شهدت الأوساط البرلمانية والثقافية في مصر تحركاً لافتاً، عقب تقدم النائب والممثل ياسر جلال بصفته وكيلاً للجنة الثقافة والسياحة والإعلام في مجلس الشيوخ، بطلب إحاطة يسلّط الضوء على تزايد حملات التشويه والتنمر الرقمي الممنهج التي تستهدف الفنانين والرموز الثقافية عبر منصات التواصل الاجتماعي. وحظي التحرك بدعم من نقابة المهن التمثيلية، ليعيد فتح ملف معقد يتعلق بالموازنة بين حرية النقد الفني المكفولة دستورياً، والجرائم الإلكترونية التي تتخفى تحت عباءة "الرأي والتعبير".
ويطرح الملف تساؤلات عن مدى كفاية البيئة التشريعية الحالية؛ إذ يرى خبراء قانونيون أن التشريعات النافذة، ومنها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقواعد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تتضمن بالفعل عقوبات لجرائم السبّ والقذف والتشهير، غير أن الأزمة تكمن في بطء آليات تفعيلها مقارنة بالسرعة الفائقة لانتشار المحتوى المسيء. وتؤكد النقاشات الدائرة أن حماية الفن لا تعني تحصينه من النقد الموضوعي الذي يثري العمل الإبداعي، بل تستهدف الحد من ظاهرة "التنمر الإلكتروني" القائمة على الإثارة واختراق الخصوصية لجذب المشاهدات والمتابعات وتحقيق الأرباح. وبينما يطالب البعض بتغليظ العقوبات وتحديث التشريعات لمواكبة التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والوسائط الرقمية، يرى آخرون أن تشديد الرقابة الرقمية من جانب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وتكثيف جهود ملاحقة الحسابات الوهمية يمثلان خط الدفاع الأول لحماية مكانة الفن المصري ورموزه من الابتزاز.
وترجمة لهذا التحرك، تقدم شعبان سعيد، محامي نقابة المهن التمثيلية، ببلاغ رسمي إلى النائب العام، نيابة عن نقيب المهن التمثيلية، ضد مالك ومستخدم حساب على منصة إنستغرام يرمز إليه بـ(ك. ب). وحول تفاصيل البلاغ، أوضح الشاكي أنه فوجئ بانتشار مقطع فيديو على الحساب المذكور يهاجم فيه المشكو في حقه الفنانين أعضاء النقابة بألفاظ وعبارات بذيئة، بما يعد تشهيراً وإساءة ونشراً لأخبار ومعلومات كاذبة تضر بهم، فضلاً عن الاعتداء على القيم الأسرية وتوجيه إهانات صريحة إلى نقابة المهن التمثيلية. وطالب البلاغ بسرعة التحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة وإحالة المتهم إلى المحاكمة الجنائية بموجب قانون العقوبات وقوانين تقنية المعلومات والاتصالات.
وأشادت الممثلة إلهام شاهين بالخطوة التي اتخذها ياسر جلال أخيراً، وأوضحت في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد" أن هناك حداً فاصلاً بين النقد الفني البنّاء الذي يتقبله الفنان برحابة صدر، والتجريح الشخصي الذي يتجاوز حدود اللياقة والأخلاق. وأشارت إلى أنها كثيراً ما تتعرض لإساءات من أشخاص يتخفون خلف الشاشات، لا هدف لهم سوى تحقيق المشاهدات والمتابعات على حساب سمعة الآخرين. وأكدت أن التشريعات والإجراءات الصارمة ستجعل كل من يحاول الإساءة يعلم أن عقاباً قانونياً ينتظره.
وأكد الممثل أشرف زكي تضامنه الكامل مع مذكرة النائب ياسر جلال باسم النقابة، مشيراً إلى أن الحفاظ على سمعة المبدعين ومكانتهم مسؤولية أصيلة للنقابة، وأنه لن يُتغاضى مستقبلاً عن أي تجاوز. وتساءل زكي عن الدوافع التي تدفع البعض إلى تشويه الآخرين من دون وجه حق، باستخدام ألفاظ لا تليق بالمجتمع. وكشف أن النقابة تعمل حالياً على رصد وتوثيق مجموعة من المقاطع المرئية التي تتضمن تجاوزات صارخة، لاتخاذ الإجراءات القانونية المباشرة ضد صنّاعها.
وشدد الممثل أحمد عبد العزيز على حق الفنان في ممارسة عمله بكرامة من دون تعرضه للعنف اللفظي، موضحاً أنه عانى شخصياً من حملات تشهير واقتطاع سياق تصرفات تلقائية وغير مقصودة، وكأن هناك "ترصداً واصطياداً للأخطاء". وأبدى عبد العزيز حزنه من مفارقة أن الفنان المصري يحظى بالتقدير والتكريم في مختلف دول العالم، بينما يتعرض أحياناً في وطنه لحملات ممنهجة.
وأكدت الناقدة خيرية البشلاوي أن تحريك المياه الراكدة خطوة ملموسة لنيل كل ذي حق حقه، مشيرة إلى أن ثقافة التشهير والتنمر ليست وجهة نظر، بل جرائم صريحة يعاقب عليها القانون. وأشادت في الوقت نفسه بجهود "مباحث الإنترنت" وتجاوبها مع البلاغات المقدمة من المواطنين والفنانين لحفظ حقوقهم.
وأوضح المحامي بالنقض شريف عبد الرسول، لـ"العربي الجديد"، الأبعاد القانونية لمواجهة هذه الجرائم، مشيراً إلى أن خطوات التوثيق الجنائي تبدأ برصد الروابط (Links) وأخذ لقطات الشاشة (Screenshots)، ثم التوجه مباشرة إلى النيابة العامة أو مباحث الإنترنت للفحص الفني للحسابات، حتى لو كانت وهمية، تمهيداً لإحالة المتهم إلى المحاكمة. ولفت عبد الرسول إلى أن التطور التكنولوجي وتقنيات الذكاء الاصطناعي أتاحت أدوات لتزييف المقاطع الصوتية والمرئية بسهولة، ما يضاعف الخطورة على النسيج المجتمعي. وأكد أنه في حال ثبوت الإدانة، يُحال المتهم إلى المحاكمة الجنائية، وتصل العقوبة في الغالب إلى الحبس مدة ستة أشهر، بالإضافة إلى غرامة مالية تراوح بين 10 آلاف و100 ألف جنيه مصري، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ولم تكن خطوة النقابة وليدة اللحظة، بل سبقتها مبادرات فردية من فنانات قررن مواجهة التجاوزات عبر القضاء. فقد حصلت المطربة أنغام سابقاً على حكم بسجن أحد المسيئين إليها مدة ستة أشهر وتغريمه 20 ألف جنيه مصري، بعد إقامتها دعوى سبّ وقذف ضده لإساءته إليها عبر منصة إكس. كذلك رفضت الممثلة منى زكي التصالح مع أحد المسيئين إليها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتمسكت بمسار التقاضي بعد نشره صوراً غير لائقة لها. وفي السياق نفسه، اتخذت الفنانة ريم البارودي إجراءات قانونية ضد أحد متابعيها على "فيسبوك"، عقب توجيهه عبارات سبّ وقذف بحقها، مؤكدة تمسكها بحقها القانوني قبل أن تقبل اعتذار المتهم لاحقاً.