة الأوكسجين التي تباع في السوق أو للمنازل عن الأجهزة المستخدمة في المستشفيات، إذ تعتمد المستشفيات على الأوكسجين السائل الذي يأتي إليها عبر خزانات تملؤها إحدى شركتي شهاب وسول المرخصتين لتصنيع وتوليد الأوكسجين، كما يقول حسن دهيني، رئيس دائرة الهندسة الطبية في مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت لـ"العربي الجديد".

ما أسباب نقص أجهزة الأوكسجين؟

يعود النقص في أجهزة الأوكسجين في السوق إلى الطلب العشوائي من قبل المواطنين الذين يشترون هذه الأجهزة أو يقومون باستئجارها استباقياً وعلى سبيل الاحتياط تحسباً لإصابتهم بفيروس كورونا، الأمر الذي يحرم أصحاب الحالات الحرجة من استخدام هذه الأجهزة، وفق عاصي، مؤكدة أن سعر أجهزة الأوكسجين يتراوح ما بين 700 و1400 دولار.

وهو ما يؤكده قاسم شحوري، صاحب شركة Healthline Shop المدرجة على لائحة النقابة، قائلاً لـ"العربي الجديد": "الطلب مرتفع جداً على أجهزة الأوكسجين، لأن هناك من يشتري الأجهزة من باب الاحتياط". ويلفت إلى أنّ شركته تعاني من انقطاع في الأجهزة جراء ارتفاع الطلب، إضافة إلى القيود المصرفية الموضوعة على الودائع، وصعوبة تحويل الأموال إلى الشركات الأجنبية للحصول على الأجهزة، الأمر الذي يؤخر استلام الطلبية لأيام وأحياناً إلى أكثر من أسبوع، علماً أنهم باتوا يشترون الدولارات من السوق السوداء، ما يحتم عليهم أيضاً رفع سعرها عند البيع، ولا سيما أن أسعار الشحن ارتفعت أيضاً وبالدولار، قائلاً: "مثلاً، إذا أردت شراء أجهزة من الصين عبر الشحن، يجب دفع 3 آلاف دولار نظير 12 آلة، بغض النظر عن تكلفتها من دون احتساب الشحن، ليصبح سعر الجهاز لوحده عند البيع حوالي ألف دولار"، كما يقول شحوري، الذي أضاف أن الأجهزة تستورد عادة من الصين وأميركا، وأحياناً من فرنسا.

وقال إن أكثر أجهزة الأوكسجين يتم استيرادها من شركة فيليبس الأميركية بسعر يتراوح بين 850 و900 دولار للجهاز الواحد، وهناك ماركات أميركية لكن مصنعة في الصين يمكن بيعها بـ 650 دولاراً، كما يقول. لكن نتيجة لأزمة كورونا وقلق الناس، اجتاحت السوق أجهزة من مختلف الدول، وخاصة من الصين، والتي يتم شراؤها من قبل المواطنين على سبيل الاحتياط، وفق تأكيد دهيني، قائلاً لـ"العربي الجديد": "يفترض أن تدقق الدولة وتراقب الأجهزة التي تُشحَن إلى لبنان".

وعلى الشخص الذي يستخدم جهاز الأوكسجين أو أسطوانة الأوكسجين في المنزل أن يعرف من متخصص كم من الأوكسجين السائل يحتاج في الدقيقة الواحدة، وفق دهيني الذي يحذر من الاستخدام الخاطئ، ناصحاً باستشارة طبيب أو تلقي مساعدة من ممرض، إذ لا يمكن لشخص من دون أي خلفية طبية أن يعرف كيفية استخدام الجهاز، ولا سيما إذا كانت حالة المريض حرجة ودقيقة.

ويستخدم الطبيب أو الطاقم التمريضي أجهزة الأوكسجين في المشافي، بعد تحديد كمية الأوكسجين التي يحتاجها المريض، تبعاً لحالته وأداء رئتيه ونسبة الأوكسجين في الدم، كما يتم احتساب الوقت لتزويد المريض بالأوكسجين في الموعد المناسب، حسب دهيني، مشدداً على أن الرقابة ضرورية ومطلوبة لحماية المريض وجسمه، أما عشوائية الاستخدام فتخلف أضراراً جسدية مثل وفاة المريض، وفي أحيان أخرى تكون مادية، كاحتراق الجهاز عند الاستخدام الخاطئ.

ازدياد حاجة المشافي للأوكسجين

تعاني المستشفيات اللبنانية، وخاصة في بيروت وجبل لبنان، من عدم القدرة على استيعاب المرضى في غرف العناية المركزة، بحسب الدكتور الحلو، واصفاً الوضع بـ"الكارثي جداً"، ما دفعهم إلى نقل مرضى من مستشفيات بيروت وجبل لبنان إلى مستشفيات في الجنوب وبعلبك، وهي مناطق يتطلب الوصول إليها أكثر من ساعتين بالسيارة، وفق قوله، لكنه يشير إلى سعيهم في زيادة عدد الأسرّة لمرضى كورونا في عددٍ من المستشفيات، فضلاً عن تجهيز مستشفيات لتصبح قادرة على استقبال المرضى خلال الأيام المقبلة، مؤكداً وجود 681 حالة في العناية المركزة و213 حالة خاضعة للتنفس الصناعي حتى 15 يناير/ كانون الثاني الجاري.
ويؤكد مستشار وزير الصحة رضا الموسوي لـ"العربي الجديد" تجهيز مراكز جديدة وأقسام في المستشفيات مع ارتفاع أرقام المصابين يومياً، مشيراً إلى وجود 700 سرير عناية مركزة مخصصة لمرضى كورونا حتى الآن.

وهو ما يؤيده دهيني، الذي أكد أن مستشفى رفيق الحريري الجامعي بدأ بتركيب مولدات أوكسجين، مشيراً إلى أن المستشفى كان يحصل قبل كورونا على 15 ألف لتر من الأوكسجين السائل من شركة SOAL شهرياً، وزادت الكمية مع بدء كورونا إلى 20 ثم 30 ألف لتر، قبل أن تصل الحاجة إلى 100 ألف لتر شهرياً، وكلما زاد عدد المرضى والحالات الحرجة تزيد الحاجة للأوكسجين، وفق قوله.

الصورة
leb2

وتصل حاجة المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية (مستشفى رزق) للأوكسجين إلى 15 ألف لتر أسبوعياً، وفق الدكتور جورج غانم، رئيس قسم القلب في المركز، والذي أكد أن ارتفاع إصابات كورونا يحتّم على المستشفى أن تضع بروتوكولات معيّنة أو تتخذ تدابير على صعيد استقبال المصابين، حتى لا يتم رفض البعض، موضحاً لـ"العربي الجديد" بالقول: "هناك عوامل نعتمد عليها مثل العمر، والوضع الصحي للمصاب".
ومن بين المصابين الذين رفضهم مستشفى رزق الخاص في بيروت والدة اللبنانية ماري خوري التي أصيبت بفيروس كورونا واحتاجت لجهاز أوكسجين، كما تقول لـ"العربي الجديد"، مضيفة أن مستشفى الروم الخاص ومستشفى جبل لبنان رفضا استقبال والدتها أيضاً لعدم وجود أسرّة شاغرة فيها، ما اضطرها إلى اللجوء إلى قريب لها تمكن من تأمين جهاز أوكسجين مجاني، نتيجة لعدم قدرتها على شراء أو استئجار جهاز.

حلول منتظرة

تؤكد سلمى عاصي، رئيسة تجمّع نقابة مستوردي المعدات والأدوات الطبية، وجود محاولات لضبط التفلّت الحاصل في الحصول على أجهزة الأوكسجين، من خلال وضع شروط لشراء الأجهزة مثل إبراز تقرير طبي أو إفادة من طبيب أنّ المريض يعاني فعلاً من ضيق أو مشاكل في التنفس وحالته تستوجب جهاز أوكسجين، مشيرة إلى أن السوق الحرّة التي يتحكّم بها التجار يصعب ضبطها تماماً، كتفلت سعر صرف الدولار في السوق السوداء، لكنها تبدو متفائلة بوصول كميات جديدة من أجهزة الأوكسجين إلى لبنان، وهي أجهزة مُصنّعة خصيصاً للمنازل الأكثر طلباً اليوم، إذ سيصل 500 جهاز للشركات المرخصة التي طلبت ذلك، بحسب قولها، مضيفة أنه يتم التحضير مع وزارة الصحة للائحة لتسريع وصول تلك الأجهزة. وأوضحت: "قد ترتفع أسعار أجهزة الأوكسجين التي سيتم طلبها كدفعة جديدة، نظراً لارتفاع قيمة الشحن عالمياً وزيادة الطلب عليها، وتبعاً للبلد الذي تستورد منه تلك الأجهزة".

ذات صلة

الصورة
أسامة جحا وديما الداهوك في كندا 2 (مصطفى عاصي)

مجتمع

في كندا، استعادت عائلة أسامة جحا وديما الداهوك حياتها بعدما تركت الوطن السوري. على الرغم من أزمة كورونا التي تطاول الجميع، يتعايش الثنائي مع إعاقتَيهما وإعاقة أحد ولدَيهما ويمضيان إلى الأمام
الصورة
فرج دهام- العربي الجديد

منوعات وميديا

استولى مفهوم "الخوف السائل" الذي نحته الفيلسوف زيغمونت باومان على المعرض الأخير للفنان التشكيلي القطري فرج دهام، المقام في غاليري المرخية بمقر الفنانين (مطافئ) حتى 25 من مارس/ آذار المقبل.
الصورة
دينا دبوق- العربي الجديد

مجتمع

دينا دبوق، طالبة جامعية، من مدينة صور، جنوبي لبنان، أصيبت بفيروس كورونا الجديد قبل فترة، ثم تمكنت من الشفاء منه. مع ذلك، تؤكد أنّها تجربة قاسية جداً، في مختلف تفاصيلها، علماً أنّ آلامها استمرت رغم الشفاء
الصورة
مطاعم العرب في إسطنبول تدفع ثمن كورونا

اقتصاد

تكابد المطاعم العربية في تركيا عموماً وفي إسطنبول، بسبب تداعيات التدابير التي تفرضها السلطات في سبيل مكافحة انتشار وباء كورونا، الذي ألحق أضراراً بغالبية المصالح والقطاعات في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك القيود المتشددة على حركة السياحة والسفر.