VirTues... نموذج ذكي لفهم البنية المكانية للأورام والاستجابة للعلاج
طوّر علماء من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان
نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحلّل أنسجة الأورام لأنواع عديدة من السرطان. ويهدف النظام على المدى البعيد إلى تحسين القدرة على التنبؤ بالاستجابة للعلاج والنتائج السريرية للمرضى.لا ينحصر الورم في خلاياه السرطانية فقط. فالخلايا المناعية والأوعية الدموية والأنسجة المحيطة به الأخرى تؤثر كذلك على الطريقة التي يتطوّر بها السرطان ويستجيب فيها للعلاج. فقد تكون استجابة ورمان يحتويان على أنواع الخلايا السرطانية نفسها بشكل مختلف تماماً للعلاج نفسه، بناءً على كيفية توزيع هذه الخلايا داخل النسيج.
ويدرس علم البروتينوميات المكانية هذا التوزيع أو التنظيم على المستوى الجزيئي، غير أن البيانات التي يُحصل عليها تحتوي متغيرات عديدة ومختلفة، قد يصعب تفسيرها ومقارنتها من دراسة إلى أخرى.
لمواجهة هذه الصعوبة في التفسير والمقارنة، طوّر فريق الذكاء الاصطناعي في الطب الجزيئي بقيادة شارلوت بون، والتابع لكليات علوم الحاسوب والاتصالات وعلوم الحياة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL)، نموذجاً أساسياً لدراسة الأنسجة يُسمى "الأنسجة الافتراضية" (VirTues).
يتعلم هذا النموذج من بيانات البروتينوميات المكانية المستمدة من دراسات مختلفة ولأنواع متنوعة من الأورام السرطانية. ويمكن استخدام النموذج لدراسة علم الأحياء على مستويات مختلفة، بدءاً من الخلايا الفردية وصولاً إلى مقاطع الأنسجة الكاملة، فضلاً عن دراسة التطور السريري للمرضى. وقد نشرت تفاصيل هذا النموذج الجديد في مجلة "نيتشر" (Nature).
قياس عشرات البروتينات دفعة واحدة
تقول شارلوت بون: "إن معرفة وجود خلايا معينة ليست سوى بناء جزء من الصورة. فنحن نحتاج أيضاً إلى معرفة مواقعها داخل الأنسجة وكيفية تفاعلها". ويعتبر العديد من الباحثين أن الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بعملية حسابية أكثر منها بمشكلة بيولوجية.
وفي هذا السياق، يقول أندرياس ويكي، أخصائي الأورام في جامعة زيورخ ومستشفى الجامعة، والذي شارك في هذا البحث: "في مجال الأورام، ازداد حجم البيانات الناتجة عن تحليل الأنسجة بشكل هائل في السنوات الأخيرة. وأصبحت النمذجة الحاسوبية أداة أساسية لجعل هذه البيانات قابلة للاستخدام لصالح المرضى في البيئة السريرية".
وبفضل قدرة نموذج VirTues على دمج قياسات البروتينات من دراسات مختلفة ولأنواع مختلفة من السرطان ولمجموعات مختلفة من المرضى، توفرت الآن القدرة على مقارنة أي عينة نسيجية جديدة وتحليلها ضمن الإطار نفسه. كما أن كل دراسة جديدة تبني على التمثيل الذي تعلمه النموذج وتعززه، بدلاً من الاضطرار إلى إنشاء نموذج جديد من الصفر.
ويمكن أن توفر البيانات النسيجية إجابات عن الأسئلة البيولوجية والسريرية المختلفة، غير أن معظم النماذج الحسابية مصممة لمعالجة سؤال واحد في كل مرة. في المقابل، يتبع VirTues المنطق الذي تستند إليه النماذج الأساسية المستخدمة في مجال اللغة: فهو يُدرَّب بشكل عام بدلاً من تدريبه على مهمة واحدة محددة مسبقاً، وبدلاً من تعلم العلاقات بين الكلمات، يتعلم العلاقات بين البروتينات والخلايا وسياقها المكاني، ما يُنشئ تمثيلاً مشتركاً يمكن تطبيقه على تحليلات مختلفة.
تطوران رئيسيان
وتضيف شارلوت بون: "بصفتها أداة تحليلية، تعالج VirTues مسائل تتطلب في المختبرات أساليب منفصلة. فهي تُستخدم لمقارنة مجموعات المرضى، وتحديد الأنماط المكانية التي تميزهم، واكتشاف المؤشرات الحيوية المكانية المرتبطة بتطور المرض والاستجابة للعلاج. قد تتغير المسألة المطروحة، ولكن النموذج الأساسي يبقى كما هو".
بفضل نموذج VirTues، استطاع الفريق من تحقيق إنجازين مهمين. أولهما، جمع أكبر مجموعة بيانات مفتوحة لقياسات البروتينات المكانية حتى الآن، والتي تضم أكثر من 12000 صورة لأكثر من 5000 فرد من 31 مجموعة سريرية. والإنجاز الآخر يتمثل في تطوير الفريق بنية مبتكرة Transformer، وهي نوع من نماذج الذكاء الاصطناعي المصممة لتعلم الأنماط المعقدة في مجموعات البيانات الضخمة، ما أتاح لنموذج VirTues إمكانية التعلم من بيانات البروتينات المكانية من دراسات مختلفة، حتى عند قياس مجموعات مختلفة من البروتينات.
ويوضح أوليفييه ميشيلين، كبير أطباء قسم الأورام الدقيقة في مستشفيات جامعة جنيف (HUG) وأستاذ في جامعة جنيف (UNIGE)، الذي شارك أيضاً في الدراسة: "إن الإمكانات التي يوفرها هذا النموذج الأساسي لعلم الأورام مهمة جداً، فهي تمتد من الفهم الدقيق للغاية لأنواع الخلايا وحالات الورم إلى تحديد الخيار العلاجي الأفضل".
ومع ذلك، لا يزال VirTues أداة بحثية، وسيحتاج الانتقال إلى الاستخدام السريري الروتيني إلى اختبارات إضافية على مجموعات مستقلة وتجارب سريرية مستقبلية.