استمع إلى الملخص
- يعاني الفيلم من ضعف في السرد البصري والدرامي، حيث لا توجد دلالات سردية أو تشويقية واضحة، مما يجعله يبدو كأنه مجموعة من المشاهد المنفصلة.
- رغم مشاركة نجوم لامعين، إلا أن الأداءات جاءت باهتة والنصوص غير مقنعة، مما أدى إلى تجربة سينمائية غير مرضية للجمهور.
أحد معايير المُشاهدة السينمائية أنْ يتساءل المُشاهد، متلهّفاً، عمّا سيحصل بعد ذلك، مُتكئاً في سؤاله على المقدّمات الدرامية التي تريد شدّه إلى المتابعة، فتقوده من ثم إلى الدهشة والإعجاب. هذا سعي معظم كتّاب السيناريو والمخرجين، ما يُرسِّخهم صنّاعَ فرجة وبهجة.
لكنْ، بعد نهاية "هولاند" (2025) لميمي كايف، يحاول المُشاهد تذكّراً تسلسلياً لحكاية، وُصفت بالتشويق النفسي وهو معيار توصيفي للتسويق، فيكتشف أنْ لا تسلسلَ حكائياً، حتى لو لم يكن منطقياً، يُقدّم الحكاية لتُفهم بصرياً، أو سمعياً بصرياً. ما يعيدنا مرة أخرى إلى محاولة تفسير هذه البعثرة الحكائية للدراما، على أنها مسلسل تلفزيوني، ثم اختصار (لا تكثيف) مَشاهدها، لتقترب من زمن فيلمٍ سينمائي عادي.
على أساس هذا "الاتهام"، يمكن القول إنّ الحكاية الدرامية لم تصل، لا بالسرد المشهدي، ولا بتوصيف يُقدّم الفيلم على أنّه دراما نفسية مشوّقة، إذْ لا شيء يشير إلى أنّ نانسي (نيكول كيدمان) مُصابة بأي نوع من الضغوط النفسية، كي تنطلق شرارة تشعل الصراع الذي تعيشه مع نفسها، فتُنسج حكاية درامية يُمكن سردها بصرياً. امرأة تعيش حياة رغيدة، من دون ضغوط مادية أو نفسية، مع زوجها فْرِد (ماثيو ماكْفادْيِن)، طبيب العيون.
تبدأ حكايتها باتّهام عاملتها المنزلية بسرقة قرط لؤلؤي، ثم تختفي هذه العاملة المنزلية من الفيلم برمّته، مُتعرّضة للنسيان الدرامي، لتنتقل من دون أي تمهيد إلى عرضٍ، مُبتذل درامياً، لعلاقة بزميلها المُدرّس دايف ديلغادو (غايل غارسيا بيرنال)، بحجة شكّها في أنّ لزوجها علاقة خارج الزواج، وتقنعه عنوة بمساعدتها في كشف تصرّفاته، فتبدأ معه غزو عيادته وتفتيشها بحثاً عن أدلة، بعد أنْ أخبرت زوجها أنّها مغادرة البلدة لزيارة أصدقاء، ليتفاجأ الزوج أنّ صديقتها، التي يُفترض بها بحسب علمه السفر معها، تطلبه بشكل طارئ لإسعاف ابنها (هذه الشخصية تختفي أيضاً، من دون سبب أو دور)، فيعرف أنّ زوجته تشكّ فيه. لذا، ينهي الموضوع معها بإيجابية، ويتفقان على الاستمرار في العيش معاً، فاتِحَين صفحة جديدة.
تستمر هي في إيقاع زميلها المُدرّس الذي بات عشيقها، للإمعان بمراقبة زوجها، فيتورط العشيق بإنقاذها من قاتل متسلسل، يذبح ضحاياه بالسكين، ويسيّل دماءهم، بشهادة كلاب تلحسها. هكذا، بكل سذاجة حكائية، تتقافز من تهمة إلى حدث فتهمة جديدة. يقتل العشيق الزوج، بعد مشاهدته يذبح امرأة، لم تظهر في الفيلم، ثم يغرقها في بحيرة، في مشهد مُفكّك وساذج للغاية، ويغادر مكان الجريمة. ثم يظهر الزوج القاتل مهاجماً زوجته وابنه في مكان غير معروف له، وينتهي المشهد بعراك بسيط بين الزوجين أمام طفلهما، مع مطاردة قصيرة يُقتل الزوج الطبيب في آخرها. قبلها، يُضرب بحذاء هولندي خشبي، كأنّ هذا تبرير لتسمية الفيلم "هولاند".
لوهلة أولى بعد المُشاهدة، يتبادر إلى الذهن أنّ "هولاند" ينتمي إلى نوع يسخر من الأفلام الأميركية ("المسدس العاري" مثلاً). لكنّ المراجعة والإعادة تنفيان هذا، فالفيلم جادٌّ جداً، مع انتفاء العلاقة بين المكان ورمزيته (قرية هولندية في ولاية ميشغن). فهذا الاقتراح البصري لا يمتّ إلى الفيلم بصلة، إلا بعرض ضئيل للفولكلور الهولندي، في المهرجان السنوي للقرية، المناسبة الوحيدة تقريباً لتوسّع الكاميرا لقطاتها، فالفيلم نفسه مليء باللقطات الضيّقة، لتبدو السينوغرافيا غير قادرة على ربط اللقطات بمكان محدد، لإعطاء معلومة عما يجري في المكان. التصوير (بافل بوغورشلْسكي) مُقطّع بطريقة لا تحتوي على دلالات سردية أو تشويقية، كأنّها مُصابة برؤية أنبوبية (نوع من الأمراض العينية، يجعل العين ترى عبر أنبوب، فتكون الرؤية محدّدة للغاية)، تُركّز على فعل واحد، من دون الاهتمام بمحيط الفعل نفسه. هذا انسحب على المشهدية العامة، فظهر كأنّ كل مشهد منفصل وقائم بذاته، ما ساهم بتفكيك عناصر الرواية الفيلمية وتشتيتها إلى مشاهد مفتعلة، تقدّم معلومات عن الحكاية، لكنّها لا تروي.
مُجدّداً، يبدو السؤال مشروعاً عن نجومية الممثلين المشهورين، الذين يشكّلون ضمانة لجودة الأفلام لجهة إمكانياتهم، ولمعرفتهم الفن السينمائي وشروطه التجارية على أقل تقدير. ففيلم كـ"هولاند"، بنجومه اللامعين، لا يُثير عند قاصدي التسلية أي اهتمام يستحقّ الإشادة به من قبلهم، بأنّهم حصلوا على مكافأة جيدة من المتعة والبهجة لقاء وقت صرفوه في مشاهدته. تعليقات الإنترنت سلبية بمجملها، تُعرب عن الندم لمشاهدته. طبعاً، لا يُمكن استيضاح الأسباب التي دفعت هؤلاء النجوم إلى أداءات باهتة لنصوصٍ غير مقنعة، مع ما فيها من هدم لمسيرتهم الإبداعية المشهود لها.
غير واضح السبب، النصّ أو الإخراج، اللذان يتقاطع أحدهما مع الآخر عند لحظة العرض. نص ضعيف (سيناريو أندرو سودورسكي) يُمكن للإخراج انتشاله من ضعفه، باستخدام مهارات دلالية، لسبك حكاية بصرية مُقنعة، ولو إلى حدّ ما. أما الإخراج الضعيف فيُضيف إساءة إلى النص الضعيف، والقوي أيضاً. فكيف إذا كان النص والإخراج ضعيفين؟