ليست إنتاجات هوليوود مجرد وسيلة ترفيه، بل منظومة متكاملة لتشكيل الوعي الجمعي، وإعادة كتابة التاريخ عبر صناعة الأبطال والأشرار. وعلى الرغم من أن فيلم "الأوديسة" لكريستوفر نولان لا يتناول شخصية معاصرة، أو من التاريخ القريب، إلا أنه يمكن اعتباره نموذجاً لكيفية تحويل المُعتدي إلى ضحية، وتحويل الجريمة إلى مجرد أزمة نفسية، بينما يختفي الضحايا تماماً. يظهر "أوديسيوس" باعتباره قائداً عسكرياً أنهكته الحرب، ويعاني لأنه لم يدفن جنوده، بينما يتجاهل الفيلم دماء الآلاف من أهل طروادة. يبكي أوديسيوس بينما يتأمل جثث جنوده، لكنه لم يذرف دمعة واحدة على النساء اللواتي اغتُصبن، أو الأطفال الذين تحولوا إلى عبيد، أو على مدينة أُحرقت بالكامل وقتل الآلاف من سكانها.
ليس هذا غريباً على نولان، ففيلمه السابق "أوبنهايمر" (2023)، نموذج مثالي للتعبير عن غسل السمعة، فالفيلم قدم مخترع القنبلة الذرية روبرت أوبنهايمر (1904-1967) باعتباره عالماً عبقرياً يتألم لأن اختراعه قتل مئات الآلاف، بينما لا وجود بالمرة لأي من الأطفال أو النساء أو المسنين الذين ذابت أجسادهم، ولا مدينتي هيروشيما وناغازاكي اللتين دمرتا. لا يوجد ياباني واحد في الفيلم يملك اسماً أو وجهاً أو حكاية، وإنما هم مجرد رقم في خطاب سياسي، أو إحصائية تُذكر على عجل في جلسة استماع.
يدرك المخرج أن وجود الضحايا سيُفسد الحبكة، إذ كيف يتعاطف المشاهد مع أوبنهايمر عندما يرى جثث الأطفال القتلى؟ هو اختار عن وعي كامل التركيز على إبراز بكاء البطل، رغم أنه بكاء انتقائي. تماماً كما يفعل الإعلام الغربي حالياً في البكاء على الدماء الأميركية أو الإسرائيلية، في مقابل تجاهل الدماء الفلسطينية، أو اللبنانية، أو الإيرانية.
ويضم تاريخ السينما الكثير من هذا النوع من التزييف، وتكاد تمارسه كل مراكز الصناعة، من بوليوود الهندية في تقديمها للباكستانيين، أو السينما الكورية الجنوبية في تقديمها للكوريين الشماليين، أو الأفلام الحربية اليابانية والصينية. لكن تظل هوليوود الأكثر ارتكاباً لتلك الجرائم الفنية، ربما لجهة حجم الإنتاج الكبير، أو التدخل الأميركي في عشرات الدول حول العالم. تُمارس استوديوهات هوليوود منذ عقود طويلة هذا النوع من التزييف، فأعداء أميركا لا يقتلون بالسلاح وحده، بل يشوهون أيضاً على الشاشة. إنها جريمة تمارسها منظومة إنتاج كاملة مستخدمة عدداً من كبار المخرجين.
يُعَدّ "إنقاذ الجندي رايان" (1998)، للمخرج ستيفن سبيلبرغ، من أشهر أفلام غسل السمعة. تركز الحبكة الأساسية على أزمة القائد العسكري الذي يعاني لأنه مضطر إلى إرسال ثمانية من جنوده لإنقاذ جندي واحد. حاول سبيلبرغ إقناع المشاهد بأن الحرب العالمية الثانية كانت مأساة إنسانية عانى منها الجنود الأميركيون، وليست مسرحاً لعشرات الجرائم التي ارتكبوها، وكرر أنهم أخلاقيون، بينما الألمان مجرد آلات قتل. لذا، لا نرى شخصية ألمانية واحدة تمتلك قصة، أو عائلة، أو حتى سبباً للقتال. هم فقط العدو الذي يجب قتله.
في فيلم "الناجي الوحيد" (2008)، لبيتر بيرغ، يتولى جنود أميركيون مهمة إنقاذ جندي نجا من الموت على أيدي الجهاديين الأفغان، وخلال الأحداث يقرر الجنود عدم قتل راعٍ أفغاني وطفليه، لأنهم أخلاقيون، لكن الراعي يبلغ المقاتلين عنهم. في نهاية الأحداث، ينقذ أفغاني الجندي الأميركي، في رسالة مفادها بأن الأفغاني الطيب هو الذي ينقذ الأميركي، بينما الأفغاني الشرير هو الذي يقاتله. لا يسأل الفيلم: ماذا يفعل هؤلاء الجنود في أفغانستان؟ أو من أعطاهم الحق في احتلال أراضي الأفغان أو قتلهم؟ فالهدف تقديم المقاوم بوصفه إرهابياً.
يعتمد فيلم "صائد الغزلان" (1978)، للمخرج مايكل تشيمينو، سردية صدمة الجندي الأميركي وسيلة لإخفاء الجرائم المرتكبة، إذ اخترع الفيلم أسطورة لعبة الروليت التي يُجبر المقاتلون الفيتناميون الأسرى الأميركيين على لعبها، والهدف تقديمهم كشياطين قساة، بينما الجندي الأميركي ضحية دمرت الحرب روحه.
يتناول فيلم "مولود في الرابع من يوليو" (1989) من إخراج أوليفر ستون، قصة جندي أميركي أصيب بالشلل في حرب فيتنام، بينما يغيب الفيتناميون تماماً، وتقدم الحرب باعتبارها خطاً سياسياً، لا جريمة احتلال دمرت بلداً كاملاً. لا يسأل الفيلم لماذا قُتل ثلاثة ملايين فيتنامي؟ أو لماذا استخدم الجيش الأميركي النابالم؟ فالهدف تقديم مأساة الجنود، والتغطية على الجريمة.
يتكرر هذا النمط في معظم الأفلام التي تتناول الحرب في العراق وأفغانستان والصومال، فالاحتلال مهمة تحرير، والمقاومة إرهاب. يُظهر فيلم "سقوط الصقر الأسود" (2001) للمخرج ريدلي سكوت، حول معركة مقديشو 1993، أن مهمة الجنود الأميركيين حماية شحنات المساعدات الغذائية، بينما الصوماليون شخصيات غاضبة تتملكها الرغبة في القتل. يركز الفيلم على مقتل 18 جندياً أميركياً، ويُهمش مقتل أكثر من ألف صومالي، من بينهم أطفال ونساء.
ويقدم فيلم "القناص الأميركي" (2014) إخراج كلينت ايستوود، احتلال العراق باعتباره حرباً ضرورية يخوضها أبطال يدافعون عن الحضارة. يتناول الفيلم سيرة كريس كايل، أشهر قناص في الجيش الأميركي، الذي قتل، بحسب مذكراته، 255 عراقياً على الأقل. لا يتوقف الفيلم عند تغييب الضحايا، بل يُقدمهم أهدافاً مشروعة، أو ضحايا عابرين.
تتعمد هوليوود إبقاء الضحية في الظل، فالمطلوب بعد احتلال الأرض، احتلال السردية أيضاً، ولو كانت محايدة لرأينا عشرات الأفلام التي تقدم من منظور الضحايا. عن طفل من هيروشيما احترق بالقنبلة الذرية، أو فيتنامي شهد ذبح أهل قريته، أو عائلة عراقية مُحيت في قصف أميركي. يغيب الضحايا لأنهم لا يملكون استوديوهات سينمائية ضخمة تروي قصصهم، وتسود رواية المحتل، بينما الأصل، أن السينما العظيمة هي التي تمنح الكاميرا للضحايا.