هل تحتاج أجسامنا فعلاً إلى "الديتوكس"؟

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 15:33 (توقيت القدس)
الجسم مصمم للقيام بعملية التخلص من المواد الضارة بنفسه (Getty)

ازدادت شعبية حميات "إزالة السموم" أو "الديتوكس" خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي. وتقوم الفكرة على أن هذه الحميات تمنح الجسم "إعادة ضبط" قصيرة الأمد من خلال التخلص من مواد ضارة تُعرف باسم "السموم".

ويروج مسوقو منتجات وحميات ومكملات "الديتوكس" لقدرتها على تنظيف الجسم وتقديم فوائد عدة، من بينها زيادة الطاقة، وتحسين الهضم، وتقليل الالتهابات، والمساعدة على إنقاص الوزن. لكن هل أجسامنا مليئة بالسموم فعلاً؟ وهل تحتاج إلى مساعدة للتخلص منها؟

الجسم لديه نظامه الخاص للتخلص من السموم

حميات "الديتوكس" أو "التنظيف" تشير عموماً إلى تناول أطعمة أو مشروبات يُفترض أنها تساعد على طرد السموم والمواد الضارة من الجسم، بينما يتضمن الصيام عادة الامتناع الكامل عن الأطعمة والمشروبات التي تحتوي على سعرات حرارية، أو الحد منها بشدة لفترة محددة.

لكن الجسم يمتلك بالفعل آليات للتعامل مع المواد الضارة. ويعمل الجهاز الهضمي والكبد والكليتان والرئتان معاً للمساعدة في التخلص من الفضلات والمواد التي لا يحتاج إليها الجسم. فالكبد يؤدي دوراً أساسياً في معالجة المواد المختلفة، بينما ترشح الكليتان الدم وتطرحان الفضلات، وتساعد الرئتان في التخلص من بعض المواد المستنشقة.

وتقول ميروي مورسي، الطبيبة في مركز الطب التكاملي التابع لمركز إم دي أندرسون للسرطان، إن الجسم مصمم للقيام بعملية التخلص من المواد الضارة بنفسه، ولا يحتاج إلى حميات رائجة أو مكملات خاصة لمساعدته على ذلك. 

وتتفق هذه الآراء مع مراجعة علمية نُشرت في Journal of Human Nutrition and Dietetics، خلصت إلى وجود أدلة قليلة جداً تدعم الادعاءات الصحية لحميات إزالة السموم، مشيرة إلى أن الدراسات التي أظهرت نتائج إيجابية كانت تعاني مشكلات في منهجيتها وصغر أحجام عيناتها.

هل يستطيع "الديتوكس" إصلاح الكبد؟

من الادعاءات الشائعة أن حميات "الديتوكس" يمكن أن تستعيد صحة الكبد بعد الإفراط في تناول الأطعمة غير الصحية أو الكحول.

لكن الضرر الناتج عن الإفراط المستمر لا يمكن محوه خلال بضعة أيام من "التنظيف". ويوضح مركز إم دي أندرسون أن الإفراط في تناول الأطعمة المقلية والمشروبات السكرية والكحول يمكن أن يسهم مع مرور الوقت في تراكم الدهون في خلايا الكبد. وقد يؤدي استمرار الالتهاب الناتج عن ذلك إلى تليف الكبد، وفي مراحل متقدمة إلى تشمعه وفشل وظائفه.

ماذا عن "تنظيف القولون"؟

بعض برامج "الديتوكس" لا تكتفي بتقييد الطعام، بل تتضمن ما يسمى "تنظيف القولون"، باستخدام الملينات أو الحقن الشرجية بهدف التخلص من السموم.

لكن القولون جزء من الجهاز الهضمي الذي يتولى الجسم تنظيم وظائفه والتخلص من الفضلات بشكل طبيعي، كما أن استخدام الملينات أو الإجراءات التي تؤثر في حركة الأمعاء يمكن أن يؤدي إلى فقدان السوائل واضطراب توازن الأملاح، خصوصاً عند استخدامها بشكل متكرر أو ضمن حميات شديدة التقييد.

لذلك، فإنّ الإحساس بأن الجسم أصبح "أنظف" بعد هذه الإجراءات لا يعني أن السموم قد أزيلت بالفعل.

هل تنجح حميات "الديتوكس" في إنقاص الوزن؟

قد يظهر الميزان انخفاضاً بعد بضعة أيام من الصيام أو اتباع حمية "ديتوكس"، لكن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة فقدان الدهون.

وتوضح اختصاصية التغذية في إم دي أندرسون، ليندسي وولفورد، أن ما يفقده الشخص غالباً خلال هذه الحميات هو وزن الماء، وليس دهون الجسم. وقد يجعل فقدان الماء الشخص يشعر بأنه أخف وزناً، لكنه لا يعني التخلص من دهون البطن.

كما أن هذه الحميات ليست قابلة للاستمرار على المدى الطويل، لأن الجسم يحتاج إلى مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية لتوفير الطاقة والحفاظ على وظائفه. وتقول وولفورد إن اختيار نمط غذائي يمكن الاستمرار عليه هو الطريق الأكثر احتمالاً للحفاظ على فقدان الوزن، بدلاً من الاعتماد على حمية تستمر ثلاثة أيام أو أسبوعاً ثم تنتهي.

وتوصلت مراجعة منشورة في Current Gastroenterology Reports عام 2017 إلى نتيجة مشابهة، إذ أشارت إلى أن حميات العصائر و"إزالة السموم" قد تؤدي إلى انخفاض قصير الأمد في الوزن نتيجة الانخفاض في السعرات الحرارية، لكن الوزن يميل إلى الارتفاع مجدداً بعد العودة إلى النظام الغذائي المعتاد.

هل حميات "الديتوكس" آمنة؟

قد تتضمن هذه الحميات الصيام الكامل، أو الاقتصار على الماء أو العصائر، أو اتباع نظام غذائي يقتصر على الفواكه والخضروات، إضافة إلى الأعشاب والشاي والمكملات والملينات أو الحقن الشرجية.

ويحذر مركز إم دي أندرسون من أن الأنظمة شديدة التقييد قد تؤدي إلى اضطراب مستويات الأملاح، ونقص الفيتامينات والمعادن، ومشكلات في الجهاز الهضمي مثل الإسهال، والإرهاق وتفكك الكتلة العضلية.

وتقول وولفورد إن هذه الأنظمة قد تبدو غير ضارة لأنها تعتمد على أطعمة أو منتجات طبيعية، لكن ذلك لا يعني أنها آمنة أو فعالة، كما أن كثيراً من الادعاءات المتداولة حولها تستند إلى تجارب شخصية وقصص فردية، وليس إلى أدلة علمية قوية.

وتنبه مورسي أيضاً إلى أن بعض الأعشاب والمكملات قد تكون ضارة أو تتداخل مع أدوية وعلاجات معينة، ولذلك توصي باستشارة مختص طبي قبل البدء بأي مكمل أو منتج من دون وصفة طبية.

إضافة إلى ذلك، قد تزيد العصائر الغنية ببعض أنواع الخضروات من خطر الإصابة بحصوات الكلى لدى الأشخاص المعرضين لها. فعلى سبيل المثال، قد يحتوي السبانخ على مستويات مرتفعة من الأوكسالات، وهي مركبات ترتبط بمعادن مثل الكالسيوم، ويمكن أن تزيد مشكلة حصوات الكلى سوءاً، بحسب ويندي ويبر، نائبة المدير بالإنابة للمركز الوطني للصحة التكميلية والتكاملية التابع للمعاهد الوطنية للصحة الأميركية.

وعلى الرغم من أن بعض عصائر الفواكه، مثل معظم أنواع عصير البرتقال، لا تحتوي على سكريات مضافة، فإنّ احتواءها على كميات مرتفعة من السكريات الطبيعية لا يجعل الإكثار منها خياراً صحياً، ويوصي اختصاصيو التغذية بالاكتفاء بكوب أو كوبين من عصير الفواكه يومياً، وليس ثمانية أكواب.

لماذا قد نشعر بتحسن بعد "الديتوكس"؟

قد يشعر بعض الأشخاص بتحسن مؤقت بعد اتباع حمية "ديتوكس"، لكن ذلك لا يثبت أن السموم خرجت من الجسم.

فإذا تضمنت الحمية التوقف عن المشروبات السكرية، والأطعمة فائقة المعالجة أو الكحول، أو خفض كمية الطعام بشكل كبير، فمن الطبيعي أن يشعر الشخص بتغير في مستوى الطاقة أو الهضم. لكن هذه الفوائد يمكن تحقيقها بطريقة أكثر استدامة من خلال تحسين النظام الغذائي بدلاً من اتباع حمية قاسية لفترة قصيرة.

ما الطريقة الأفضل لدعم الجسم؟

بدلاً من البحث عن مشروب أو حمية قادرة على "تنظيف" الجسم خلال أيام، توصي ويبر في حديثها لـ"واشنطن بوست" بالتركيز على نمط حياة يمكن الاستمرار عليه: نظام غذائي متوازن، وممارسة النشاط البدني، والحصول على نوم كافٍ.

وتقترح أن يتكون الجزء الأكبر من الوجبة من الخضروات والحبوب الكاملة والفواكه والبقوليات، مع تنويع مصادر البروتين، والحد من الأطعمة فائقة المعالجة، وشرب الماء وممارسة النشاط البدني بانتظام. ويوصي البالغون بما لا يقلّ عن 150 دقيقة من النشاط المعتدل أسبوعياً، أو 75 دقيقة من النشاط الشديد.