"196 متر" الجزائري: تعامل سينمائي ذكي مع فضاء الأحداث
استمع إلى الملخص
- يتميز الفيلم بتوظيفه الذكي لشوارع العاصمة الجزائرية، خاصة في المشاهد الليلية، مع تعاون مدير التصوير إقبال عرفة والمونتير فؤاد بن حمو، لكنه يفتقر إلى بصمة مميزة أو أسلوب خاص.
- حاز الفيلم على جائزة لجنة نقاد الأفلام الثورية القصيرة و"أسبوع النقاد" في مهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي، مما يعكس تقدير النقاد للعمل.
بعد أفلام قصيرة، وثائقية وروائية، كـ"ابن رشد، رابط حضاري" (2011) و"دم بارد" (2013) و"روح سوداء" (2018)، بدأ الجزائري شكيب طالب بن دياب (1982) تجارب جديدة، بإنجازه أول روائي طويل: "196 متر" (2024، عنوانه الفرنسي: الجزائر). لم تنحصر مساهمته في إخراجه فقط، إذْ كتب السيناريو أيضاً، فبات العمل مرآة عاكسة لهواجسه، موضوعاً ومعالجة، وهذا منطلق جيد، يُمكّن المتلقّي من فهم السياقات الظاهرة والمضمرة فيه، كما يُشكّل ركيزة لمعرفة أدواته ورؤاه.
في "196 متر"، لم يخرج بن دياب عن المواضيع التي تناولها ويتناولها مخرجون شباب جزائريون عديدون، خاصة المبتدئين بينهم، تتعلّق أساساً بنظريات علم النفس، وما يوفّره هذا من ألاعيب إخراجية، ومساحات تمكّن صاحبها من التحرّر زمانياً ومكانياً، مع تجهيز الحيّز الدرامي بزمنٍ، يُتحكَّم في جوانبه بسهولة. إضافة إلى وجود مرجعيات جاهزة يمكن إسقاطها على شخصيات تلك الأفلام، من دون السقوط في فخّ الاختلاف بينها وبين أفعالها، خاصة مع تزويدها بالجانب البوليسي، الذي تتناسل من أحداثه، لتكون ركائز تشويق وإثارة وانتظار وترقّب. هذه منطلقات تشدّ الجمهور، وترغمه على الوقوف على كل تفاصيل الفيلم، خاصة إن كانت محبوكة بعناية وتبصّر.
صاغ بن دياب موضوع فيلمه من المساحة المذكورة، مُركّزاً على علم النفس السلوكي، موضوعاً ورؤية، وعلى القالب البوليسي، لرسم أبعاد الجريمة، بكل مؤشراتها ومنحنياتها. لذا، معظم الشخصيات مأزومة ومركّبة ومجروحة، تعتمد على ماضيها، وتغرف منه لتتعامل مع حاضرها، مع ما يحمله هذا المنطلق الزمني من خيبات ونكبات ومآسٍ عدّة. من هذه الشخصيات، هناك المحقّق سامي سعدودي (علي ناموس) وزميله خالد (هشام مصباح)، ودونيا (مريم مجقان)، الاختصاصية النفسية التي عملت معه في القضية، إضافة إلى شخصيات أخرى اختطفت الطفلة، أو تستّرت على الخطف، وهذا يُمثّل الشرّ المطلق أو الجزئي: لمياء أزهر (شهرزاد كراشني) وزوجها عصام (سليمان بن واري)، ومن له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهما.
هذه الشخصيات، بأخيارها وأشرارها، تعاني اضطرابات نفسية، نتيجة البيئة الأسرية، والوضع العام الذي وُلدوا وتربّوا وعاشوا فيه. لذا، نقلوا أمراضهم إلى دائرة أوسع، لأنهم لم يجدوا، أو لم يبادروا إلى تصحيح أعطابهم، ومداواة جراحهم النفسية الغائرة.
يروي "196 متر" أحداث اختطاف طفلة في العاصمة الجزائرية، فتبحث الشرطة عنها، مع سامي ودونيا وبقية الفريق، بتتبع مؤشرات عدّة ينتبه المحقّق إليها بفضل خبرته العملية، أو التي تدلّه عليها الطبيبة انطلاقاً من تجربتها المهنية. في هذين التحقيق والبحث، تتجلّى حقائق عدّة متصلة بعمليات اختطاف، ماضياً وحاضراً، وفي الوقت نفسه تُقدَّم منطلقات لفهم كل شخصية على حدة.
استطاع بن دياب التعامل مع فضاء الأحداث بذكاء كبير، بعد توظيفه شوارع العاصمة أفضل توظيف، خاصة في المشاهد الليلية. بذلك، يستكمل ما بدأه مخرجون سابقون عليه، بتحويلهم العاصمة إلى عنصر مهم في أفلامهم، كما في "تحيا يا ديدو" (1971) لمحمد زينات، وكما فعل نذير مخناش في ثلاثيته السينمائية "حريم مدام عصمان" (2000)، و"تحيا الجزائر" (2004)، و"ديليس بالوما" (2007). هناك تجارب أخرى أيضاً لا تقلّ أهمية عنها.
نجح بن دياب في إبراز هذه الجمالية، بتعاونه مع مدير التصوير التونسي إقبال عرفة، الذي التقط مناظر وزوايا متنوعة، محوّلاً إياها إلى جزءٍ من الموضوع والقَصّ، خاصة أن المونتاج لفؤاد بن حمو، الفرنسي الجزائري (مخرج أيضاً)، الذي اشتغله في "196 متر" مع شكيب طالب. بهذا، شارك المخرج في كل تفاصيله (أنجز الموسيقى التصويرية أيضاً). هذا الجمع أحد مصادر قوة الفيلم، لخلقه تماسكاً بصرياً وموضوعاً، مُشكّلاً إيقاعاً عاماً منسجماً ومترابطاً.
"196 متر" (بدأ عرضه التجاري في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2025، في نحو 60 صالة فرنسية) فيلمٌ متماسك وقوي، بصرياً وتقنياً. لكن، رغم تمكّن المخرج من معظم منطلقاته الفنية والبصرية، غيّب جزئية مهمة، تعلي شأنه، وتعطي مؤشرات عن أفلامه المقبلة، تتمثل في إبراز بصمة أو مسلك تميّز، وإشهار أسلوبه الخاص. فعلى كلّ مخرج البحث عن تميّزه، وتقديم بصمته في أي عمل له. هذا غائب عن الفيلم، لأن معظم مشاهده، وإن كانت جيدة ومنسّقة واحترافية، مُكرّرة، إذْ تناولتها أفلام أجنبية كثيرة. كما يمكن بسهولة توقّع أحداث وحوارات ونتائج. هذه نقطة ضعفه، فبن دياب غيّب ذاته المبدعة وهويته الذاتية، وكان متّبعاً لا خلّاقاً، وهذا ليس عيباً مقارنة بالانطلاقة القوية للفيلم، وقوة المخرج في التنسيق الشامل، وسيطرته على معظم المفاصل.
"196 متر"، الفائز بجائزة لجنة نقاد الأفلام الثورية القصيرة و"أسبوع النقاد" في الدورة الخامسة (10 ـ 16 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي، فيلمٌ سينمائي محترم، وتجربة بصرية مبهرة، قدّمها شكيب طالب بن دياب بتفانٍ واضح.