4 أفلام قصيرة في الدوحة السينمائي: بهاء صُور يعكس خراباً

28 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:54 (توقيت القدس)
"أنا سعيد لأنك ميّت الآن": تقليص الحوار يقول الكثير (مهرجان الدوحة السينمائي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يركز مهرجان الدوحة السينمائي للفيلم القصير 2025 على تعزيز مكانة الأفلام القصيرة من خلال مسابقات وبرامج متنوعة مثل "سبل العبور" و"آثار باقية"، مع دعم المواهب السينمائية.
- تتنوع الأفلام المشاركة بين الدراما والتأملات الحياتية، وتتناول مواضيع مثل الوحدة والموت والعلاقات الإنسانية، مع أفلام بارزة مثل "زيزو" و"كلّ هذا الموت".
- تبرز الأفلام استخدام تقنيات سينمائية متنوعة مثل Stop Motion، مما يعكس جماليات فنية مبتكرة وقدرة المخرجين على تطوير لغة الفيلم القصير.

بنسخته الأولى (20 ـ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، يهتمّ مهرجان الدوحة السينمائي بالفيلم القصير. مسابقة وبرنامج يتكامل أحدهما مع الآخر، والهدف واضحٌ: هذا نوع سينمائي له مكانته ولغته وتفاصيل اشتغالاته، والمهرجان يُتيح مساحة له، في مسابقة وخارجها. فالمسابقة موزّعة على أربعة برامج، كلّ برنامج يضمّ خمسة أفلام: سبل العبور، وآثار باقية، وأجنحة الصمت، وفي انعكاس الضوء. هناك أيضاً برنامجان في أفلام أجيال القصيرة: انتماء (ستة) وبدايات (خمسة)، وصُنع في قطر ـ برنامج الأفلام القصيرة (10).

هذه تقسيمات عملية، تحاول بعناوينها إيجاد مشتركات بين الأفلام المختارة: مسارات درامية، شخصيات متشابهة، تفاصيل حياة وعلاقات، تأمّلات. الإبقاء على "أجيال" نابعٌ من رغبة في قول غير مباشر، مفاده أنّ مهرجان أجيال مستمرّ وإنْ بشكل مختلف، وإنّه أساسٌ يُطلِق مهرجان الدوحة، وهذا الأخير ساعٍ إلى تطوير السابق عليه، وبلورة اشتغالاته نحو مزيدٍ من دعم متنوّع الأشكال.

النماذج المستلّة من برنامجي أجنحة الصمت وآثار باقية، رغم أهمية معظمها، غير متمكّنة من أنْ تعكس جوهر الحيّز العام للأفلام القصيرة. فأربعة أفلام فقط، من 41 فيلماً، أعجز من أنْ تُلبّي حاجة نقدية إلى الاطّلاع على واقع هذا الشكل السينمائي، العربي والأجنبي. غير أنّ ثلاثة منها تصنع جماليات فنية وتقنية ودرامية، تشي بأنّ الراهن قابلٌ لتطوير ما يمتلكه مخرجون ومخرجات من وسائل فكرية وبصرية وجمالية وتقنية، لجعل الفيلم القصير لغة تبوح، ومرآة تُري الواقف/الواقفة أمامها (المخرج/المخرجة؟ المُشاهِد/المُشاهِدة؟) بعض المخفيّ هنا وهناك. أو تكتفي بتبيان واقعٍ، تنقله سينمائياً بسلاسة وشفافية وصدق، وإنْ بأقلّ من المطلوب سينمائياً.

يريد زيزو (عمار أحمد) مكاناً له في الحي، فيجهد في أنْ يكون لاعب كرة قدم، رغم التنمّر عليه لبدانته، ومحاولة صديقه مجدي (سيف أمين) إرشاده إلى الدرب الصحيح. نزاعٌ يحصل بينهما، في "زيزو" (19 د.) للمصري خالد معيط، وتبادل مواقع بينهما في فريق كرة القدم، بقيادة "زعيم" المراهقين زكي (محمد بهاء)، قبل انكسار أخير، يؤدّي بزيزو إلى مزيدٍ من العزلة، أو التوهان في الشوارع وحيداً.

الوحدة، التي تُشكِّل جزءاً أساسياً من النواة الدرامية لـ"زيزو"، توحِّد أفلاماً قصيرة أخرى (إنتاج 2025): "كلّ هذا الموت" (17 د.) للّبناني فادي سرياني، المعروض سابقاً في Perspectives، في الدورة 49 (8 ـ 14 يونيو/حزيران 2025) للمهرجان الدولي لفيلم التحريك بأنّيسي؛ و"أنا سعيد لأنّك ميت الآن" (13 د.) للفلسطيني توفيق برهوم (إخراجاً وتمثيلاً، مع أشرف برهوم)، الفائز بالسعفة الذهبية للفيلم القصير، في الدورة 78 (13 ـ 24 مايو/أيار 2025) لمهرجان "كانّ"؛ و"نظّارات" (15 د.)، للكورية الجنوبية جونغ يومي. وإذْ يُعرض فيلما سرياني وبرهوم في "أجنحة الصمت"، فإنّ "نظّارات" و"زيزو" مبرمجان في "آثار باقية": المُشاهدة كفيلةٌ بتبيان سبب وضع الأفلام في هذين البرنامجين.

 

 

رغم أنّ كلاماً يُقال بين الشقيقين رضا (توفيق) وأبو رشد (أشرف)، يُكثَّف بما يتلاءم والحالة التي يمرّان بها إزاء موت وفقدان ومحاولة ترميم ذات وروح وعلاقة (أنا سعيد لأنّك ميت الآن)؛ يُنجَز "كلّ هذا الموت" من دون حوار (تمتمات قليلة غير مفهومة البتّة لشخصيات عابرة)، فالموت طاغٍ، وإزاء الموت ينعدم الكلام. في فيلم الثنائي برهوم، هناك موت أيضاً، يظهر في حوار مقتضب بين الشقيقين، وفي الألوان القاتمة التي تُظلِّل الأمكنة، إلى جانب عتمة ليلٍ، وانبلاج فجرٍ لعلّه يكون بداية جديدة. وإذْ يستخدم توفيق برهوم التمثيل الحيّ في اشتغاله على ثيمة الموت والحِداد وفقدان الذاكرة، وما يُخبّئه هذا كلّه من حكايات وأحداثٍ؛ يذهب فادي سرياني إلى تقنية Stop Motion في التحريك، ليروي حكاية عجوز في بيروت القديمة، ينزع أوراق النعوة عن جدران الشارع، ويقرأ في الصحيفة اليومية أخبار الوفيات، فيشارك في الجنازات، أو يغرق في الحدّ غير الفاصل بين الكابوس والواقع، متأمّلاً في الموت بإيقاع هادئ، مبنيّ على غليان شيخوخة ونهاية.

الآثار الباقية في "نظّارات" و"زيزو" تتوضّح بعد رحلةٍ يقوم بها زيزو ويوجين: الأول في متاهات اليوميّ بحيّه الفقير، والثانية بخيالٍ، قريب جداً من الواقع، يتوه بين تخييلاتٍ تعيشها الشابّة، ووقائع تدفعها إلى تبيان معالم العيش والغد وفقاً لحالات نفسية وروحية تصنع لها، عبر عدسة طبيبة العيون، عوالم يختلط الماضي فيها براهنٍ، والمشاعر المتناقضة متدفّقة، والرغبات مفتوحة على ما وراء الصورة. هذا غير موجود في "زيزو"، الواقعي جداً، والمبسّط في سرد حكاية مُراهق (13 عاماً) يريد مكاناً له في بيئته ومجتمعه.

إنْ تكن الآثار الباقية نتائج رحلتين يقوم بهما مُراهقان، فالصمت طاغٍ في "نظّارات" يوجين، الذي (الصمت) يرافق العجوز البيروتي في رحلة اكتشافاته اليومية للموت وعوالمه. فالصمت (بأجنحته أو من دونها) يترافق والآثار الباقية في اقتفاء دروب شخصيات مُثقلة بوطأة خراب وقهر وقلق وألم، أو بثقل رغبة النفاد الأخير من اهتراء الواقع، وتشعّباته القاسية. وإذْ يتنافس "كلّ هذا الموت" و"نظّارت" في ابتكار جماليات التحريك ولغة الأسود والأبيض (والرمادي أحياناً) في البوح، فإن توفيق برهوم يصنع من الدقائق 13 مساحة رحبة لفهم شيءٍ من ذات وتفكير ومشاعر، بينما خالد معيط مكتفٍ بالبساطة، التي لها جمالياتها أيضاً.