وقائع اختفاء بدلة رائد الفضاء السوري محمد فارس

11 يناير 2026   |  آخر تحديث: 15:39 (توقيت القدس)
غرافيتي يصوّر محمد فارس في مدينة إدلب، إبريل 2024 (عز الدين قاسم / الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثار اختفاء البدلة الفضائية للواء الطيار محمد فارس استياءً شعبياً ورسمياً، حيث تُعتبر رمزاً لإنجاز علمي سوري في استكشاف الفضاء، مما دفع زوجته للمطالبة بالبحث عنها.
- يشير الباحثون إلى أن اختفاء البدلة يمثل خسارة رمزية ومعرفية، ويؤكدون على ضرورة استعادتها وتسجيل المقتنيات العلمية ضمن سجل وطني لحمايتها.
- أكدت وزارة الثقافة السورية متابعتها للقضية، مشددة على أهمية إنشاء سجل وطني للمقتنيات العلمية لحماية الإرث العلمي ومنع تكرار الحوادث.

أثار اختفاء البدلة الفضائية التاريخية للواء الطيار السوري محمد فارس (1951 - 2024)، أول رائد فضاء سوري، موجة من الاستياء الشعبي والرسمي، وسط مطالبات متزايدة بفتح تحقيق عاجل لاستعادتها، وحماية ما تبقى من الإرث العلمي الوطني.

وبينما تتصاعد الأسئلة حول مصير مقتنيات هي من رموز الذاكرة العلمية السورية، تتكشف على السطح قضية أوسع تتعلق بالإهمال المزمن الذي طاول الرموز العلمية والثقافية خلال سنوات الاضطرابات.

القضية التي بدأت بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، تحوّلت سريعاً إلى قضية رأي عام، أعادت إحياء السجال حول كيفية تعامل السلطات مع الإرث العلمي. فالبدلة الفضائية التي ارتداها محمد فارس خلال رحلته إلى الفضاء عام 1987 ليست مجرد قطعة لباس، بل شاهد على إنجاز علمي وضع سورية ضمن الدول التي شاركت في استكشاف الفضاء.

في منشور لافت، كشفت زوجته هند عقيل عبر "فيسبوك"، في الثالث من يناير/كانون الثاني الحالي، أن البدلة الأصلية لزوجها، إلى جانب بدلة زميله الرائد الاحتياطي منير حبيب، اختفتا من مكان حفظهما المعروف. وقالت إن البدلتين كانتا محفوظتين في المتحف الوطني في دمشق، قبل أن تظهر صورتهما ملقاتين في أحد شوارع العاصمة عقب سقوط نظام الأسد. 

وأضافت أنها خاطبت جهات رسمية عدة خلال الفترة الماضية للمطالبة بالبحث عنهما، من دون أن تتلقى أي استجابة، معتبرة أن ما حدث يمثّل "تعدياً واضح على إرث وطني لا يخص عائلة محمد فارس وحدها، بل جميع السوريين".

يقول الباحث في التاريخ مروان الكريم، في حديث إلى "العربي الجديد"، إن اختفاء البدلة لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل هو خسارة مزدوجة للقيمة الرمزية والمعرفية: "هذه البدلة وثيقة تاريخية نادرة تجسد مرحلة مهمة من تاريخ العلم السوري. الدول التي تحترم تاريخها العلمي تتعامل مع مقتنيات روادها على أنها جزء من الهوية الوطنية، وليست معروضات يمكن التفريط بها".

ويشير إلى أن بدلة فارس كان يفترض أن تخضع لإجراءات حفظ دقيقة وأن تُسجَّل رسمياً ضمن سجل وطني خاص بالمقتنيات العلمية، بما يضمن حمايتها من الإهمال. ويرى أن استعادة البدلتين خطوة ضرورية لإعادة الاعتبار للعلم والعلماء في الوعي العام السوري، بعد سنوات طويلة من التسييس والإقصاء.

أكدت مصادر في وزارة الثقافة السورية لـ"العربي الجديد" أن الوزارة تتابع ما أثير حول اختفاء البدلتين، وتتعامل مع الملف بوصفه مساساً بأحد أبرز رموز التراث العلمي السوري. وقال مصدر فضّل عدم الكشف عن اسمه إن الجهات المعنية باشرت جمع المعلومات الأولية حول ظروف فقدان المقتنيات والتحقق من أماكن حفظها السابق، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وشدد المصدر على أن الوزارة تعتبر المقتنيات العلمية "ملكية عامة لا يجوز التفريط بها"، مؤكداً وجود تنسيق مع جهات أخرى مسؤولة عن المتاحف والتراث بهدف تتبع مصير البدلتين وإعادتهما إلى المتحف الوطني وفق معايير الحفظ المتحفي.

وأضاف أن القضية تفتح مجدداً ملف حماية الإرث العلمي السوري، والحاجة الملحة لإنشاء سجل وطني شامل للمقتنيات العلمية البارزة يمنع تكرار مثل هذه الحوادث ويحافظ على ذاكرة البلاد العلمية بوصفها جزءاً من تاريخها وهويتها.

الراحل محمد فارس أول رائد فضاء سوري وثاني رائد فضاء عربي، بعد مشاركته عام 1987 في مهمة فضائية على متن المركبة السوفييتية سويوز TM-3 إلى محطة مير، حيث أجرى تجارب في مجالات الطب والفيزياء وعلوم الفضاء على مدى ثمانية أيام.

تعرّض فارس بعد عودته من رحلته الفضائية للتهميش من النظام السوري الذي حاول التعتيم على إنجازه، ووصف العالِم السوري ذلك بأنه كان تهميشاً متعمداً من رأس النظام. كما أن فارس أُقصي عن معظم اللقاءات الروتينية التي كانت تتم احتفاءً برواد الفضاء خارج سورية، وعن لقاء جمع الرئيس آنذاك حافظ الأسد مع رواد الفضاء الروس الذين كانوا برفقته.

وبعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، أعلن انشقاقه عن النظام وغادر إلى تركيا حيث عاش حتى رحيله عام 2024. وخلال تلك الفترة، أقدم النظام السابق على حذف إنجازه من المناهج الدراسية وإزالة مقتنياته من العرض العام، في خطوة اعتبرها كثيرون محاولة لطمس رمز علمي بسبب موقفه السياسي.

المساهمون