استمع إلى الملخص
- التحالف بين وزارة الأمن الداخلي وشركات التكنولوجيا أدى إلى ديناميكيات جديدة، حيث أصبحت استهداف المهاجرين مشروعاً مربحاً. تلعب "بالانتير" دوراً محورياً في بناء أنظمة التحليل، بينما توفر "أمازون" البنية التحتية السحابية.
- العقود التقنية تشمل مئات الشركات، و"أمازون" تلعب دوراً غير مرئي في شبكة الترحيل، مما يعكس تحولاً في إدارة الهجرة ويثير تساؤلات حول الخصوصية وحقوق المهاجرين.
من مراكز البيانات المكيّفة شمال فرجينيا إلى مراكز الاحتجاز على الحدود، تمرّ حياة المهاجرين في الولايات المتحدة اليوم، عبر شيفرات تكتبها شركات وادي السيليكون. لم تعد وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) تعتمد فقط على ضباط مسلّحين وحافلات ترحيل، بل على بنية تحتية رقمية هائلة بنتها شركات تقول عن نفسها إنها "تغيّر العالم نحو الأفضل"، بينما تحوّل أجساد المهاجرين إلى صفوف في قواعد بيانات.
بحسب تقرير بحثي أعدّته منظمات مهاجرين أميركية، بالتعاون مع شركة الأبحاث Empower، باتت الهجرة "بيزنس بيانات" بالمعنى الحرفي؛ نحو 10% من ميزانية وزارة الأمن الداخلي المخصّصة بـ44 مليار دولار تُنفق على إدارة البيانات وحدها، من بينها أنظمة متركزة على تعقّب الأشخاص وتحليلهم. في قلب هذه المنظومة تبرز شركتان: "أمازون ويب سيرفيسز" (AWS) مزوّدة أساسية للحوسبة السحابية، و"بالانتير" شركة البرمجيات التي تبني أنظمة إدارة القضايا والتحليل لصالح ICE وغيرها من وكالات إنفاذ القانون.
يشرح التقرير أن هذا التحالف بين الأمن الداخلي ووادي السيليكون خلق ديناميكيات، ترجمت بعقود قيمتها مليارات الدولارات وضغط سياسي، جعل من استهداف المهاجرين مشروعاً مربحاً طويل الأمد، لا مجرد سياسة عابرة لإدارة بعينها.
تتولّى "بالانتير" بناء نظام إدارة القضايا الأساسي لدى ICE، المعروف باسم Integrated Case Management (ICM)، الذي يوصف بأنه أداة إنفاذ القانون المركزية لدى وحدة التحقيقات في الوكالة. النظام يربط بين قواعد بيانات محلية وولائية وفيدرالية، إضافة إلى قواعد بيانات تجارية، وقاعدة البيانات الجنائية الفيدرالية، ليُنتج ملفاً واحداً "شخصانياً" لكل مهاجر يمكن تعقّبه عبره.
ICM يعمل جنباً إلى جنب مع نظام آخر من "بالانتير" هو FALCON-SA، أداة تحليل تسمح للعملاء بربط النقاط، ورسم شبكات العلاقات، وإنتاج تقارير استخبارية جاهزة للاستخدام في المداهمات، أو قرارات الترحيل. هذه الأنظمة لا تكتفي بما لدى الدولة من معلومات؛ بل تغرف من فواتير الكهرباء، وسجلات المركبات، وبيانات الملكية، ومزوّدي الاتصالات، وحتى الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، لتوسّع دائرة الاشتباه من الفرد إلى عائلته، و"أصدقائه"، وكل من يظهر في محيطه الرقمي.
العقود هنا ليست رمزية. فمنذ 2014 حصلت "بالانتير" على عقد بعشرات الملايين من الدولارات لتحديث نظام TECS القديم لصالح وكالة الهجرة والجمارك الأميركية. وفي قرار حديث، دفعت الوكالة 30 مليون دولار إضافية للشركة لتطوير منصة جديدة تحمل اسم ImmigrationOS، تهدف إلى إعطاء "آيس" رؤية شبه لحظية لحالات "المغادرة الذاتية"، وترتيب أولويات الترحيل، مع تركيز خاص على من يتجاوزون مدّة التأشيرة، وفق وثيقة تبرير رسمية نشرتها الحكومة الفيدرالية.
إذا كان "دماغ" الترحيل يدار ببرمجيات "بالانتير"، فإن ذاكرته تعيش في سحابة "أمازون". AWS هي المزوّدة الأساسية لخدمات الحوسبة السحابية لوزارة الأمن الداخلي؛ حيث تُنقل أنظمة كبرى مثل ICM إلى منصة "غوف كلاود"، التابعة لـ"أمازون"، لتصبح ملفات المهاجرين -بما تتضمنه من بيانات بيومترية وشخصية- مخزّنة على خوادم شركة تجارية خاصة.
التقارير المتاحة تشير إلى أن وزارة الأمن الداخلي تخطّط لنقل محفظتها التقنية كاملة، تقريباً، إلى السحابة خلال سنوات قليلة، وقد منحت بالفعل عقوداً بملايين الدولارات لـ"أمازون"، و"أدوبي"، و"آي بي إم"، و"أوراكل"، و"سيلزفورس" و"زوم" وغيرها. لكن "أمازون" تظلّ اللاعب الأكبر، ما يجعلها فعلياً "حارسة" البيانات التي تسمح بالاعتقال والترحيل.
المفارقة أن "أمازون" لا تظهر دائماً باسمها في العقود المرتبطة بالـ ICE؛ فالعديد من الشركات التي تتعامل مع الوكالة تعتمد على AWS في البنية التحتية، من "بالانتير" نفسها إلى شركات أصغر توفّر برمجيات للشرطة ونقل البيانات. بهذه الطريقة تصبح الشركة جزءاً غير مرئي من شبكة الترحيل، حتى عندما لا يُذكر اسمها في العقود مباشرة.
وراء الأسماء الكبيرة، تكشف بيانات حصلت عليها منظمة "ميجنتيه" (Mijente)، عبر قانون حرية المعلومات، عن نحو 500 عقد تقني مع وكالة الهجرة والجمارك الأميركية، تشمل ما يقرب من 200 شركة. بعض هذه العقود تغطي "يوميات" التشغيل: شركة نفقات سفر تدير رحلات موظفي الوكالة، ومزوّد إنترنت، وشركة لاستضافة المراكز البيانية. لكن أخرى أكثر حساسية: شركات تحليل بيانات، ومزوّدو برمجيات للشرطة يمكن ربطها مباشرة بقاعدة بيانات المهاجرين.