"يلا بابا" لآنجي عبيد: الطريق راوياً عابراً للحدود

10 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:15 (توقيت القدس)
"يلا بابا": ذاكرة حرب وانفتاح على أوروبا (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "يلا بابا" للمخرجة آنجي عبيد يجمع بين سينما الطريق والذاكرة، مستعرضًا رحلة برّية بين بروكسل وبيروت بعد 42 عامًا، ويتناول قضايا الانتماء وصراع الأجيال والحدود السياسية والنفسية.
- يتميز الفيلم بأسلوب بصري بسيط ورفيق سفر، حيث تُستخدم الكاميرا في السيارة لتعزيز الحميمية، وتتنوع اللقطات والألوان لخلق أجواء ساحرة، مما يجعل الطريق راوٍ صامت.
- الحوارات بين آنجي ووالدها تعكس توتراً بين الأجيال، حيث يتصارع الأب المثقل بذاكرة الحرب مع الابنة المنفتحة على أوروبا، مما يثير تساؤلات حول العلاقة بين الذاكرة والواقع.

 

في الدورة 20 (9 ـ 19 سبتمبر/أيلول 2025) لشاشات الواقع (متروبوليس بيروت)، عُرض "يلا بابا" للّبنانية آنجي عبيد. وثائقي ينسج بين سينما الطريق والذاكرة. على السطح، يبدو الفيلم رحلة برّية بين بروكسل وبيروت، ترافق فيها آنجي والدها منصور لإعادة خلق مسار قديم، رحلة حقيقية أعيد إحياؤها بعد 42 عاماً. كأن الزمن نفسه يُعاد رسمه على الطرقات، لاستدعاء ذاكرة لم تهرم بعد. أما في العمق، فالفيلم رحلة تأمّل في معنى الانتماء، وصراع الأجيال، والحدود التي لم تعد مجرّد خطوط جغرافية، بل جروح سياسية ونفسية. هنا، تتحوّل السيارة إلى كبسولة زمنية، واللقطات الطويلة إلى دفاتر يومية، والرحلة نفسها إلى سؤال معلّق: ماذا يعني أن تعود إلى الطريق نفسه بعد عقود؟ وأيّ حوار ينشأ بين الذاكرة والواقع؟

يحاكي "يلا بابا"، بأسلوبه، لغة الطريق: حركة مستمرة، عبور متكرّر، محطات متقطّعة، لقطات طويلة تفرض إيقاعاً تأمّلياً. لا تستسلم آنجي عبيد لسرعة المونتاج التجاري، بل تميل إلى تقطيع بصري متوتّر وبطيء، يتيح للزمن أن يترسّب في المشهد، ويتحوّل إلى مادة درامية. هذه الاستراتيجية تمنح الفيلم نَفَساً يومياتياً، أقرب إلى دفتر يوميات بصري، فتتكرّر عبارة "اليوم رقم..."، إشارة إلى أن الرحلة ليست حدثاً عابراً، بل تجربة زمنية ممتدّة. الطريق ليس وسيلة انتقال، بل أرشيف سياسي متصدّع. الطريق يمرّ عبر سراييفو، مدينة مثقلة بالحروب، وجرح مفتوح على ذاكرة البلقان. ثم يعبُر تركيا، بوصفها بوابة معاصرة للهجرة، يلتقي فيها الشرق بالغرب، في مساحة متوترة. لكنه يتجنّب سورية وحاضرها المتفجّر، ما يعكس حقيقة أن الحدود ليست مرتبطة بإجراءات عبور فقط، بل تشكّل مصائد سياسية وأمنية.

حتى الإشارات العابرة، كذكر مدينة بيرغامو زمن كورونا، التي تذكّر بأن الجغرافيا ليست محايدة، فكل مدينة تحمل ندبة أو ذاكرة، وكل محطة طريق تكشف طبقة جديدة من تاريخ شخصي ـ جماعي. هنا، تتحوّل الجغرافيا من خلفية إلى فاعل درامي، إلى شخصية ثالثة، ترافق الأب والابنة، وتؤثّر في مسارهما.

الحوارات بين آنجي ووالدها أشبه بمسرح توتّر وجودي: الأب مُثقَل بذاكرة الحرب والمنفى. يتكلّم بصرامة، ويطلق جُملاً قاسية أحياناً، لكنها تنبع من حبّ متشنّج للوطن. والابنة، المنفتحة على أوروبا، تصطدم بخطاب الأب، وتختبر قلقاً مزدوجاً بين إرث المشرق ومتطلّبات الحاضر الأوروبي.

هذا الصراع لا تقدّمه المخرجة بخطاب مباشر، بل بتفلّتات عاطفية صغيرة: جدل حول الزواج المدني، تعليقات عن لبنان، مواقف حول المنفى. هذا الحوار المتوتر، المليء بالصمت والجدل، يجعل الفيلم مختبراً للأجيال، تتواجه الذاكرة فيه مع الواقع، والماضي مع الحاضر.

ما يميّز "يلا بابا" بساطة أدواته البصرية، الممزوجة بدهاء سينماتوغرافي. لغته البصرية تقوم على اقتصاد متعمَّد: الكاميرا ليست متخفية ولا استعراضية، بل رفيقة سفر. وجودها في السيارة، قرب المقود أو خلف الزجاج الأمامي، يضع المشاهد في موقع شريك مباشر في الرحلة، ما يفرض شعوراً بالحميمية، وحتى الاختناق أحياناً. انعكاسات المرايا تكشف تعدّدية زوايا الرؤية، كأننا نرى أكثر من نسخة للواقع: صورة داخل صورة، وانعكاس داخل انعكاس، وما يترسّب في الذاكرة.

 

 

استخدام سيارة ثانية للتصوير يضيف بُعداً "عينياً" محايداً. كأن الرحلة مراقَبة من مسافة، فتخلق توازناً بين الشخصي والموضوعي. تنوّع اللقطات (كلوزات تكشف ملامح التوتر على وجه الأب، لقطات واسعة تلتقط امتداد الطريق) يعزّز هذا التوازن. اللون والضوء ينسجان أجواء الرحلة بسحر خفي: في بدايتها، يكسو المشهد ضوء هادئ، ودرجات ألوان رقيقة كهمسات الفجر. ومع انسياب الطريق، تتفتح الألوان تدريجياً، ويزداد الدفء واللمعان، فتشعر كأن كل لحظة تتنفس حياة جديدة، وكل نظرة تحمل إيقاع الزمن والمسافة، وتغمر المشاهد إحساساً بالتحوّل العاطفي المستمر، كما لو أن الطريق نفسه يروي قصته بصمت، والضوء يرافقه كرفيق صادق لا يفارق الرحلة.

البساطة ليست ضعفاً، بل خيار جمالي واع. الفيلم يرفض اللقطات المبهرة، أو الزوايا المعقّدة، لصالح حضور صادق، يجعل المشاهد يشعر أنه يجلس، مع الأب وابنته، في المقعد الخلفي، فتتحوّل الصورة نفسها إلى شهادة حيّة، أكثر من كونها عرضاً فنياً.

بين ضحكات الرحلة وهمسات الأب والابنة، يتحوّل الطريق إلى راوٍ صامت، والوقت إلى متاهة من الذكريات، يُعاد اكتشافها مع كل ميل. العودة إلى الطريق نفسه، بعد عقود، ليست مجرد رحلة مكانية، بل لقاء مع الذاكرة، حيث كل زاوية وكل محطة تستدعي حواراً بين ما مضى وما نعيشه اليوم.

"يلا بابا" فيلم عن الفراغ الكامن بين الكلمات والطرقات، وعن الأماكن التي تتحدث بصمتها قبل أي شخص. ففي كل محطة، يلوح الماضي في الحاضر. وفي كل لقطة، ينسج الزمن خيوطاً جديدة على وجه الطريق، كأنه يرسم أثره قبل أن يغادر. هكذا، يصبح الطريق حكاية تتردّد فينا. نسافر معه، ونغوص داخل أنفسنا في الوقت نفسه.

سؤال يظل يطاردنا بعد انتهاء الفيلم: إذا كان الطريق قادراً على الكلام، فماذا سيبوح عنا نحن؟

 

(*) في الدورة 20 (9 ـ 19 سبتمبر/أيلول 2025) لشاشات الواقع، التي تُنظّمها جمعية متروبوليس ـ بيروت، أقامت سينماتيك بيروت ورشة للنقد السينمائي في السينما المعاصرة، نتجت منها مقالات عدّة، منها ثلاث تنشرها "العربي الجديد"، للمساهمة في نشاطٍ ثقافي سينمائي شبابي. والورشة مُقامَة بإشراف حرمون حميّة والمنذر الدمني ومهدي عواضة، من فريق سينماتيك بيروت.

المساهمون