4 أفلام في الجونة السينمائي: جماليات رغم قسوة عيش

24 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 04:39 (توقيت القدس)
المُراهِقة ووالدتها في "حلم": أسئلة عيش ومشاعر (الملمف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتناول الأفلام في مهرجان الجونة السينمائي 2025 قضايا إنسانية عميقة، مثل فيلم "ضعي روحَكِ على كفِّكِ وامشي" الذي يوثق حياة المصوّرة الفلسطينية فاطمة حسونة.
- رغم عدم حصول بعض الأفلام على جوائز، إلا أن قيمتها الفنية تتجاوز ذلك، حيث حصل فيلم "حلم" على جائزة الدب الذهبي، و"الأفضل أنْ أُجنّ في البرية" على الجائزة الكبرى في مهرجان كارلوفي فاري.
- تتميز الأفلام بجمالياتها السينمائية، مثل "حلم" الذي يعرض قصة حب ممنوع، و"الأفضل أنْ أُجنّ في البرية" الذي يعكس الحياة البسيطة.

باستثناء "ضعي روحَكِ على كفِّكِ وامشي" (2025)، للإيرانية زبيدة فارسي، موثّق يوميات المُصوّرة الفلسطينية فاطمة حسونة، التي تغتالها إسرائيل بقصف مباشر ومتعمَّد على منزلها، في 16 إبريل/نيسان 2025، بعد شهرٍ واحد فقط من بلوغها 25 عاماً؛ تعاين ثلاثة أفلامٍ أخرى، مشاركة كلّها (مع فيلم فارسي) في الدورة الثامنة (16 ـ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025) لمهرجان الجونة السينمائي، أحوالاً فردية بحتة، بمصائب ناسها وتبدّلاتهم وانفعالاتهم واكتشافاتهم ورغباتهم وعيشهم، رغم أنّ بعض الذاتي في تلك الأحوال غير بعيدٍ كثيراً عن أحوال جماعية تُشبهها.

إنْ يكن الهمّ الفلسطيني، في وثائقي فارسي/حسونة (مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة)، طاغياً، مع منافذ مطلّة على تفاصيل خاصة بالمخرجة وبعوالمها ومشاعرها إزاء بلدها المهاجرة منه منذ سنين، فالهمّ الفردي، إزاء الحاصل في بيئة وعائلة وعلاقات وذاكرة وراهن، يُحرِّك شخصيات الأفلام الثلاثة الأخرى: "المستعمرة" للمصري محمد رشاد (مسابقة الأفلام الروائية الطويلة)، و"الأفضل أنْ أُجنّ في البرية" للسلوفاكي ميرو ريمو (مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة)، و"حلم" للنرويجي داغ يوهان هاوغِرود (الاختيار الرسمي ـ خارج المسابقة).

المشترك بين الأفلام الثلاثة تلك و"ضعي روحَكِ على كفِّكِ وإمشي" كامنٌ في تمثّل النواة الدرامية الأساسية بالفرد، إنْ يكن مُقيماً في جحيم الأرض، لأنّ حرب إبادة إسرائيلية تنهش بلداً ومجتمعاً وناسهما (فيلم فارسي)، أو يواجه متطلّبات المُراهَقَة، ما يكشف وقائع عائلية ممتدّة في ثلاثة أجيال في النرويج (حلم)، أو يعاني تبدّلات عيشٍ إثر موت أبٍ، ما يؤدّي إلى بحثٍ ذاتي عن إجابات، لعلّ الراحة الداخلية تحصل (المستعمرة)، أو معاينة راهنٍ يصنعه توءمان يُقرّران التطهّر من المدينة والماضي، فيلجآن إلى ريفٍ، مع كل الأسئلة الجديدة، التي لن تحول دون ظهور بعض الماضي بين حين وآخر (فيلم ريمو).

 

 

وإذْ ينال "حلم" جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم، الممنوحة للمُنتِجَين إنْغْفِ سايتر وهِغي هاوف هْفاتُم، في الدورة 75 (13 ـ 23 فبراير/شباط 2025) لمهرجان برلين السينمائي، و"الأفضل أنْ أُجنَّ في البرية" الجائزة الكبرى ـ الكرة البلورية (25 ألف دولار أميركي تُمنح للمخرج والمُنتِجَين ريمو نفسه وتوماس هْروبي) للدورة 59 (4 ـ 12 يوليو/تموز 2025) لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي، فإنّ فيلمي رشاد وفارسي غير حاصِلَين، إلى الآن، على أي جائزة.

لكنْ، لن تؤثّر أي جائزة تُمنح في أي مهرجان بالسينمائيّ في هذا الفيلم أو ذاك. مسألة الجوائز تتكرّر في تعليقات نقدية، من دون إثارة أي نقاش جدّي حولها، فالغالبية الساحقة من النقاد والصحافيين/الصحافيات السينمائيين العرب تحديداً، إلى إعلاميين وإعلاميات عرب أيضاً، تُقدِّم الفيلم بدءاً من جوائزه، إنْ يحصل عليها. فمُنجز السلوفاكي ميرو ريمو مثلاً غير محتاج إلى أي جائزة لتبيان مصداقيته السينمائية في مقاربة يوميات الشقيقين التوءمين، فْرانْتيسك وأونْدرْجي كْليشيك، وبهاء علاقتهما بالطبيعة والحيوانات والأرض والهواء، كما بعلاقة أحدهما بالآخر وبنفسه، وبماضيهما المعبّأ بنشاطٍ سياسي. كما أنّ "المستعمرة" مكتفٍ، أو هكذا يُفترض به أنْ يكون، بنصّه السينمائي، الباحث في شؤون أفراد ينتمون إلى طبقة فقيرة، ويواجهون شتّى أنواع القلق والعذاب والقهر والرغبات المكبوتة، في لحظة تالية على موت أب في ظرف غامض، في مصنع يعمل به.

هذا ينطبق على صنيع زبيدة فارسي. فرغم أنّ الوثائقي، المُرتكز على اتصالات عبر الفيديو (هاتف ذكي)، غير سينمائي، لاعتماده على حوارات بين المخرجة والمُصوّرة الشابة، مع لحظات خاصة بالمخرجة في منزلها الفرنسي، وببلدها إيران؛ رغم هذا، تظهر أهميته بمضمونه، إذْ يوثِّق حياة شابّة، تبدو مليئة بحيوية وحماسة ورغبات في عيشٍ آمن وسليم، لكنّها تعاني حرب إبادة لن توفّرها هي شخصياً. أهميته كامنةٌ أيضاً في ما تقوله الشابّة، والابتسامة غالبة على وجهها، لكنّ الموت حاضرٌ هنا وهناك.

في "حلم"، الأجمل بين الأفلام الأربعة تلك، إلى منجز ميرو ريمو، هناك يوهانّ (17 عاماً)، في بداية عامٍ دراسي جديد، أو بعدها بقليل. تعاني المُراهقة (إيلّا أوفربي) أهوال حبٍّ، والأهوال تلك في العمر هذا قاسية ومُدمِّرة، خاصة أنّ هذا الحبّ ممنوح ليوهانّا (سِلُومي أمْناتو)، المُدرِّسة الشابّة. الفكرة، كأي فكرة أخرى، عادية وواقعية وحاصلة، وفنون عدّة منشغلة بها، وإنْ بأساليب مختلفة أو متناقضة. معاناة المُراهِقة نفسها مُنبثقة من شعورٍ يدبّ فيها، لحظة دخول المُدرِّسة إلى الصف، فتغلي المشاعر فيها، ويتفلّت العقل من كلّ قيدٍ، إنْ يكن للعقل مكان، فهذا عمرٌ متفلّت من كلّ تفكير، والمشاعر أقوى.

أما فيلم ريمو فيروي، بمفردات جمالية، حكاية الشقيقين التوءمين، اللذين يُقرّران، بعد اختبارات حياتية جمّة، الانعزال المطلق في مزرعة بعيدة عن كل حياة خارجها، وهناك "تصبح الحياة والموت واحداً"، حيث "يستمتع توءمان ناسكان بصحبة أحدهما مع الآخر، كما مع حيواناتهما والمزرعة" (فكتور فْراغا، في Dirty Movies، موقع إلكتروني باللغة الإنكليزية، مقرّه لندن. 10 يوليو/تموز 2025).

رغم ملاحظات نقدية متفرّقة، "تُمتّع" الأفلام تلك، ففي كلّ منها جماليات سينمائية جاذبة، رغم طغيان نصّ إنساني قاسٍ على بعضها.

المساهمون