تحقيقات العربي الجديد

شبكة الطرق الإسرائيلية...

العمود الفقري لمخطط ابتلاع الضفة الغربية

يكشف التحقيق كيف تعمل دولة الاحتلال بتناغم مع مستوطنيها على هندسة عملية ضم الضفة الغربية، عبر شبكة طرق تتكامل مع البؤر الاستيطانية، فتسبقها في بعض الحالات، وتُشق لخدمتها بعد إقامتها في أحيان أخرى.

استيقظت عائلة المواطن الفلسطيني محمد عبد الرحمن جبارين فزعة على أعمال تجريف لشق طريق استيطاني يبعد 130 متراً فقط عن منزلهم في خربة أم ظريط بمسافر يطا جنوب الخليل، ومنذ ذاك اليوم، غاب الهدوء عن صباحات العائلة، فما إن يفتح أحدهم الباب حتى يصطدم بمليشيات المستوطنين ومواشيهم تسرح وتمرح في الجوار، وبعد قليل يفلتها أصحابها لتقتحم ساحة البيت أمام أنظار ملاكها، ويضربون ويشتمون الأهالي بمجرد السعي إلى إبعاد البهائم عن ممتلكاتهم.

صورة من منزل محمد جبارين للطريق الاستيطاني والبؤر القريبة

ومن ثم بات المستوطنون يتحركون بأمان تام وحرية مطلقة عقب شق دربهم، على عكس أصحاب الأرض الذين يفتقرون إلى أدنى مقومات السلامة والطمأنينة، إذ حُرموا الوصول إلى أراضيهم الزراعية للعناية بها، ليس هذا فحسب، يضيف جبارين أن قرب الطريق من منزله سهل وصول المستوطنين المقيمين في البؤر الرعوية بالمركبات والجرارات الزراعية إلى محيط الدار، وكثّف حضورهم اليومي حولها، فأمسى مجرد تجاوز عتبة المنزل مخاطرة غير معلومة العواقب.

والهدف تهجير العائلة بعد إجبارها على ترك أرضها، إذ عرض عليه المستوطنون الرحيل إلى الأردن أو سورية، بل وحتى توفير مركبات مجانية تنقل مقتنياته إلى خارج الضفة الغربية عبر جسر الملك حسين (معبر الكرامة)، وبكل صفاقة، قال لهم أحدهم: "أنت بس اطلع من هون وما ترجع على فلسطين".

شهادة محمد جبارين عن أثر الطريق الاستيطاني في مسافر يطا العربي الجديد

لكن مع ثبات العائلة، تصاعدت حدة الخسائر، وأكثرها ألماً حرمانهم من الوصول إلى أكثر من 100 دونم كانوا يزرعونها منذ أجيال باللوزيات والكروم والقمح والشعير، فضلاً عن حرق سيارة العائلة، وتلويث خزانات المياه، وإتلاف الأشجار والمزروعات، وتهديد الكبار والصغار بالسلاح، إلى جانب تحطيم مضخات وعدادات مياه، بعد الاستيلاء على أربعة آبار تملكها العائلة، فلم تعد قادرة على الوصول إليها أو الانتفاع بما فيها.

وما جرى في خربة أم ظريط ليس سوى نموذجاً لنمط استيطاني قوام تمدده الطرق الالتفافية والأمنية كما يكشف تحقيق "العربي الجديد"، عبر تتبع عينة توثيقية تضم 46 درباً ومساراً صهيونياً في الضفة الغربية، جرى شقها أو توسعتها منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية يونيو/حزيران 2026، بمشاركة المستوطنين وسلطات دولة الاحتلال بما أسفر عن تقطيع أوصال الجغرافية الفلسطينية ومصادرة الأراضي وتعقيد حياة السكان.

كما يتبين عبر خمس حالات أخضعتها المصادر للدراسة المعمقة وفق توزيعها الجغرافي وتنوع التجمعات المتضررة، من خلال توثيق مساراتها وآثارها على محيطها عبر صور الأقمار الاصطناعية والشهادات الميدانية والوثائق الرسمية، أن دولة الاحتلال تعمل ضمن آلية منظمة تستغل الطرق لفرض السيطرة المطلقة على الأرض، من خلال ربط البؤر بالمستوطنات، وعزل السكان الأصليين عن أرضهم ومصادر رزقهم، وفتح مسارات للاعتداءات اليومية وصولاً إلى التهجير وتقويض شروط بقاء من لم يرحل، "وهو طريق باتجاه واحد نهايته ضم الضفة الغربية بعد عزل التجمعات الفلسطينية بعضها عن بعض وحصارها بدروب المستوطنين، لا سيما في المنطقة "ج" التي يتم تنفيذ المخطط سريعاً في محيطها الطبيعي تمهيداً لقضمها والاستيلاء الكامل عليها"، كما يرى منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان جمال جمعة.

جمال جمعة - منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان العربي الجديد
فصل 02

على أبواب البيوت

في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بدأ المستوطنون في شق الطريق الذي دمر حياة أهالي مسافر يطا، وهي مجموعة من 28 قرية وخربة فلسطينية بما فيها أم ظريط وتقع في محافظة الخليل، واستمر العمل حتى فبراير/شباط 2024، ليمتد الطريق من بؤرة أفيجال الاستيطانية باتجاه متسبي يائير، وصولاً إلى محيط قرية سوسيا الفلسطينية، مروراً بالتجمعات الفلسطينية في منطقتي سمري والتوامين، قاطعاً أراضيها، ليكابد الأهالي يومياً عنف المستوطنين، بحسب إفادة رئيس مجلس مسافر يطا نضال أبو يونس، موضحاً أن العمل تم من دون أوامر عسكرية أو قرارات معلنة بوضع اليد، بالرغم من ذلك تم في حماية جيش الاحتلال.

المنطقة قبل شق الطريق عام 2023 المنطقة بعد شق الطريق عام 2026 قبل · 2023 بعد · 2026
صورة أقمار صناعية توضح الطريق الذي شقه المستوطنون ووسعوه بين التجمعات الفلسطينية في مسافر يطا (خلال 2023 لغاية يوليو 2026)
الفاصل الزمني “تايم لابس" لتوسعة الطريق الاستطاني مسافر يطا (2023 | 2026)

وعندما تتم السيطرة رسمياً على أرض جديدة لشق طريق يفترض وفق الإجراءات التي تعتمدها سلطات الاحتلال أن يصدر أمر عسكري معلن، وأن يبلغ به أصحاب الأرض بما يتيح لهم الاعتراض عليه، حتى لو بقي الاعتراض إجراءً شكلياً لا يوقف التنفيذ ولا يؤخذ به فعلياً، فيما توثق المجالس المحلية وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الحكومية الفلسطينية القرارات لأغراض المتابعة القانونية، وفي الحالة المذكورة، أكد المجلس المحلي المعني بالأمر والهيئة أنهما لم يتلقيا أو يوثقا أي قرار يتعلق بالطريق، بينما وجود جيش الاحتلال أثناء شق الطريق لا يعني بالضرورة صدور أمر، إذ يوجد عادة لحماية المستوطنين بحسب توضيح المستشار القانوني في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان محمد الأطرش لـ"العربي الجديد"، مستنداً إلى الحالات التي تابعها، ومشيراً إلى أن الموجودين بزي عسكري أثناء تنفيذ أعمال استيطانية مماثلة، هم عادة مستوطنون مجندون أو حراس أمن للمستوطنات. كذلك فإن كون الطريق ترابيّاً وغير معبد يعد مؤشراً إضافياً على تكامل الأدوار بين الجيش وعصابات المستوطنين، إذ كانت الطرق المرتبطة بأوامر عسكرية في العينة التي عمل عليها التحقيق معبدة رسمياً منذ بدء العمل عليها.

نضال أبو يونس - رئيس مجلس مسافر يطا العربي الجديد

إضافة إلى ما سلف، هدم المستوطنون منازل و"بركسات" (بيوت جاهزة) للسكان الفلسطينيين، وأقاموا بؤراً رعوية جديدة على امتداد الطريق، وصاروا يستخدمونه للوصول سريعاً إلى تجمعاتهم واستدعاء المزيد منهم من البؤر المجاورة، وبمروره عبر الأراضي وقطعه طرقاً قائمة كانت تخدم التجمعات الفلسطينية، عزل الدرب مباشرة ما بين 2000 و2200 دونم من الأراضي الزراعية والمراعي، منها نحو 800 دونم كانت تزرع بالمحاصيل، و400 دونم مزروعة بالزيتون، ونحو ألف دونم من المراعي، بحسب تقديرات مجلس مسافر يطا، الذي لفت إلى تحوله إلى تبعات المسار الذي تستخدمه مركبات المستوطنين للتنقل بين البؤر، ما حرم أصحاب الأراضي من الوصول إليها لفلاحتها وقطف الزيتون والرعي فيها خشية الاعتداءات، ويقول جبارين إن المستوطنين سيطروا على طريقين كان سكان كل من خربة شعب البطم والقواويص وأم ظريط يعتمدون عليهما، ما قيد حركة نحو 250 عائلة واضطر أفرادها إلى العبور في مجموعات.

مزرعة في مسافر يطا عام 2020، قبل شق الطريق، يُمنع أصحابها اليوم من الوصول إليها

هكذا يؤكد أبو يونس أن الخسائر المباشرة الناجمة عن اعتداءات المستوطنين في مسافر يطا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بما فيها المرتبطة بالطريق وما ترتب عنه من عزل أراضٍ والسيطرة عليها وتسهيل الاعتداءات انطلاقاً منه، تجاوزت 12 مليون شيكل (نحو أربعة ملايين دولار)، من دون احتساب الخسائر غير المباشرة في قطاع الثروة الحيوانية.

خسائر الأراضي والمحاصيل في خمس قرى بمسافر يطا

بالتالي، تتحول آثار الطريق الميدانية إلى مكاسب للمستوطنين وتراكم لثرواتهم، في مقابل خسائر اقتصادية وفقدان لكل ما يعود إلى الفلسطينيين، فالأراضي التي عزلها عن أصحابها تعني محاصيل لم تُزرع أو تُقطف، والمراعي التي حرم الرعاة من الوصول إليها ترفع كلفة الأعلاف وتدفعهم إلى تقليص قطعانهم، وتقول إيمان جرار، مدير عام خدمات المزارعين في وزارة الزراعة، لـ"العربي الجديد"، إن معظم الخسائر المسجلة في الزراعة والثروة الحيوانية نتجت عن اعتداءات المستوطنين، إلى جانب أضرار ألحقها جيش الاحتلال عبر أوامر وقرارات مرتبطة ببؤر أو طرق جديدة.

وتظهر بيانات حصل عليها "العربي الجديد" من الوزارة ارتفاع خسائر الثروة الحيوانية من نحو 913 ألف دولار عام 2024 إلى قرابة 2.29 مليون دولار عام 2025، فيما ارتفع عدد رؤوس الأغنام التي تعرضت للقتل أو السرقة من 2472 إلى 5236 رأساً، ومنذ بداية عام 2026 حتى 28 يونيو/حزيران، بلغت قيمة أضرار مجمل الانتهاكات الإسرائيلية في الزراعة والثروة الحيوانية والبنية التحتية ومصادر المياه نحو 70.3 مليون دولار، وشكل الزيتون البند الأكبر، إذ تضررت نحو 54.9 ألف شجرة بقيمة قاربت 41 مليون دولار.

خسائر الثروة الحيوانية في الضفة الغربية خلال أعوام 2024 و2025 و2026.
فصل 03

الأمر الواقع

تنطلق أعمال شق الطرق الاستيطانية عبر مسارين، أولهما أوامر عسكرية أو قرارات وضع اليد تصدرها سلطات الاحتلال، وثانيهما مسارات يفتحها المستوطنون مباشرة، في حماية جيش الاحتلال، ولاحقاً تمنحها سلطاتهم المختصة غطاء رسمياً، ويتضح حجم الظاهرة بالنظر إلى أنه من بين 173 أمراً لأغراض عسكرية وأمنية صدرت منذ أكتوبر 2023 وحتى إبريل/نيسان 2026، كان هناك 66 قراراً بشق طرق استيطانية، بحسب بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

لذا خلص المستشار والمحامي الأطرش إلى إن سلطات الاحتلال تتعامل مع المنطقة "ج" باعتبارها مجالاً مفتوحاً للاستيطان، وتفعل كل أدواتها لمصادرة الأراضي وشق الطرق التي تخدم البؤر والمستوطنات والتي اقتربت من مناطق مصنفة "أ" و"ب"، ما نقل الضغط الاستيطاني إلى محيط التجمعات الفلسطينية الكبيرة.

يكمل مدير دائرة التوثيق في الهيئة أمير داوود، منطلقاً من إفادة الأطرش، ويشير إلى أن دور سلطات الاحتلال لا يقتصر على حماية المستوطنين خلال شق الطرق، بل يمتد إلى تثبيت الوقائع التي يفرضونها على الأرض عبر أوامر عسكرية لاحقة. ويوضح أن الأوامر الصادرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى نهاية يونيو/حزيران الفائت صادرت قرابة 3500 دونم لشق الطرق، فيما تشير تقديرات أولية مستندة إلى خرائط الهيئة إلى أن الطرق المشقوقة عزلت أكثر من 150 ألف دونم. وجاءت طوباس في صدارة المحافظات المستهدفة، تلتها رام الله ثم الخليل، من حيث عدد الأوامر ومساحات الأراضي المصادرة، رغم امتدادها إلى مختلف محافظات الضفة الغربية، بالتزامن مع توسع البؤر وشق الطرق المرتبطة بها في معظم القرى الفلسطينية.

أمير داوود - مدير دائرة التوثيق | هيئة مقاومة الجدار والاستيطان العربي الجديد

ومن بين الطرق الخمس التي تتبعها التحقيق، "تل العاصور" شمال شرق رام الله، ويعد الوحيد الذي شُق بموجب أمر عسكري حصلت "العربي الجديد" على نسخة منه، وينص على مصادرة أراض تابعة لبلدة سلواد عند مدخل قرية دير جرير، ليمتد وصولاً إلى معسكر جيش الاحتلال على مرتفعات تل العاصور شمال غربي القرية، وفي الوقت نفسه يتصل بمسارات تخدم مستوطنتي "عوفرا" غرباً و"كوخاف هشاحر" شرقاً، والبؤر المحيطة بهما.

صورة الأمر العسكري بشأن طريق دير جرير - سلواد

ولا تأتي المصائب فرادى، إذ فوجئ الأهالي، كما يقول عيد حماد، رئيس مجلس دير جرير القروي، بوضع جيش الاحتلال بوابة عند مدخل القرية حيث يبدأ الطريق الجديد. وبعد انتهاء أعمال شقه، بات الجيش يتحكم في فتح البوابة وإغلاقها، ما مكنه من إغلاق المدخل الرئيسي للقرية، في حين أبقى الطريق متاحاً لجنوده والمستوطنين، ومنع الفلسطينيين من استخدامه.

مدخل الطريق الاستيطاني الذي يستخدمه المستوطنون للوصول إلى محيط دير جرير

أسفر ذلك عن تصاعد هجمات المستوطنين على دير جرير، التي يقطنها نحو 5300 نسمة، ويقول حماد، لـ"العربي الجديد"، إن فتح الطريق سهل وصول المستوطنين إلى أطراف البلدة، وحول مدخله إلى نقطة احتكاك رئيسية مع الأهالي، فأصبحت الاعتداءات شبه يومية.

عيد حماد - رئيس مجلس قروي دير جرير العربي الجديد

اتساقاً مع ذلك، يوثق تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة "أوتشا"، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ارتفاعاً ملحوظاً في الاعتداءات منذ مطلع العام، عقب شق الطريق وإقامة بؤرة استيطانية جديدة قرب مستوطنة "عوفرا". وحصر المكتب 12 هجوماً للمستوطنين بين مطلع يناير/كانون الثاني و13 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أسفرت عن شهداء أو إصابات بين الفلسطينيين أو أضرار بالممتلكات، أي ثلاثة أمثال المتوسط السنوي البالغ نحو أربعة اعتداءات بين عامي 2020 و2024.

والنتيجة خلال أقل من عام واحد، استشهد أربعة من أبناء دير جرير تنتشر صورهم في الشوارع التي لم تعد آمنة من جراء هجمات المستوطنين والمواجهات المتكررة التي تندلع في محيط الطريق، بحماية جيش الاحتلال، كما يقول الأهالي لـ"العربي الجديد".

رسوم جدارية في شوارع دير جرير لأربعة من أبناء البلدة استشهدوا في محيط الطريق الاستيطاني
شهداء دير جرير

وفوق ذلك، يكشف تحليل "العربي الجديد" صور أقمار اصطناعية ملتقطة بواسطة "سنتينل-2" أن المستوطنين شقوا مقطعين إضافيين اتصلا بالطريق ولم يشملهما الأمر العسكري، الأول يربط بؤراً استيطانية بالطريق الرئيسي ويقع في أراضي دير جرير، بينما يمتد الآخر عبر أراضي سلواد ودير جرير، في المنطقة "ج".

المنطقة قبل شق الطريق عام 2023 المنطقة بعد شق الطريق عام 2026 قبل · 2023 بعد · 2026
صورة أقمار صناعية في دير جرير للمنطقة قبل شق الطريقين وإقامة البؤرة الاستيطانية، عام 2023، وتوضح مسار الطريقين وموقع البؤرة الجديدة في دير جرير، يونيو 2026
الفاصل الزمني “تايم لابس" لشق طرق جديدة في دير جرير (2023 | 2026)

أما باقي الطرق التي يتتبعها التحقيق، فقد شقها المستوطنون من دون أوامر عسكرية، وفق توثيق الهيئة والمجالس المحلية وإفادات مصادر التحقيق، فباتت بحكم الأمر الواقع، قبل أن تُشرعَن عبر مؤسسات الاحتلال، مثل ما جرى في طريق مسافر يطا، والمقاطع المضافة إلى طريق دير جرير وسلواد (شمال شرق رام الله)، وطريق رأس عين العوجا (شمال أريحا)، وبردلة (الأغوار الشمالية بمحافظة طوباس)، وبيت عور الفوقا (غرب رام الله).

انسجاما مع حالة طريق مسافر يطا، يؤكد رئيس المجلس القروي لبيت عور الفوقا علي سمارة، لـ"العربي الجديد"، عدم تلقيهم أمراً عسكرياً لشق مقطعي الطريق، رغم تنفيذ الأعمال بحضور جيش الاحتلال وحمايته، بعد أن بدأ المستوطنون في مايو/أيار 2025 شق الطريق وإقامة بؤرة استيطانية في الموقع الذي أقر "الكابينت" (مجلس الوزراء السياسي الأمني المصغر)، في 18الـ من الشهر نفسه، إنشاء مستوطنة فيه باسم مؤقت هو "بيت حورون شمال".

صورة: مسار الطريق الاستيطاني عند مدخل بيت عور الفوقا ويصل أحدهما إلى البؤرة الجديدة

وتبع ذلك تعبيد أحد المقطعين ومد شبكات المياه والكهرباء ووضع مبانٍ متنقلة، وفي إبريل/نيسان 2026، دُشنت المستوطنة باسم "معوز تسور"، بعد انتقال 11 عائلة إليها، بحضور وزراء وأعضاء في الكنيست، بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي قال إن إقامتها تأتي ضمن مسار لتحويل القرارات إلى واقع على الأرض، وإنشاء تواصل استيطاني يقطع التواصل الفلسطيني.

علي سمارة - رئيس المجلس القروي لبيت عور الفوقا العربي الجديد
فصل 04

المؤقت يتحول إلى دائم

في عرف الاحتلال، يتيح أمر وضع اليد العسكري لقائد الجيش السيطرة "مؤقتاً" على الأراضي بذريعة "الضرورة الأمنية"، من دون نقل ملكيتها رسمياً، إلا أن العمل بالقرار قد يمتد لسنوات، تتحول خلالها الأراضي إلى طرق أو بنية تحتية تخدم المستوطنات والمعسكرات، كما يقول الأطرش لـ"العربي الجديد".

وقد يصدر الأمر مستهدفاً ملكيات خاصة أو أراضي تصنفها سلطات الاحتلال "أراضي دولة"، مع اختلاف التبعات القانونية، إذ يحق لأصحاب الملكيات الخاصة الاعتراض على الأمر والطعن في ضرورته ومدته، بينما لا يكون الاعتراض متاحاً بالصفة نفسها في الأراضي المصنفة "أراضي دولة".

ويُمنح أصحاب الأراضي مهلة قصيرة للاعتراض، قد لا تتجاوز ثلاثة أيام أو أسبوعاً بحسب المستشار الأطرش، وبمراجعة الأمر العسكري الخاص بطريق دير جرير، نجد أنه يحدد مهلة الاعتراض بسبعة أيام، تبدأ من تاريخ الجولة الميدانية التي تُجرى لعرض حدود الأراضي المشمولة بالأمر وبيان مبرراته الأمنية، كما أظهرت مراجعة أوامر عسكرية أخرى تفاوت المهل المحددة للاعتراض وغالبيتها أسبوع، يقول الأطرش موضحاً أن مدة الاعتراض لا تخضع لمهلة موحدة، بل يحددها القائد العسكري في كل أمر، وأن الأوامر التي تعاملت معها الهيئة تمنح أصحاب الحقوق عادة مهلة تتراوح بين ثلاثة وسبعة أيام، وقد تنخفض في بعض الحالات إلى 48 أو 72 ساعة.

وغالباً ما يرفض المستشار القانوني لجيش الاحتلال، بصفته ممثل المؤسسة العسكرية في الرد على الاعتراضات، نحو 99% من العرائض المقدمة إليه، مستنداً إلى تقدير قائد الجيش للاحتياج الأمني، كما يلاحظ الأطرش.

(Getty) متظاهرون فلسطينيون ضد شق طريق قرية عور الفوقا

وبعد رفض الاعتراض، يلجأ أصحاب الأراضي إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، حيث يطلب المحامي إصدار أمر احترازي لوقف أعمال الجيش وتجميدها إلى حين الفصل في القضية، بالتوازي مع المطالبة بإلغاء الأمر العسكري لانتفاء الضرورة الأمنية أو لعدم تناسب الضرر اللاحق بالسكان مع الغاية المعلنة. وقد يستعين المحامي بتقرير خبير أمني لإثبات عدم وجود حاجة أمنية أو توضيح الأضرار المترتبة على تنفيذ الأمر.

غير أن إصدار الأمر الاحترازي ونتيجة الالتماس يتوقفان على هيئة القضاة الناظرة في القضية، إذ يرفض بعض القضاة وقف الأعمال منذ بداية النظر فيها. ووفق تقييم الأطرش، ازدادت صعوبة الحصول على قرارات لصالح أصحاب الأراضي منذ الحرب على غزة، في ظل منح المحكمة تقدير قائد الجيش للاحتياجات الأمنية مساحة أوسع، واعتبارها في كثير من الحالات مسألة تندرج ضمن صلاحياته التقديرية.

محمد الأطرش - المستشار القانوني في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان العربي الجديد

وحتى في الحالات النادرة التي يصدر فيها قرار قضائي لمصلحة الفلسطينيين، يبقى التنفيذ عائقاً. ففي رأس عين العوجا، صدر قرار يسمح للسكان بالعودة، لكن الإدارة المدنية وجيش الاحتلال لم يسمحا لهم بإعادة بناء مساكنهم، فيما بقيت البؤرة الاستيطانية والطريق على حالهما، وفق إفادة أحد سكان التجمع لـ"العربي الجديد". وبذلك، عملياً لم يبرحوا الظروف نفسها التي هجروا بسببها، وصارت حياتهم في العراء، من دون بيوت أو خيام تؤويهم، وهو ما يلخصه شاهد العيان وأحد الضحايا بقوله: "طيب كيف بدنا نقعد؟ في الشمس؟".

شاهد عيان من تجمع العوجا/أريحا العربي الجديد
فصل 05

"عدالة" الاحتلال!

في مسافر يطا، بقي قرار بعودة السكان إلى تجمع منطقة الركيز ووقف الاعتداءات بلا تنفيذ، كما يوضح أبو يونس، لافتاً إلى أن طلب الحماية قد ينتهي باعتقال المتضررين أو إلزامهم بدفع كفالات، وفي المقابل، يضيف الأطرش أن البؤر الاستيطانية، التي نادراً ما يصدر قرار بإزالتها، تعود سريعاً في موقع قريب خارج الإحداثيات المشمولة بالقرار، كما حدث في بؤرة جبل التل جنوب سنجل، وفي وادي الشاعر قرب جامعة الزيتونة شرق سلفيت، حيث أُزيلت البؤرة أكثر من ثلاث مرات، ثم أعيد نصبها في كل مرة على بعد نحو 50 متراً من موقعها السابق، وفق الأطرش.

وبلا طائل، ترفع منظمة البيدر (تكرس جهودها للدفاع عن المجتمعات البدوية) توثيق الانتهاكات الجارية بسبب الطرق والبؤر الاستيطانية إلى المقررين الأمميين والمفوض السامي لحقوق الإنسان، فلا استجابة تحد من التهجير ووقف أعمال مصادرة الأراضي لشق المزيد من مسارات الاحتلال، كما يقول حسن مليحات، المشرف العام على المنظمة، مضيفاً أن المستوطنين يستخدمون الطرق والبؤر لإغلاق المراعي وقطع المياه عن الفلسطينيين، بما يقوض قدرة التجمعات البدوية على البقاء، ما أدى إلى تهجير 89 تجمعاً يقطنها نحو 14 ألف فلسطيني منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية يونيو/حزيران 2026، وسرقة المستوطنين نحو 13 ألف رأس من الأغنام خلال الفترة نفسها.

حسن مليحات - المشرف العام على منظمة البيدر العربي الجديد
فصل 06

توالد البؤر

وأحصت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية المعارضة للاستيطان 141 مستوطنة أنشأتها الحكومات الإسرائيلية منذ عام 1967، من دون مستوطنات القدس الشرقية، وفق تحديث من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مقابل 360 بؤرة ومزرعة استيطانية حتى مايو/أيار 2026، موزعة على 156 بؤرة و204 مزارع. ولدى قراءة البيانات السابقة، يتضح تزامن فتح الطرق الخمس التي تتبعها التحقيق مع تأسيس بؤر استيطانية جديدة، فارتبط طريق مسافر يطا بخمس بؤر من أصل 19 أقامها المستوطنون منذ السابع من أكتوبر 2023، أما في العوجا، فارتبطت سبع بؤر رعوية بسبعة طرق جديدة، بحسب الباحث المختص في شؤون الاستيطان عبد الناصر مكي. وفي دير جرير، أقام المستوطنون أربع بؤر ترتبط بطرق استيطانية في القرية ومحيطها، فيما أقاموا بؤرتين بمحاذاة طريق بردلة وثلاثاً في محيط بيت عور الفوقا.

أنفوغراف بعدد البؤر التي أقامها المستوطنون في كل موقع

وترتب عن ذلك تصاعد تهديدات المستوطنين وملاحقتهم للمزارعين، ففي دير جرير، باتت زراعة المحاصيل البعلية شبه متوقفة، وحرم الأهالي خلال موسم 2025 من الوصول إلى أكثر من 70% من الأراضي المزروعة بالزيتون، فيما دفعت الاعتداءات وسرقة الأغنام مربّين إلى بيع قطعانهم أو تقليصها، بينما عزلت نحو ألف دونم من أراضي بلدة سلواد عن أصحابها من أصل نحو 19 ألف دونم، كما يقول رئيس بلدية سلواد رائد حامد لـ"العربي الجديد".

هذه الشبكة من الطرق امتد أثرها شرقاً إلى تجمع رأس عين العوجا، شمال أريحا، والذي يضم نحو 120 عائلة، يتراوح عدد أفرادها بين 650 و700 شخصاً، وفيه مدرسة يرتادها نحو 160 طالباً، ففي عام 2023، أقام المستوطنون قرب التجمع بؤرة، ثم وسعوا مسارب قديمة وشقوا مقاطع تربطها ببؤرة ثانية، مشكلين طريقاً ترابياً بمحاذاة البيوت.

صورة أقمار صناعية لشبكة الطرق بين تل العاصور ورأس عين العوجا، يونيو 2026

وأتاح ذلك الطريق للمستوطنين الوصول سريعاً إلى محيط البيوت والانسحاب بعد الاعتداءات المتكررة إلى البؤر القريبة، لذا نظمت العائلات مناوبات حراسة ليلية، كما يقول أحد سكان التجمع لـ"العربي الجديد"، طالباً حجب اسمه لدواع أمنية حتى لا يستهدفه جيش الاحتلال، خاصة أن الوضع صار شديد الخطورة لدرجة أن أبناءه وأبناء شقيقه ينامون بأحذيتهم كي يتمكنوا من الاختباء سريعاً إذا وصل المستوطنون، وبحسبه، تراجع عدد الأغنام من نحو 24 ألف رأس عام 2019 إلى ما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف بفعل الاعتداءات والسرقة والبيع القسري والتهجير.

الطريق الاستيطاني في العوجا
مستوطنون يطلقون أغنامهم فوق ألواح الطاقة الشمسية في تجمع رأس عين العوجا
هجمات المستوطنين بأغنامهم في تجمع رأس عين العوجا
تخريب أنبوب مياه خلال اعتداء مستوطنين على تجمع عين العوجا

ومع استمرار الاعتداءات والتهديدات، أجبر المستوطنون سكان التجمع على الرحيل تدريجياً بعد حرمانهم من مصدر رزقهم القائم على الرعي والوصول إلى المياه لفترة تصل إلى عامين، ما اضطر أصحاب الأغنام إلى شراء الأعلاف والمياه، ومن بين الضحايا، عائلة شاهد العيان، التي تضم نحو 70 فرداً، وتعد من آخر العائلات التي أجبرها المستوطنون على الرحيل من التجمع في يناير/كانون الثاني 2026، بعدما فقدت مصدر عيشها وشروط بقائها، وقال إن المستوطنين لاحقوا عائلته بعد انتقالها إلى قرية العوسج شمال أريحا وهددوها بالرحيل مجدداً، مخاطبين أفرادها بالقول: "إنت كنت في شلال العوجا، ليش جاي هان؟ روح على الأردن". وتكرر الأمر نفسه مع شاهدين آخرين، انتقلا مع عائلتيهما بعد التهجير إلى العوسج والنويعمة، وقالا لـ"العربي الجديد" إن المستوطنين هددوهما وعائلتيهما بالطريقة نفسها، وطالبوهم بالرحيل مجدداً.

هاني نجوم - رئيس مجلس بلدة العوجا العربي الجديد
فصل 07

حصار المحاصر

عبر مقارنة صور الأقمار الاصطناعية التي وثقها "العربي الجديد"، تبين أن مسارات طريقي تل العاصور ورأس عين العوجا تعد أجزاء من شبكة تربط معسكر الجيش بمستوطنة "كوخاف هشاحر" والبؤر المقامة بين المنطقتين، وصولاً إلى الطريق المار بمحاذاة التجمع المهجر، ما يوفر للمستوطنين حركة متصلة ويوسع نطاق سيطرتهم ونهبهم للأراضي بين دير جرير والعوجا.

صورة أقمار صناعية بمنطقة رأس عين العوجا قبل الطريق في يونيو عام 2023
صورة أقمار صناعية عام 2026 لمنطقة رأس عين العوجا بعد الطريق
الفاصل الزمني “تايم لابس" بمنطقة رأس عين العوجا (2023 | 2026)

ويتكرر النمط نفسه في الطريق الاستيطاني الذي بدأ المستوطنون في سبتمبر/أيلول 2024 شقه ضمن الأراضي الممتدة بين كردلة وبردلة بالأغوار الشمالية شرقي الضفة الغربية، واستمرت الأعمال نحو ثلاث أشهر بحسب رئيس مجلس قروي بردلة زايد صوافطة الذي قال: "أقام المستوطنون بؤرتين على جانبي الطريق، ثم أعلن جيش الاحتلال المنطقة الواقعة خلفه حيزاً عسكرياً مغلقاً".

مستوطنون يشقون الطريق بين مزارع الفلسطينيين في بردلة عام 2024
الطريق الاستيطاني يشق أراضي ومراعي المزارعين الفلسطينيين في بردلة عام 2024
الطريق الاستيطاني والبؤرة الجديدة في بردلة
الطريق الاستيطاني والبؤرة الجديدة في بردلة

وعلى المنوال نفسه، يستخدم جيش الاحتلال والمستوطنون الطريق وصولاً إلى هدفهم الجلي بتدمير حياة أصحاب الأراضي، وبحسب صوافطة، لم يعد بإمكان الأهالي الوصول إلى ما بين 800 و900 دونم من الأراضي المروية، ونحو 2500 دونم من الأراضي البعلية، كما أدى فقدان المراعي إلى تراجع عدد الأغنام في بردلة من نحو 7500 رأس إلى قرابة 1700.

زايد صوافطة - رئيس مجلس قروي بردلة العربي الجديد

أحد مزارعي المنطقة، طلب عدم نشر اسمه خوفاً من استهدافه، يقول إن الطريق عزله عن 400 دونم من أرضه وفقد كل ما يملك إلى جانب انقطاع رزق 25 عائلة أخرى كانت تعتمد على العمل لديه، وتابع: "أطلق المستوطنون مواشيهم في المنطقة فخربوا المحاصيل، ودمروا شبكات الري وخطوط المياه، ورغم امتلاكه أوراق الملكية، لم يتلق أمراً عسكرياً أو إخطاراً بمصادرة أرضه، كما لم يرد جيش الاحتلال على محاولته الاستفسار عن السبب القانوني وراء منعه من الوصول إلى ممتلكاته، وبسبب ذلك، خسر 1.2 مليون شيكل واضطر إلى التوقف عن الزراعة في أغسطس/آب 2025، وبيع أغنامه لسداد جزء من ديونه، التي تقارب مليون شيكل حرر بها شيكات لتغطية مستلزمات الزراعة، ويواجه خطر السجن أو بيع منزله من أجل جزء منها، مشيراً إلى أنه طلب من هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بذور ذرة لإبقاء جزء من الأرض المقابلة للبؤرة الاستيطانية الموجودة في المنطقة مزروعاً، وتوفير علف للأغنام، لكنه لم يتلق سوى وعود لم تنفذ.

مزارع من قرية بردلة في الأغوار الشمالية/محافظة طوباس العربي الجديد

وبالاستفسار من الهيئة، أقرت في ردها على أسئلة "العربي الجديد" بأن ملف المزارع ومعاملته موجودان لدى وزارة الزراعة، وأن النظر في الطلب يدخل ضمن اختصاصها. غير أن عمر صوافطة، مدير مكتب وزارة الزراعة في الأغوار الشمالية، قدّم رواية مغايرة، إذ قال لـ"العربي الجديد"، بعد مراجعة أرشيف الوزارة، إن المزارع أبلغ الوزارة، خلال أحد الاجتماعات، بأنه سبق أن تقدم بطلب إلى الهيئة للحصول على البذور بهدف تعزيز صموده في أرضه، وإن مسؤولي الهيئة أخبروه بأن طلبه حظي بالموافقة، وهو ما دفع الوزارة إلى عدم اعتباره طلبًا مقدمًا إليها.

واستكمل المستوطنون أجزاء من الطريق فوق مسارب جبلية كان الفلسطينيون يستخدمونها للوصول إلى أراضيهم والمستشفى، فقطعوا حركة السكان وأجبروهم على سلوك طريق التفافي يقارب 22 كيلومتراً بدلاً من رحلة كانت تستغرق نحو عشر دقائق، ما حوّل بردلة إلى "سجن جماعي" وفق توصيف صوافطة.

صورة أقمار صناعية للمنطقة قبل شق الطريق الاستيطاني بمحيط بردلة أغسطس 2024
صورة أقمار صناعية توضح مسار الطريق الاستيطاني المحيط بقرية بردلة 2025
مسار زمني “تايم لابس” لشق طريق بردلة (2024 | 2026)

في المقابل، أكمل الطريق الذي شقه المستوطنون بحماية جيش الاحتلال حلقة حصار حول قرية بيت عور الفوقا، فمن الشرق تقع مستوطنة "بيت حورون"، ومن الجنوب شارع 443 (الذي يربط تل أبيب ومدينة موديعين بـالقدس، ويعبر جزء منه داخل الضفة الغربية جنوب غرب رام الله)، ومن الغرب الحاجز العسكري عند مدخل القرية، فيما يمتد الطريق من الشمال عبر أراضي بيت عور التحتا وبيت عور الفوقا ودير بزيع وعين عريك، لمسافة تقدر بنحو ستة أو سبعة كيلومترات.

فيديو عن البؤرة الاستيطانية الجديدة والطريق المؤدي إليها قرب منازل الفلسطينيين في بيت عور الفوقا العربي الجديد

وكما حدث في باقي المسارات، لم يكتف المستوطنون بالطريق وحده، بل شقوا مقطعاً آخر شرق القرية، بطول يقارب كيلومتراً ونصف كيلومتر، يصل الطريق بمستوطنة "بيت حورون" وبؤرة استيطانية جديدة، ما قربهم إلى القرية ومكنهم من التحكم في الحركة على الشارع الواصل بين التجمعات الفلسطينية في المنطقة ورام الله، كما يقول رئيس مجلس بيت عور الفوقا، لافتاً إلى أن الطريق قطع أوصال أراض مزروعة بالزيتون مر بها وعزل أخرى عن أصحابها.

المنطقة قبل شق الطريق عام 2023 المنطقة بعد شق الطريق عام 2026 قبل · 2023 بعد · 2026
صورة أقمار صناعية في بيت عور الفوقا قبل شق الطريق وإقامة البؤرة الاستيطانية، عام 2023 وبعد في يونيو 2026
صورة أقمار صناعية توضح الطريق والبؤرة الجديدة في بيت عور الفوقا، يونيو 2026
مسار صور زمني لبيت عور الفوقا قبل شق الطريق وبعد مع إقامة البؤرة الاستطانية

وبحسب تقديرات المجلس، تبلغ مساحة أراضي القرية نحو خمسة آلاف دونم، سيطر الاستيطان على قرابة أربعة آلاف منها عبر شق الطرق وإقامة البؤر، فيما لم يتبق للأهالي سوى نحو ألف دونم أو أقل داخل القرية ومحيطها، وحتى هذه ليست في منأى عن إجرام المستوطنين، ففي عام 2025، هاجموا مزارعين فلسطينيين واستولوا على كميات من الزيتون بعد قطفها، واستكمالاً لأدوارهم، طرد جيش الاحتلال آخرين من أراضيهم، ويشير أحد المزارعين الذي مر الطريق عبر 200 دونم تملكها عائلته وعزل بقيتها، أنه لم يعد قادراً على حراثتها وقطف زيتونها لتخسر العائلة جل دخلها.

المسار الثاني للطريق الاستيطاني في بيت عور الفوقا، وهو الأقرب إلى موقع التصوير ويمر بين أشجار الزيتون
فصل 08

تمويل شبكة الطرق الاستيطانية

يتجلى الدعم الإسرائيلي للطرق الاستيطانية في ما تظهره الميزانيات المخصصة لها والتي لا تقتصر على بند واحد داخل موازنة دولة الاحتلال، بل يتوزع بين موازنات وزارة المواصلات وقرارات حكومية وتمويل أمني ومدني يمر عبر وزارات والإدارة المدنية ومجالس المستوطنات. وبحسب تحليل أجرته حركة "السلام الآن" لبيانات الجهات السابقة، ارتفع التنفيذ الفعلي لموازنات الطرق التي تخدم المستوطنات من 519.4 مليون شيكل عام 2020 إلى 789.8 مليوناً عام 2023، متجاوزاً الموازنة الأصلية للعام نفسه بنحو 347 مليون شيكل.

جرافات إسرائيلية تشق طريق إلى مستوطنة سنور الإسرائيلية 19 أبريل 2026، قرب مدينة جنين في شمال الضفة الغربية المحتلة (ناصر اشتية/Getty)

ومنذ يونيو/حزيران 2024، تخصص وزارة المالية سبعة مليارات شيكل لتطوير الطرق المؤدية إلى المستوطنات حتى 2029، بينما في الوقت نفسه صادق الكابينت في مارس/آذار 2025 في قرار منفصل على تخصيص 335 مليون شيكل لطريق "نسيج الحياة" بين الزعيم والعيزرية، وعشرة ملايين شيكل لتخطيط "طريق 80 البديل"، وخصصت حكومة الاحتلال في يناير/كانون الثاني 2026 مبلغ 550 مليون شيكل للعامين 2026 و2027 تحت عنوان "تعزيز المكونات الأمنية"، بينها 125 مليوناً لشق "طرق أمنية"، وفي مايو/أيار 2026، أقرت 1.075 مليار شيكل للأعوام 2026 حتى 2028 لشق طرق تخدم مستوطنات جديدة في الضفة الغربية. ولا يقتصر دعم التوسع الاستيطاني على الموازنات الحكومية، إذ تسهم حركات ومنظمات صهيونية داعمة للاستيطان، بينها "أمانة" و"نحالا" و"هشومير يوش" و"ريغافيم"، إلى جانب جهات تمويل خارجية، في دعم البؤر الاستيطانية وتوفير الإسناد القانوني والسياسي والميداني لها.

فصل 09

تفتيت ما تبقى

بموجب اتفاق أوسلو الثاني عام 1995، تشكل المنطقتان "أ" و"ب" نحو 39% من مساحة الضفة الغربية، بصلاحيات فلسطينية متفاوتة، فيما تشكل المنطقة "ج" نحو 61%، أي قرابة 3.45 ملايين دونم، وتخضع لسيطرة إسرائيلية واسعة في التخطيط والبناء والأمن، وبينما تقع جميع مقاطع الشق والتوسعة التي وثقها التحقيق ضمن الطرق الخمسة في أراضٍ مصنفة "ج"، لا تغير تلك التقسيمات وضع الضفة بوصفها أرضاً محتلة، أو تمنح إسرائيل سيادة عليها وتفويضاً بتغيير واقعها الجغرافي والديمغرافي.

وبالتأكيد، فإن وقوع طريق أو بؤرة داخل المنطقة "ج" انتهاك فج للقانون الدولي، إذ تحظر المادة 46 من لوائح لاهاي لعام 1907 مصادرة الملكية الخاصة في الأراضي المحتلة، وتحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة نقل دولة الاحتلال أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض المحتلة، فيما يصنف نظام روما الأساسي النقل المباشر أو غير المباشر جريمة حرب، كما يقول المستشار القانوني الأطرش الذي يصف الجاري بـ"تجزئة المجزأ"، إذ تعيد الطرق ترتيب وضع الأرض لمصلحة التوسع الاستيطاني، وتضيق المجال الحيوي الفلسطيني وتضعف إمكانية قيام دولة متصلة جغرافياً، فيما أصبح الوجود الفلسطيني في مناطق واسعة مهدداً تماماً بفقدان ما تبقى من شروط البقاء.