40 عاماً على رحيل رؤوف ذهني... صرخة أضاعت الألحان

21 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:45 (توقيت القدس)
روؤف ذهني مع ليلى مراد في أثناء تسجيل "سنتين وأنا حايل فيك" عام 1956 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- ارتبط رؤوف ذهني بمحمد عبد الوهاب كسكرتير له، وأعجب عبد الوهاب بموهبته، لكن نشب نزاع بينهما بسبب اتهام ذهني لعبد الوهاب بسرقة ألحانه، مما أثر على علاقتهما.
- بدأ ذهني مسيرته الفنية مبكراً، حيث ترك وظيفته الحكومية للعمل مع عبد الوهاب، مما أتاح له فرصة التعلم والمشاركة في صناعة الموسيقى العربية وتقديم ألحان إذاعية.
- رغم تعاونه مع فنانين بارزين، أثرت معركته مع عبد الوهاب سلباً على مسيرته، وأصبح معروفاً بالنزاع بدلاً من إنجازاته الموسيقية.

ارتبط اسم المطرب والملحن المصري رؤوف ذهني (1924 - 1985) بمحمد عبد الوهاب ارتباطاً وثيقاً. شغل ذهني وظيفة سكرتير موسيقار الأجيال، وأعجب الأخير بصوته إعجاباً حقيقياً، فقدم له عدة ألحان. لكن هذا الارتباط ترسّخ في الصحافة الفنية وبرامج التأريخ الموسيقي بسبب تلك المعركة التي أشعلها ذهني، حين اتهم عبد الوهاب بسرقة ألحانه.

أدلى ذهني بحديث صحافي نشرته مجلة روز اليوسف عام 1956 تحت عنوان "رؤوف ذهني يصرخ: سرقني عبد الوهاب"، فاشتعل النزاع بين الرجلين، ثم تدخل الأصدقاء المشتركون لتهدئة الأجواء، وتسوية المشكلة ودياً.

لكن بعد سنوات من الهدوء، وعقب رحيل ذهني عام 1985، أقامت زوجته دعوى قضائية اتهمت فيها موسيقار الأجيال بسرقة 40 لحناً من زوجها. وقبل هذه الضجة بعام، كتب الشاعر بيرم التونسي مقالاً في مجلة الجيل بعنوان "الأسطى والأستاذ"، لمّح فيه إلى أن بعض ألحان محمد عبد الوهاب يقف وراءها "أسطى" هو الملحن "رؤوف ذهني"، ثم كتب الشاعر عبد المنعم السباعي صاحب كلمات أغنية "أنا والعذاب وهواك" مقالاً استعرض فيه ما اعتبرها اقتباسات عبد الوهاب من عدد من الملحنين، من بينهم زكريا أحمد وعبد العظيم عبد الحق وكمال الطويل. ثم اكتشف عبد الوهاب أن مصدر عبد المنعم السباعي لم يكن إلا سكرتيره السابق.

ورغم مرور 40 عاماً على غياب ذهني، فإن الحالة النقدية المعاصرة ما زالت أسيرة لهذه المعركة، حتى كاد الحديث عن الرجل ينحصر في هذا السجال بينه وبين عبد الوهاب، ما أقام حاجزاً بين الجمهور واستيعاب منجزه الفني، باعتباره أحد أشهر ملحني الصف الثاني في مصر، وأحد أبرز الموسيقيين الذين ينتمون إلى مجموعة ملحني الإسكندرية.

اتسمت الملامح الأولى لمسيرة رؤوف ذهني بمزيج فريد بين الانضباط المهني والشغف الفني المتدفق. استهل رحلته التعليمية في قلب القاهرة التاريخية، تحديداً في مدرسة المحمدية الابتدائية بحي الحلمية الجديدة، فكانت المدرسة البيئة التي شكلت وجدانه الأول. ومع حلول عام 1939، انتقل إلى مسار تعليمي متخصص بوزارة التعليم الفني آنذاك، ملتحقاً بمدرسة الصناعات الميكانيكية، إذ نال منها دبلوم اللاسلكي عام 1941.

وعلى الرغم من الطابع الهندسي لدراسته، فإن نزعته الفنية فرضت نفسها بقوة، إذ لم يكتفِ بشغف الهواية، بل سعى إلى صقل موهبته الموسيقية مبكراً، تحديداً في برنامج "بابا صادق" الشهير في الإذاعة المصرية، واهتم بالتمكن الآلي، بدراسة العزف على البيانو.

كان إعجاب رؤوف ذهني بعبد الوهاب المحرك الأساس لطموحه. وبفضل تداخل العلاقات الأسرية، إذ لعب والده وابنة عمته السيدة إقبال نصار (زوجة عبد الوهاب) دور الوسيط، أتيحت له فرصة المثول أمام موسيقار مصر الأكبر، ولم يمر هذا اللقاء مرور الكرام، فاستطاع ذهني استمالة أذن عبد الوهاب الموسيقية، فأبدى إعجاباً لافتاً بصوته وبقدراته التلحينية أيضاً.

ترتب عن هذا اللقاء قرار مصيري؛ فبالرغم من استقرار وضع رؤوف ذهني الوظيفي في مصلحة الأشغال العسكرية بوزارة الحربية، وهي وظيفة حكومية مرموقة بمقاييس ذلك العصر، فإنه انحاز إلى شغفه الفني، مفضلاً العمل سكرتيراً خاصاً لعبد الوهاب مقابل راتب شهري قدره خمسون جنيهاً، وهو مبلغ كان يعكس تقديراً كبيراً لمكانته ودوره في الدائرة الضيقة للموسيقار.

أدرك ذهني قيمة هذه المجاورة في تشكيل وعيه الفني، ويكشف قراره بترك الوظيفة الحكومية عن سمات شخصية تتسم بالجرأة والطموح، لم يرضَ بأن يكون مجرد موظف تقني بعدما جاءته فرصة تضعه في قلب مطبخ صناعة الموسيقى العربية. أتاح له قربه من عبد الوهاب فرصة مراقبة عملية الخلق الفني من كثب، ما يفسر تطور أدواته اللحنية فيما بعد. إن هذا النوع من الارتباط المهني يمثل حالة من التلمذة غير المباشرة، إذ تتحول السكرتارية إلى معايشة يومية لعبقري يغير وجه الموسيقى.

تحولت العلاقة التي جمعت بين ذهني وعبد الوهاب إلى مشروع "استنبات فني" سعى من خلاله موسيقار الأجيال إلى تقديم ألحانه إلى صوت جديد شاب، لم يتجاوز 17 عاماً. بدأت هذه الرعاية الفنية رسمياً عام 1941، حين قدم عبد الوهاب لذهني أول ألحانه الإذاعية عبر أغنيتي "لما كنت عارف الحق عليكِ" و"أنا واخد على خاطري منك".

كان الفوز باللحنين حدثاً فارقاً في مسيرة ذهني الفنية، وربما كان سبباً لارتفاع سقف تطلعاته، فقد امتلك ذهني طموحاً ذاتياً يتجاوز مجرد كونه مؤدياً لألحان أستاذه. في منتصف عام 1945، قرر ذهني الخروج من التبعية الوهابية، ليعلن نفسه ملحناً قادراً على صوغ النغم، فقدم للمطرب الشهير آنذاك عبده السروجي عملين من ألحانه وهما "معلش وماله يا دنيا" و"مين فينا كان الحق عليه".

لكن هذه القفزة لم تحقق لذهني قدر الشهرة التي تطلع إليها، وقد يُعزى ذلك إلى قوة المنافسة في العصر الذهبي للأغنية المصرية، أو ربما لأن شخصيته الفنية كانت لا تزال في طور التكوين، تحاول الفكاك من هيمنة الأسلوب الوهابي الذي طبع بداياته، ما جعل الجمهور يستقبله ملحّناً واعداً، لكن من دون أن يحدث الاختراق الجماهيري المنشود.

يبدو أن إصرار ذهني وطموحه المتوقد قد جددا رغبة التجربة عند عبد الوهاب، فقرر إعادة إطلاق تلميذه من جديد في مطلع الخمسينيات. لم يكتفِ هذه المرة بالتلحين، بل مارس دوراً دعائياً تسويقياً لتقديمه إلى الوسط الفني باعتباره صوتاً واعداً مميزاً، ومطرباً قادراً متمكناً. تمثل الدعم الوهابي لذهني تلحين طقطوقة من كلمات الشاعر مأمون الشناوي، حملت نزعة وجدانية في مذهبها الذي يقول: "كل يوم وياك.. وغضبك مني يزيد النار في فؤادي.. النهارده معاك.. ويمكن بكره ما أكونشي معاك في الدنيا دي".

كذلك تضاعف الدعم الوهابي بالتحول نحو القصيدة الفصحى، إذ ارتقى عبد الوهاب بمستوى التحدي الفني لذهني، بمنحه لحناً لقصيدة "النيل" من كلمات الشاعر محمود حسن إسماعيل. عمل عبد الوهاب على أن يكون البث الإذاعي للقصيدة خلال ذروة وقت الاستماع (الثامنة والربع مساءً)، في محاولة لترسيخ مكانة ذهني وتقديمه مطرباً رصيناً يجيد أداء القوالب الغنائية الكبيرة والجادة. إن تحليل نوعية الأعمال التي خص بها عبد الوهاب تلميذه ذهني، يكشف عن استراتيجية واضحة، فالتنقل ما بين الطقطوقة العامية ذات الطابع الشعبي الراقي والقصيدة الفصحى ذات الأبعاد الرمزية، يشير إلى أن موسيقار الأجيال كان يراهن على صوت مثقف قادر على استيعاب التطورات الموسيقية التي يقودها.

قد يثبت هذا الإصرار من جانب عبد الوهاب على إعادة النشاط الفني لذهني بعد سنوات من الركود، أنه كان يرى في سكرتيره السابق امتداداً لمدرسته، أو ربما أداة لتنفيذ رؤى تلحينية معينة قد لا تتناسب مع صوته الشخصي، أو مع كبار المطربين الآخرين في ذلك الوقت. إنها علاقة الأستاذ والمريد في أبهى صورها، إذ يتحول الطموح الشخصي للتلميذ إلى وقود يحفز عبقرية الأستاذ لإثبات صحة نظره في اختيار مواهبه.

وبغض الطرف عن صدقية اتهامات ذهني لعبد الوهاب بالسرقة الفنية، فلا ريب أن هذا السجال أضر بذهني المطرب والملحن، وإذا كانت الجماهير في عمومها تربط تلقائياً بين الملحن وأغنية من ألحانه أو أكثر، وبين المطرب وبعض أعماله، فإن ذهني أصبح عنواناً لـ"المعركة" مع عبد الوهاب، لا يكاد أحد يربط بينه وبين أغنية من أغانيه ولا لحن من ألحانه.

تعاون ذهني مع عدد من أبرز مطربي العصر الذهبي للإذاعة، ومنهم: صباح، عبده السروجي، آمال حسين، شافية أحمد، كارم محمود، برلنتي حسن، ماهر العطار، نازك... وغنت من ألحانه فتحية أحمد "مش قادرة أصدق" و"يا حبيبي كل خطوة".

كذلك غنت فايزة أحمد عدة أغانٍ، منها: "الحكاية إيه"، و"دموع الفجر"، و"مكتوب ع القلب"، و"يا نيل". وغنى من ألحانه عبد الحليم حافظ أغنيته الشهيرة "ثورتنا المصرية" من كلمات مأمون الشناوي. وغنت له نجاة الصغيرة: "قصة هوايا"، و"سلم لي عليه". كان تعاون ذهني مع ليلى مراد كبيراً، فلحن لها أغنيتها الشهيرة "سنتين وأنا أحايل فيك"، وأيضاً "العيش والملح"، و"انتهينا"، و"أيوا أنا"، و"اسمع يا حبيبي"، و"ليه تبيع فيا"، و"كلمة"، و"هوه اللي بنحبه". ومن ألحانه غنى بليغ حمدي في بداياته، ومن كلمات أحمد حلمي "لو قلبي كان خالي".

في منتصف الخمسينيات، لحن ذهني للإذاعة أوبريت اللؤلؤة المسحورة، من تأليف محمد علي أحمد، وبطولة سميحة أيوب، وعبد الله غيث، وعبد الرحيم الزرقاني. وكان الغناء لعباس البليدي، وإبراهيم حمودة، وأحلام. كذلك آثر ذهني نفسه بعدد من ألحانه، التي غناها، ومنها: "لا ولم ولن"، و"صوت الإيمان"، و"ازيكم ازيكم"، و"أنا وقلبي".

خسر ذهني كثيراً بمعركته مع عبد الوهاب، وتمثلت خسارته الكبرى بإهمال إنتاجه الفني، الذي لم يحظ بإنصات عادل، ولا بنقد موضوعي. لكن قصته تمثل درساً لكل ملحن ومطرب، أن معركتك الأولى هي فنك، وأن إنتاجك وإبداعك خير وأبقى من مناطحة الكبار. في ديسمبر/كانون الأول عام 1985، رحل رؤوف ذهني. وبعد أربعين عاماً على رحيله، ما زال غبار معركته مع عبد الوهاب يغطي على أغانيه وألحانه.