Specialist Needed... سورية بإيقاعها السريع والعبثي

27 سبتمبر 2020
الصورة
تنتقل الكاميرا سريعاً بين الأحياء القديمة والأثرية وترصد الإيقاع اليومي (Getty)
+ الخط -

عند مشاهدة الفيديو الموسيقي السوري Specialist Needed، الذي تم بثه قبل أيام على قناة Syriudio على "يوتيوب"، سندرك أن الواقع السوري اليوم لم يعد بالإمكان أن يتم نقله فنياً بأفضل من هذه الطريقة؛ فاستهلاك نشرات الأخبار العالمية للصور التي ترصد الدمار الذي حل بسورية، واستهلاك برامج النقد السياسي التي يتم تصنيعها خارج البلاد للمعاناة التي يعيشها السوريون بشكل يومي، واستهلاك الإعلام السوري والدراما السورية الوطنية للأحياء الناجية والمكتظة بالسكان، جعل من نقل الواقع بأسلوب فني مختلف مهمة صعبة للغاية.

لذا، فإن تمكن فريق العمل من إيجاد خصوصية فنية ضمن الصور المستهلكة، بالاستناد إلى الموسيقى الإلكترونية الصاخبة، هو أمر يبرر انتشار الفيديو الموسيقي على صفحات السوريين على فيسبوك، في وقت بات تكرار هذه الصور أمرا يصيب السوريين أنفسهم بالنفور.

Specialist Needed، أو "مطلوب أخصائي"، هو عمل فني متكامل يصعب فيه فصل الموسيقى الإلكترونية التي قام بتأليفها خالد البهنسي، عن الفيديو الذي قام بإخراجه أمجد عرقسوسي، ففيه تتحرك الكاميرا مع ضربات الموسيقى السريعة، بإيقاع مرهق للعين والأذن معاً، تتداخل فيه الأصوات الحادة والرقيقة مع أصوات غليظة بطريقة فجة؛ ويساعد الفيديو على حل شيفرات الموسيقى، من خلال إعطاء دور لكل نمط؛ إذ تستخدم الأصوات الغليظة والعريضة كنقاط ارتكاز لتغييرات بسيطة أو محورية، يتدخل المونتاج في تركيبها.

بينما تستخدم الأصوات الحادة كإيقاع لتحريك الكاميرا ضمن الكادر ذاته، وبجانبها تمر أصوات خفيفة في الباكراوند، ممتدة لا تتناغم مع باقي الأصوات، تساهم برسم حالة شعورية بربط الأجزاء المتنافرة معا. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الموسيقى هي مألوفة للأذن، إذ تم اقتباسها بتصرف عن مقطوعة موسيقية لفرقة Gotye تحمل اسم Seven Hours With A Backseat Driver.

تسير الموسيقى بإيقاعها المرهق لتختزل معاناة السوريين في الداخل اليوم وحركتهم المستمرة وغير المجدية لتأمين مستلزمات الحياة الأساسية، وتنتقل الكاميرا سريعاً بين الأحياء القديمة والأثرية في أقدم عاصمة مأهولة بالتاريخ، التي لا يزال المغتربون يتغنون بها، وبين الأحياء المدمرة، التي لا تفصلها عن الأولى سوى دقائق معدودة في السيارة.

ووسط هذه الضوضاء البصرية والسمعية، نجد فجأة أن الموسيقى والصورة تلتقطان أنفاسهما عندما يقتحم المشهد صوت قادم من التلفزيون السوري الرسمي.. صوت أنثوي هادئ ومستكين يؤكد أن الحال باق على ما هو عليه، فهي تقول: "الأمم المتحدة الآن تصرح بشكل واضح بأنها ستتخلى عن جهودها في إيجاد حل بالوقت القريب".

تقول ذلك بالنبرة ذاتها التي يتم فيها إلقاء نشرات الأخبار السورية عادةً، والتي كانت تعطي معلومات منفصلة عن الواقع تماماً، لتحاول من خلالها أن توحي بأن سورية بخير، بينما كان أصوات القذائف في الخارج تعلو على صوت التلفزيون.

تتصاعد الموسيقى في النهاية حتى يندمج إيقاعها الحيوي الذي يختزل الإيقاع السريع وغير المجدي لحياة السوريين بالداخل بإيقاع التلفزيون المنفصل عنه؛ فتتداخل الأصوات ليبدو أنه لم يعد هناك وقت حتى لالتقاط الأنفاس.

تتحرك الكاميرا بسرعة أكبر، فتشعر أنك أصبحت تشاهد الصور ذاتها، رغم أن الكاميرا لا تزال تمضي بطريقها نحو الأمام، لكن المدينة المدمرة ضاعت تفاصيلها وباتت مستهلكة أيضاً، ليصعب إدراك العناصر الجديدة في الصورة؛ وينتهي المشهد بصمت، على شاشة سوداء كتبت عليها عبارة واحدة: "أحلم بأن أنجب طفلاً سيسأل: أمي، ماذا كانت الحرب"؟