هوليوود وترامب: حرية أقل... حذر أكثر

02 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
انتقل رايان غوسلينغ وإيفا مينديز مع طفليهما إلى لندن (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد هوليوود تحولات كبيرة مع عودة ترامب، حيث أصبحت الأجواء السياسية تؤثر على صناعة الترفيه، مما أدى إلى رقابة ذاتية وتجنب المواضيع المثيرة للجدل، مع تراجع في تعزيز التنوع والشمول.
- أثرت هذه التغيرات على نوعية الأفلام والمسلسلات، حيث أصبحت أكثر محافظة، وطلبت بعض الاستوديوهات تجاهل موضوع العرق عند اختيار الممثلين، مما يعكس تغييراً عن السياسات السابقة.
- يزداد عدد المشاهير الذين يفكرون في مغادرة الولايات المتحدة بسبب السياسات الجديدة، مما يعكس شعوراً بالإرهاق والخوف من الضغوط السياسية والاقتصادية.

تشهد هوليوود تحوّلات عدة مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، حيث بدا أن الأجواء السياسية الجديدة تلقي بظلالها على صناعة الترفيه الأميركية. في فترة رئاسته الأولى، اتحد الكثير من رؤساء الاستوديوهات والشخصيات البارزة في هوليوود علناً ضد سياسات ترامب، وانتقدوا علانية إجراءاته المتعلقة بقضايا مثل حقوق المهاجرين والتغير المناخي. كما شهدت تلك الفترة ظهور مسلسلات وأفلام واجهت السياسات المحافظة بصراحة، من بينها حلقات من مسلسلات شهيرة مثل The Good Fight، التي تناولت قضايا سياسية شائكة ووجهت انتقادات علنية لسياسات الإدارة الجمهورية.
لكن في عهد ترامب الثاني، يبدو أن هوليوود بدأت في اتخاذ مسار مختلف تماماً. وفقاً لتقارير صحافية، باتت الاستوديوهات والشركات الترفيهية الكبرى أكثر حذراً في تعاملها مع المحتوى السياسي، مع تراجع واضح في الجهود المؤسسية التي كانت تهدف إلى تعزيز التنوع والمساواة والشمول (DEI). ويتحدث بعض الكتاب والمنتجين عن ضغوط غير مباشرة يمارسها المسؤولون التنفيذيون لتجنب المواضيع المثيرة للجدل أو التي يمكن أن تُفسر على أنها نقد للإدارة الجمهورية الجديدة، ما أدى إلى رقابة ذاتية متزايدة بين صناع المحتوى.
تُظهر هذه التحولات أن هوليوود لم تعد تتمتع بالحرية ذاتها في طرح المواضيع الليبرالية أو الداعمة لحقوق الأقليات والمجتمعات المهمشة. في سياق محاولاتها لتجنب إثارة غضب الإدارة الجديدة، تسعى بعض الشركات لتعديل المحتوى بشكل يجعلها تبدو "محايدة" أو ذات جاذبية أوسع من دون أن تُسبب استياء جمهور محدد. وقد باتت هذه الإجراءات تشمل توجيهات من بعض الاستوديوهات للكتّاب والمخرجين بعدم التركيز على موضوعات مثل العدالة الاجتماعية أو قضايا المثليين والمتحولين جنسياً.
وفقاً لتقرير نُشر على موقع "بيزنس إنسايدر"، فإن منتجين واستوديوهات قد طلبوا من كتّاب تعديل خطوط القصة أو حذفها بالكامل، خصوصاً تلك التي تتناول موضوعات متعلقة بالمثليين أو العدالة الاجتماعية. حتى شخصيات المتحولين جنسياً تُقدّم الآن بشكلٍ أقل إيجابية، وسط مخاوف من إثارة غضب مؤيدي ترامب. وقد جاء في التقرير أن استوديوهات كبرى طلبت من المنتجين أن يتجاهلوا موضوع العرق" عند اختيار الممثلين، وهو تغيير كبير عما كان يُروَّج له سابقاً، حيث كان يتم التركيز على ضرورة تمثيل الأقليات وتحقيق التنوع العرقي والثقافي.
ويبدو أن هذا التحول لا يقتصر على شركات الإنتاج الكبرى وحدها، بل يمتد أيضًا إلى الأفلام المستقلة التي كانت تُعتبر دائماً أكثر تحرراً في توجهاتها الفنية.
يُظهر المشهد العام حالة من الحذر الشديد لدى شركات الإنتاج، التي باتت تفضل الابتعاد عن المواضيع المثيرة للجدل خوفاً من ردود فعل سياسية أو اقتصادية سلبية. هذا التغير في السياسة التحريرية للشركات قد أثر أيضاً على نوعية الأفلام والمسلسلات التي تُعرض، مما جعلها أكثر محافظة وأقل جرأة على استكشاف مواضيع اجتماعية حساسة.
بالتوازي مع هذه التغيرات، يتزايد عدد المشاهير الذين قرروا مغادرة الولايات المتحدة، أو على الأقل التفكير في ذلك بجدية. المغنية كورتني لوف تسعى للحصول على الجنسية البريطانية، بينما انتقل الزوجان إلين ديجينيرس وبورتيا دي روسي إلى المملكة المتحدة. ومن بين المغادرين أيضًا رايان غوسلينغ وإيفا مينديز اللذان انتقلا مع طفليهما إلى لندن، وروزي أودونيل التي قررت الانتقال إلى أيرلندا بسبب مخاوفها على طفلها غير الثنائي الهوية، وفق تقرير نشر قبل أسبوعين في صحيفة ذا غارديان البريطانية.
لا يُشكل عدد هؤلاء المشاهير موجة واسعة، لكنه يبقى لافتاً في ظل صمت نسبي من هوليوود تجاه سياسات ترامب الجديدة. يُشير هذا الصمت إلى شعور عام بالإرهاق وربما الخوف من أن يكون فوز ترامب في 2016 لم يكن استثناءً كما كان يُؤمل. ومع تصاعد الضغوط على هوليوود للتماشي مع توجّه المحافظين، يبدو أن هناك حالة من الإحباط والقلق لدى أولئك الذين كانوا يدفعون باتجاه التنوع والشمول.
من ناحية أخرى، يرى بعض النقاد أن هذه التحولات تعكس تحولًا اقتصاديًا بقدر ما هو سياسي. في الوقت الذي تواجه فيه منصات البث تحديات مالية وتسعى لتحقيق الأرباح، باتت الشركات أكثر حذراً في استثماراتها، مفضلةً إنتاج محتوى "بجاذبية أوسع" يمكنه الوصول إلى قاعدة جماهيرية أوسع دون إثارة استياء أي طرف سياسي.
تتضح هذه التحولات أيضًا في تراجع المبادرات المتعلقة بالتنوع والشمول، والتي كانت تمثل محوراً رئيسياً لجهود العديد من الشركات قبل بضع سنوات فقط. يعبّر البعض عن خيبة أملهم من هذا التراجع، بينما يرى آخرون أن الاستديوهات تحاول ببساطة تجنب مواجهة سياسية مع إدارة تبدو أكثر عدوانية تجاه الأقليات والمجتمعات المهمشة.

يبقى السؤال الآن عما إذا كانت هوليوود ستستطيع التكيف مع هذه التحولات السياسية والاقتصادية، أم أن المزيد من المشاهير والعاملين في الصناعة سيقررون الانسحاب، سواء من خلال التزام الصمت أو حتى مغادرة الولايات المتحدة بالكامل. قد يكون مستقبل هوليوود مرتبطاً بقدرتها على التوازن بين حاجتها الاقتصادية للمحافظة على قاعدة جماهيرية واسعة، ورغبتها في الحفاظ على قيم التنوع والشمول التي لطالما مثلتها.
في ظل هذه التحديات، يبدو أن صناعة الترفيه الأميركية تجد نفسها عالقة بين الضغط السياسي المتزايد والمخاوف الاقتصادية، مما يضعها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الحفاظ على استقلالها الفني وتوجهاتها التحريرية.