مملكة الأزمات الاقتصادية...

حين أصبح نفط السعودية نقمتها

السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم، وثالت أكبر منتج للخام بعد الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، ورغم ثروتها الطبيعية الضخمة، تغوص المملكة العربية السعودية في مستنقع من الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، يزيد اتساعاً مع هبوط أسعار النفط، وارتفاع الخسائر الناتجة عن انتشار جائحة كورونا وتوقف أنشطة اقتصادية حيوية مثل العمرة والحج...

الأزمة المتعاظمة، ليست كلها صنيعة الجائحة، إذ إنّ جزءاً كبيراً منها يعود إلى إخفاقات ملحوظة في تنفيذ الخطط الاقتصادية الاستراتيجية، خاصة في عملية الاستفادة من الثروة النفطية الهائلة لبناء اقتصاد منتج ورقمي يحاكي مسار اقتصادات المستقبل التي تتخذ الثروة البشرية ركيزة بدلاً من المصادر الملوثة للبيئة.
وعدل الصندوق توقعاته للأفضل بالنسبة للسعودية، اذ توقع انكماش اقتصاد المملكة 5.4 بالمئة هذا العام، مقابل توقعات بـ 6.8 في المئة في يونيو، ما سيكون أعمق انكماش منذ أكثر من 30 عاماً، فيما انكمش اقتصاد المملكة العربية السعودية بنسبة 7% في الربع الثاني من العام الحالي مقارنة مع الفترة ذاتها من 2019.

وأسباب هذا الهبوط متعددة الأقطاب. القطاع النفطي تراجع بنسبة 5.3% على أساس سنوي، بينما تراجع القطاع غير النفطي بنسبة 8.2%، بحسب البيانات الصادرة عن هيئة الإحصاء السعودية. القطاع الخاص غير النفطي، محرك خلق فرص العمل، تقلص بنسبة تزيد عن 10%.
في حين يتوقع الاقتصاديون أنّ انتعاش النشاط الاستهلاكي بعد انتهاء الإغلاق من المرجح أن يكون قصير الأجل بسبب تدابير التقشف ومضاعفة ضغوط ضريبة القيمة المضافة على ميزانيات الأسر.

مغامرات نفطية بلا جدوى


غالبية إيرادات السعودية تقوم على تصدير النفط، ما يربط الاقتصاد والناس ورفاهيتهم بسوق واحدة تحوي على وحوش اقتصادية كبرى، مثل روسيا وأميركا، ومصالح سياسية واقتصادية تتحكم بالطلب، ومضاربين يؤثرون على مسار الأسعار، وعلى الصدمات التي تتلاحق على العالم، ولن يكون كورونا آخرها...

أزمة أرامكو تتصاعد في سوق النفط (تصميم: رولا حلبي)
فقد هبط سعر النفط منذ نهاية 2014، من فوق 110 دولارات للبرميل إلى نحو 41 دولاراً حالياً، رغم المحاولات المتكررة لدفع الأسعار للصعود بخفض الإنتاج في أكثر من مناسبة بالاتفاق مع الدول المنتجة الكبرى مثل روسيا.

وفي الأسبوع الثاني من سبتمبر/ أيلول هوت صادرات النفط السعودي إلى أدنى مستوى في 18 عاماً، بسبب الضربة التي تعرضت لها أسواق الطاقة عالمياً بفعل انهيار الأسعار في ظل جائحة فيروس كورونا.

فيما خفضت السعودية  صادراتها النفطية بنسبة 45.5%، لتبلغ 4.66 ملايين برميل يوميا خلال أول ثلاثة أشهر منذ بدء تطبيق اتفاق خفض الإنتاج في مايو/أيار الماضي، مقارنة بصادراتها في إبريل/ نيسان البالغة 10.24 ملايين برميل يومياً، التي وصفتها بالأعلى تاريخياً.

وخاض ولي عهد المملكة محمد بن سلمان مغامرات نفطية انتهت بتعميق أزمات بلاده، إذ لم تفلح خطط وإجراءات السعودية لإقصاء منافسين كبار في سوق النفط. ففي ذروة جائحة كورونا، خلال مارس/ آذار وإبريل/نيسان الماضيين، شنت الرياض حرب أسعار على منتجين من خارج منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" على رأسهم روسيا المنافس الرئيسي للمملكة في سوق الطاقة العالمي.

وهدفت الحرب إلى الدفع بموسكو لاتفاق على تخفيضات في الإنتاج لإعادة التوازن إلى أسواق الطاقة، التي تراجع الطلب فيها بأكثر من 15%، الأمر الذي ألحق ضرراً بالغا في اقتصاديات المنتجين. لكن، وبإجماع تقارير وأرقام محلية ودولية، بما في ذلك تقارير وزارات المالية في دول الخليج نفسها، تظهر أن السعودية وحلفاءها، وباقي دول مجلس التعاون الخليجي وحتى منتجي الزيت الصخري في الولايات المتحدة الأميركية، كانوا الأكثر تضررا من هذه الحرب.

في إبريل/ نيسان، هبط خام برنت القياسي إلى أدنى مستوى في 21 عاماً، عندما بلغ أقل من 16 دولارا للبرميل، فيما انحدرت عقود خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى ما دون الصفر لأول مرة في التاريخ.

العجز يتسع... والحل بالاستدانة

السعودية بين العجز والاستدانة. (تصميم: أنس عوض)
تستأثر السعودية وحدها بنحو 55% من إجمالي العجز في دول الخليج، وفق تقرير صادر مؤخراً عن وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتماني العالمية، التي توقعت ارتفاع العجز التراكمي إلى نحو 500 مليار دولار بحلول عام 2023.

وبلغ العجز في ميزانية المملكة في الربع الثاني من العام الحالي 29.12 مليار دولار، مرتفعاً من حوالي 9 مليارات دولار في الربع الأول، وفقاً لبيانات وزارة المالية.

وحتى نهاية يونيو/ حزيران، ارتفع الدين العام التراكمي للمملكة إلى حوالي 218.6 مليار دولار، من 180.8 مليار دولار في نهاية 2019.

وكانت السعودية، تقاسمت مع مصر لقب البلد الأطول في سنوات الاقتراض، بعد أن طرحت سندات دولية في إبريل/ نيسان الماضي يصل أجلها إلى 40 عاماً، وهي نفس المدة التي جعلت مصر حتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 صاحب لقب البلد الأول عربياً في مدة الاقتراض على الإطلاق.

الدين الخارجي السعودي من صفر إلى المليارات. (تصميم: تامر حسن)

وجمعت المملكة 44.56 مليار ريال (12 مليار دولار) من سندات دين في الأسواق الدولية، و41.12 مليار ريال (11 مليار دولار) من السوق المحلية، إضافة الى سحب 48.67 مليار ريال (حوالي 13 مليار دولار) من الاحتياطيات.

وفي وقت سابق هذا العام، توقع وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن يصل حجم الاقتراض في 2020 إلى حوالي 69 مليار دولار.

وسيتم اقتراض 220 مليار ريال (58.7 مليار دولار) بزيادة 100 مليار ريال (26.7 مليار دولار) عما كان مخططاً له قبل كورونا، بحسب وسائل إعلام حكومية.

مؤسسات مأزومة وبيع الأصول


تتجه السعودية إلى الخصخصة حيث تعمل على تسريع خطط بيع أصول الدولة، فيما تركز شركاتها الكبرى على الاقتراض للخروج من أزماتها.

ومن أبرز القطاعات والأنشطة التي تخطط الحكومة لخصخصتها دور الرعاية الصحية من مستشفيات وصيدليات والمدارس وشركات تحلية المياه المالحة وإنتاج الكهرباء ومطاحن الدقيق ونحو 27 مطارا.

‍وفي ديسمبر/ كانون الأول، باعت الحكومة حصة 29 مليار دولار في عملاق الطاقة "أرامكو" السعودية من خلال أكبر طرح عام أولي في التاريخ.

‍ كما باعت أخيراً حصة في مطاحن حبوب مقابل 740 مليون دولار.وأعلنت شركة كهرباء السعودية، المملوكة من الحكومة بنسبة 81.22%، اقتراض 1.3 مليار دولار من خلال صكوك تم طرحها في السوق الدولية.

وشركة الاتصالات السعودية تسعى لطرح عام أولي لبيع حوالي 20% من ذراعها لتطوير المنتجات والخدمات "إس.تي.سي سلوشنز"  وحددت سلسلة "بن داود" القابضة لمتاجر التجزئة طرحا أولياً لجمع نحو 2.19 مليار ريال (585 مليون دولار) عبر إدراج ببورصة الرياض.

كما عينت الشركة السعودية للصناعات الأساسية "سابك"، رابع أكبر شركة بتروكيماويات في العالم، بنوكاً لترتيب إصدار سندات مقومة بالدولار الأميركي.وكشف صندوق الاستثمارات العامة السعودي (الصندوق السيادي) عن بيع حصصه في شركات عالمية كبرى أغلبها أميركية، وتقليص مساهماته في كيانات أخرى.

الصندوق السيادي السعودي يتخلى عن استثماراته. (تصميم: رولا حلبي)
وأشار الصندوق إلى أنه سدد قرضاً بقيمة 10 مليارات دولار كان قد جمعه العام الماضي 2019، لافتا إلى دراسة خيارات استثماراته الحالية والمستقبلية الخارجية.

وقال وزير المالية محمد الجدعان، إنّ أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم يمكن أن تجمع أكثر من 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار) على مدى السنوات الأربع إلى الخمس المقبلة، من خلال خصخصة الأصول في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والمياه.

الاحتياطي النقدي يتآكل


بحسب بيان صادر عن وزير المالية محمد الجدعان، في يونيو/ حزيران الماضي، حولت المملكة ما إجماليه 40 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي لتمويل استثمارات لصندوق الاستثمارات العامة، في مارس/ آذار وإبريل/ نيسان، من دون ذكر مزيد من التفاصيل عن التحويلات التي قال إنها جرت "بشكل استثنائي".

وحسب مؤسسة النقد العربي، فقد تراجع إجمالي الموجودات لدى مؤسسة النقد العربي السعودي،  إلى 1.83 تريليون ريال في أغسطس/ آب الماضي، مقابل 1.94 تريليون ريال في نفس الشهر من العام الماضي، فاقداً 105 مليارات ريال (28 مليار دولار) على أساس سنوي.

وتراجع الاحتياطي العام للمملكة العربية السعودية بنسبة حادة على أساس سنوي خلال أغسطس/ آب الماضي، مواصلاً سلسلة الهبوط المستمرة منذ نحو خمس سنوات، بسبب تهاوي أسعار النفط الخام في السوق العالمية منذ ذلك الحين، بينما جاءت جائحة فيروس كورونا لتقلص الآمال في تعافي عائدات الخام.

ووفق البيانات التاريخية، التي رصدها "العربي الجديد" فإنّ الاحتياطي العام هوى بنسبة 56% منذ نهاية عام 2015 إذ بلغ 952.2 مليار ريال حينذاك.

بنوك تتراجع أرباحها وتجارة تتناقص


الأزمة تطاول غالبية القطاعات الاقتصادية في المملكة، حيث هبطت أرباح البنوك السعودية المدرجة في البورصة المحلية، خلال النصف الأول من العام الجاري، بنسبة 40.9%، إلى 13.15 مليار ريال (3.51 مليارات دولار).

وسبق للبنوك المدرجة في البورصة (11 بنكاً) تسجيل صافي أرباح بلغ 22.24 مليار ريال (5.93 مليارات دولار) في الفترة المناظرة من 2019. ويضم القطاع المصرفي السعودي 11 بنكاً محلياً مدرجاً في البورصة، وفروعاً لـ15 بنكاً أجنبياً.

وأيضاً هبط فائض ميزان تجارة السعودية الخارجية (النفطية وغير النفطية) بنسبة 65.1% على أساس سنوي حتى يوليو/ تموز 2020. وبلغ فائض الميزان التجاري 23.25 مليار دولار، خلال أول 7 أشهر من العام الجاري.

وكان فائض الميزان التجاري للسعودية قد بلغ خلال الفترة المناظرة من 2019، نحو 66.65 مليار دولار. وانخفضت قيمة الصادرات السلعية (النفطية وغير النفطية)، بنسبة 37.4%، إلى 97.63 مليار دولار، كذلك هبطت الواردات 16.7%، إلى 74.37 مليار دولار.

كان الفائض التجاري السلعي (النفطي وغير النفطي) للسعودية قد هبط بنسبة 25.7% خلال عام 2019 إلى 117.2 مليار دولار، مقابل 157.8 مليار دولار في 2018.

ضرائب وتضخم في مسار الصعود

أين رفاهية مواطني الدولة النفطية العملاقة؟ (تصميم: تامر حسن)
كل هذه الأزمات تطاول مباشرة حياة السعوديين ورفاهيتهم. وأخلف محمد بن سلمان بوعده للشعب السعودي. بعدما خرج في عام 2018 ليقول إن حكومته لن تفرض ضرائب على السعوديين حتى عام 2030، ولم تكد تمر سنتان على حديثه حتى ارتفعت الضريبة على القيمة المضافة إلى 15% من 5%، وزادت أسعار كل شيء، حتى حليب الأطفال صار مشمولاً بالضريبة.

وقفز مؤشر أسعار المستهلكين في السعودية إلى 6.2%، في أغسطس/ آب، مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي، وهي ثاني زيادة على التوالي بعد رفع ضريبة القيمة المضافة لثلاثة أمثالها. وبلغ معدل التضخم في يوليو/تموز 6.1%، ليقفز من 0.5% فحسب في يونيو/ حزيران، قبل سريان زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 15% من 5% في أول يوليو/ تموز.

وقررت الهيئة العامة للجمارك زيادة الرسوم الجمركية على 3 آلاف سلعة في الأسواق المحلية، الأمر الذي أثار المخاوف بشأن ارتفاع أسعار السلع بصورة غير مسبوقة، خصوصاً في ظل موجة الغلاء التي صاحبت أزمة تفشي كورونا وغلق الأنشطة الاقتصادية وضعف الاستيراد.

وقالت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية، في تقرير حديث، إنّ زيادة الرسوم الجمركية وزيادة ضريبة القيمة المضافة إلى ثلاثة أمثالها، سترفعان الأسعار خلال الفترة التي يواجه فيها كثير من السعوديين فقدان الوظائف أو تخفيض الرواتب وموجة غلاء غير مسبوقة.

الأزمة توسع البطالة في السعودية. (تصميم: رولا حلبي)
وفيما دفعت هذه الأزمات المزيد من السعوديين إلى خانة الفقر البالغة نحو 25%، وفق تقديرات غير رسمية، أظهرت إحصاءات العمل أن معدل بطالة المواطنين ارتفع إلى 15.4% خلال الفترة من إبريل/نيسان إلى يونيو 2020 ، وهو أعلى مستوى مسجل في البيانات التي تعود إلى عقدين من الزمن. وذلك على الرغم من برنامج التحفيز الحكومي الذي غطى 60% من رواتب العديد من العمال السعوديين.

إذا استمر الارتفاع في معدلات البطالة، فسوف يمثل انتكاسة كبيرة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي تستند خطته للتحول الاقتصادي إلى خلق وظائف كافية في القطاع الخاص لشباب المملكة وخفض نسبة البطالة إلى 7% حسب رؤية 2030.

وشكل السعوديون الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و 29 عامًا 63.1% من المواطنين العاطلين عن العمل في الربع الثاني. وقالت وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيفات الائتمانية، في بيان، الأسبوع الماضي، إنّ التضخم الديموغرافي للشباب يتطلب حوالي 150 ألف وظيفة جديدة سنويًا، وهو رقم "كبير جدًا بحيث لا يمكن دعمه من خلال التوظيف في القطاع العام وعائدات البترول وحدها".

ويأتي ارتفاع معدل البطالة بين السعوديين، رغم مغادرة نحو 467 ألف عامل سوق العمل منذ بداية العام الجاري، بناءً على أحدث بيانات التأمين الصحي، وفق تقرير لشركة جدوى للاستثمار صادر في يوليو/ تموز الماضي.