"ورق تواليت"... الشخص الوحيد المستيقظ بين الجميع

02 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:51 (توقيت القدس)
من أعمال المعرض (موقع المتحف)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يستضيف معرض "ورق تواليت" في ستوكهولم أعمال الثنائي ماوريتسيو كاتيلان وبيرباولو فيراري، حيث يواجه الزوار مشاهد غير مألوفة تهدف لكسر القواعد الجمالية التقليدية وإثارة الدهشة والارتباك.
- تأسست مجلة "ورق تواليت" عام 2010 كمشروع بصري يدمج بين الإعلانات المبهجة والسخرية، ويعتمد على الصناعة اليدوية لمواجهة الثقافة البصرية الرقمية المعاصرة.
- يعكس المعرض نقداً لعصر الاستهلاك، حيث يخلط بين المتعة والابتذال، ويثير تساؤلات حول الفن وحدود الصورة ودور السخرية كأداة نقدية.

استضافت مؤسسة فوتوغرافيسكا في ستوكهولم معرضاً تحت عنوان ورق تواليت (TOILETPAPER). في هذا المعرض، يواجه الزائر مشهداً غير مألوف، يتمثل في مسبح ضخم ممتلئ بآلاف من الموز البلاستيكي، وجدران تغطيها صور مُبهجة وصادمة. الصور هنا ليست خدعة فوتوشوب، ولا لعبة بصرية صنعتها تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل إنّها جزءٌ من المعرض الذي يقدمه الثنائي الإيطالي؛ ماوريتسيو كاتيلان أحد أكثر الفنانين شهرة في العالم المعاصر، وبيرباولو فيراري المصوّر الذي عُرف بقدرته على تحويل أبسط المشاهد اليومية إلى صور مشبعة بالسخرية.

الاثنان أسّسا عام 2010 مجلة ورق تواليت لتكون مشروعاً بصرياً خارجاً عن المألوف، يواجه ما اعتبراه آنذاك جمود العالم الفني المحافظ. ومنذ ذلك الحين، تحولت المجلة إلى علامة فارقة في الثقافة البصرية، إذ تجمع بين لغة الإعلانات المبهجة والسخرية اللاذعة.
يصف كاتيلان تجربة الدخول إلى المعرض بأنها تشبه الدخول إلى أفضل حفلة في حياتك، لكنك بعد قليل ستكتشف أنك الشخص الوحيد المستيقظ وسط الجميع. فعلى امتداد القاعات، يتنقل الزائر بين مشاهد تتراوح بين الطرافة والصدمة، إذ تمتلئ الصور بألوان صارخة وديكورات مبالغ فيها، وأجساد وأشياء موضوعة في تكوينات تُشعر المتلقي بالدهشة والارتباك في آن. لكن ما يبدو للوهلة الأولى فوضى بصرية، يخفي وراءه مقصداً فنياً واضحاً، وهو كسر كل القواعد الجمالية المألوفة، وترك الزائر يواجه الصور من دون دليل أو شرح. فالمعرض لا يقدّم هنا نصوصاً تفسيرية، ولا يفرض على الجمهور معنى محدداً، كما أن كل مشهد مفتوح على احتمالاته الخاصة.
المعرض ليس مجرد ألعاب بصرية للترفيه، بل محاولة لطرح أسئلة حول ثقافة الصورة اليوم، ففي الوقت الذي تسود فيه الصور الرقمية والفلاتر المعدّلة والتجارب الافتراضية، يصرّ الثنائي على صناعة كل عنصر بأيديهم في الاستوديو بميلانو، من الفواكه البلاستيكية إلى الخلفيات المرسومة، مروراً بأدق التفاصيل. لا وجود هنا للحيل الرقمية أو البرامج الذكية في هذه الأعمال، بل هناك رهان على الحِرفية اليدوية التي تذكّر بجذور التصوير والإعلان. ولعل هذا الإصرار على الواقعي المصنوع يضع المشروع في مواجهة مباشرة مع الثقافة البصرية المعاصرة، التي تتسارع فيها عمليات التعديل الرقمي حتى تفقد الصورة معناها الأصلي. هنا، تصبح السخرية أداة مقاومة، والصورة المصطنعة وسيلة لفضح الصور المصقولة التي يضخّها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
لا يخلو المعرض في الحقيقة من طابع عبثي، لكنّه يطرح نقداً لاذعاً لعصر الاستهلاك، فتختلط المتعة بالابتذال، والبهجة بالتفاهة. المسبح المليء بالموز قد يبدو مشهداً مضحكاً، لكنه يذكّر في الوقت نفسه بفكرة الوفرة المبالغ فيها والإغراق السلعي الذي لا يخلو من عبث. كذلك، فإنّ التكوينات البصرية الغريبة تدعو المشاهد إلى التساؤل: هل نحن أمام احتفال بالحياة أم محاكاة ساخرة لانهيار القيم البصرية؟
يُشير اسم المجلة التي أسسها الثنائي الإيطالي (ورق تواليت) إلى فكرة الاستهلاك السريع للصورة، كأنها شيء مؤقت يختفي بعد لحظة. واليوم، يحوّل المعرض هذه الفكرة إلى تجربة متحفية، فتُستحضر صور المجلة إلى فضاء ثلاثي الأبعاد. وكأنّ المجلة، التي اعتاد الناس على طيها ورميها بعد مُطالعتها، قررت أن تنقلب على نفسها وتصبح عالماً قائماً بذاته، كما أن اختيار مؤسسة فوتوغرافيسكا، وهي من أبرز المؤسسات العالمية المتخصّصة في الفوتوغرافيا والفنون البصرية، ليس صدفة. فالمؤسسة عُرفت بفتحها الأبواب أمام المشاريع الجريئة وغير التقليدية، التي تتجاوز حدود الفوتوغرافيا إلى فضاءات الفن والسينما والتصميم.
معرض ورق تواليت يندرج ضمن هذا التوجه، إذ يمزج بين روح العرض الفني والتجربة الجماهيرية، ليضع الزائر في خضم احتفال بصري مُلهم، وغير تقليدي. هو عرض يترك الزائر بين الضحك والارتباك، أو بين الانبهار والشك.

فهو يقدّم نفسه فضاءً للمتعة واللعب، لكنّه في العمق يفتح باب الأسئلة حول معنى الفن اليوم، وحدود الصورة، ودور السخرية بوصفها أداة نقدية. لهذا، قد يخرج الزائر من هذا المعرض وهو غير متأكد إن كان قد حضر عرضاً فنياً أم شارك في لعبة بصرية ساخرة. لكنّه بالتأكيد، لن ينسى تلك الصور التي تُشبه علامات استفهام كبيرة حول علاقتنا المعاصرة بالصورة والفن.

المساهمون