استمع إلى الملخص
- تدور أحداث المسلسل في كوريا الحديثة، حيث يواجه البشر وحوشًا من بوابات سحرية، ويبدأ البطل سونغ جين وو رحلته من الضعف إلى الأسطورة، معتمدًا على نظام مستوحى من ألعاب RPG.
- الموسيقى التصويرية لهيرويوكي ساوانو تُحوِّل المعارك إلى رقصات أوبرالية، مما يخلق تجربة حسية متكاملة تجمع بين الرسوم المتحركة والموسيقى والسرد المبتكر.
بداية هذا العام، انطلق البث الأسبوعي للجزء الثاني من مسلسل الأنمي الأشهر Solo Leveling. بدأ عرض الجزء الأول من هذا المسلسل في يناير/كانون الثاني 2024 وهو واحد من أبرز إنتاجات استوديو A-1 Pictures، وحقق اندفاعة سريعة نحو الشهرة العالميّة. العمل مستند إلى رواية كوريّة جنوبيّة تحولت إلى ويبتون (القصص الرقميّة المصوّرة التي نشأت في كوريا الجنوبية) حققت مبيعات خياليّة، ولم تكن صناعة العمل مجرد نقل للصور من المانهوا (القصص المصوّرة في كوريا الجنوبية) إلى الشاشة فحسب، بل كانت رحلة إبداعيّة تمت عبرها إعادة تشكيل العمل بكليته.
نتعرف إلى عملية صناعة المحتوى من البداية إلى النهاية في الوثائقي The Leveling of Solo Leveling الذي صدر في مارس/آذار 2024 بإنتاج شركة Crunchyroll، مكوناً من حلقتين فقط. نرى في الحلقة الأولى كيف حوّل استوديو ريدايس رسومات قلم رصاص مخترع القصة جان سون راك إلى عالمٍ رقميّ تفاعليّ مع جرعة مضاعفة من الجنون.
ركزت الحلقة الثانية على تحدي الاستديو A-1 Pictures اليابانيّ الذي تمثل بالسؤال الآتي: كيف تحافظ على الإيقاع السريع للويبتون (فصل كامل لكل حلقة) من دون التضحية بعمق السرد؟ ووجد الاستديو الجواب في التقطيع الذكي للمَشَاهِد؛ فبدلاً من اتباع تسلسل المانهوا حرفياً، أعاد الأنمي ترتيب الأحداث لبناء العالم أولاً، مقدّماً الوحوش بوصفها كائنات سورياليّة مستوحاة من فيلم Pan’s Labyrinth قبل الكشف عن النظام الخفي الذي يحكمها.
تدور الأحداث في كوريا الحديثة بعد أن تحولت إلى ساحة معركة، حيث تُفتح البوابات السحريّة فجأةً لتُخرج وحوشاً، يُصنَّف البشر منذ ولادتهم إلى صيادين من رتبة S (الأقوى) إلى E (الضعفاء) ما يعكس انتقاداً ضمنياً للرأسمالية وتقسيم الطبقات الاجتماعيّة. هنا، يبدأ سونغ جين وو، بطل المسلسل، رحلته من الضعف المُذل إلى الأسطورة المُكتَشَفة، يعتمد الأنمي على نظام هرمي مستوحى من ألعاب RPG، اختصاراً لـRole-Playing Game.
يدمج المخرج Shunsuke Nakashige بين السرد الخطي للويبتون والإضافات البصريّة المبتكرة، مثل مشاهد الزنزانة المزدوجة التي تُظهر تَحوّل جين وو عبر رسوم متحركة تخلط بين الرعب والجماليّة السورياليّة. هذه الابتكارات نفتقدها في تفاصيل العمل الأخرى؛ فالعمل يحوي في طياته أفكاراً كثيرة استهلكت في مسلسلات أنمي شهيرة كـ Sword Art Online وHunter X Hunter.
يُعيد الأنمي تعريف عناصر ألعاب RPG عبر "النظام" الذي يتحكم في مصير جين وو، وهو إطار سردي لواقع البطل، المهام اليوميّة (مثل جمع الغنائم قتل الوحوش) تُقدَّمُ باعتبارها مهماتٍ إلزاميّة، عبر واجهات الألعاب التقليديّة، ذلك للوصول إلى المستوى التالي، يتحول البطل من دون وعي إلى عبد للعالم الرقميّ الحديث، يحاول تحقيق الإنجازات بالمفهوم الرأسمالي الذي يحول الحياة إلى سلسلة من المهمات وكلما ارتفع مستوى جين وو انخفضت إنسانيته. العلاقات الاجتماعية تُبنى على أساس النقابات الافتراضية وتُقاس القيمة البشرية بعدد النقاط، وليس العمق الأخلاقي، والنظام هنا ليس مجرد أداة سرد، بل شخصية خفية تُعيد تعريف قواعد الوجود.
الموسيقى في العمل هي الساحر الذي يحرك الدمى، إذ لا تقل الموسيقى التصويريّة التي ألفها هيرويوكي ساوانو أهمية عن الرسوم المتحركة. في مشهد معركة الدببة الجليدية الذي عرض في الموسم الثاني الذي ما زالت حلقاته تصدر تباعاً، تُحَوِّل الألحان الملحميّة القتال إلى رقصة أوبراليّة تعكس إيقاعاتها تغلغل النظام في نفسيّة البطل، وتُبرز التناقض بين قوته الجديدة وهشاشته الإنسانيّة، الموسيقى هنا ليست خلفيةً فحسب، بل أداة سردية تكشف عن الطبقات النفسية للشخصيات.
رغم انتقادات تتعلق بتبسيط الحوارات أو الاعتماد المفرط على فانتازيا ألعاب الفيديو، ينجح العمل في خلق تجربة حسيّة متكاملة، والجمع بين الرسوم المتحركة عالية الجودة والموسيقى الذكية والسرد الذي يعيد تعريف قواعد الخيال، يجعل العمل نموذجاً فريداً لـ الأنمي-اللعبة الذي يلبي شغف جيل يعيش على حدود الواقع الافتراضي.
يبدو أن رحلة جين وو نحو الخلاص الفردي ستستمر في تحديث مفهوم البطولة في عصر الألعاب الرقميّة، هذا المزيج من السرد للمراحل والمعارك وثقافة البوب هو مرآة تعكس تناقضات عصرنا بصرياً وصوتياً، عصر الألعاب اللامتناهية.