هل الموسيقى لغة؟ هكذا نستمع إلى العالم

هل الموسيقى لغة؟ هكذا نستمع إلى العالم

13 يونيو 2021
الصورة
آرتور روبنشتاين (Getty)
+ الخط -

أنا الآن بصدد البدء بالكتابة. من خلال الجملة السابقة، أفصحت لنفسي، أو لأيٍّ كان يسمعني، عن نيّتي الشروع بفعل ما، كأن أكتب مثلاً. وسيلتي، هنا، هي اللغة، كما فهمها المفكر والمتخصص بعلم اللسانيات، نوام تشومسكي، فاللغة لديه "هي مجموعة جمل مبنية بعدد مُنتهٍ من العناصر". تعريفٌ، بحسب الأخير، إنما ينطبق على اللغات جميعها، وبأشكالها كلها. العناصر هي الصوتيات، أو الحروف بأنساقها الأبجدية. كل جملة من الجمل تُمثّل سلسلة منتهية من تلك الصوتيات، أو الحروف.

لكن، إن تناولت قوسي، وأخذت أعزف لحناً على كماني، فهل الصوت الذي نسمعه، يا ترى، هو أيضاً بمثابة لغة نفهمها ويفهمها الآخرون؟ إذ إنني، من خلالها، قادرٌ على أن أفصح عن شيء بداخلي أريد قوله، أعتزم فعلاً معيناً إزاءه، أو أود أن أشارك به أحداً من الناس؟ تشومسكي يرى أن استيعاب الكلام، أو اللغة، يتم بفضل ما عبّر عنه بـ "آلية عقلية" تُنتج معاني من سلاسل الصوتيات، أو الحروف التي تتركّب منها الجمل، بغضّ النظر عن سلامة الإعراب من عدمه. تلك الآليات، بحسب الأخير، لا تعمل بذات الطريقة حين نسمع الموسيقى.

لئن شئتُ أن أشرح لك فكرةً تشغل بالي، أبوح لك بسرٍّ يُرهق كاهلي، أو أفضي إليك بمشاعري تُجاه موضوع معين أو شخصٍ من الأشخاص، فسأستخدم الكلام بغية التواصل معك أو مع مجموعة من الناس. في الوقت ذاته، حين أعزف الموسيقى، وحين تسمعها أنت ويسمعها الآخرون، ثمة أيضاً إحساسٌ مشترك بوجود حال من التواصل فيما بيننا. عبّر عنها أيقونة العزف على البيانو آرتور روبنشتاين (1887 - 1982)، بحديثه عن شعوره وهو يعزف على خشبة المسرح: "كما لو أن قرن استشعار استطال منّي، يبثّ إلى الجمهور ما بداخلي من شعور".

أشبه بمُنتج ثانويٍّ سار، من منتجات سيرورة التكيف التطوري، هكذا وصف ستيفن بنكر الموسيقى؛ هو العالم والمدرس في جامعة هارفرد وفي ميدانه (علم النفس التطوري) من بين الكُتّاب الأكثر رواجاً؛ إذ يرى بنكر أن الموسيقى لصيقة الصلة باللغة، لجهة أن "لها مجموعة من الإيقاعات ضمن إيقاعات يمكنها، بصورة لا تدعو إلى الشك، أن تتحاذى مع الكلام".

إلا أن بنكر، في المقابل، لا يرى أن "الموسيقى مجرد لغة". فمع أنها تشترك مع اللغات بالإيقاع والشحنة العاطفية، مثلها مثل تلك الأصوات التي نتّصل بها، وتتّصل بها الطيور والحيوانات بالبيئة المحيطة، كالأنين، والنحيب والنواح والضحك والقهقهة، إلا أن ليس من طبيعتها أن تخبرنا بأمر معين، أو شيء ما. بالرغم من كونها، من دون شك، قادرة بصورة سحرية على إثارة المشاعر.

إن لم تكن الموسيقى حقاً لغة، ولم تولد من رحمها عبر مبدعها الموسيقار أية أفكار، يوصلها بدوره إلى الحاضر المستمع، فما الذي يقصده، إذاً، المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد (1935 - 2003) حين قال إنه يفهم العالم من خلال الموسيقى؟ إذ إن سعيد، إلى جانب كونه أكاديمياً بارزاً وناشطاً سياسياً ومنظراً، كان أيضاً عازفاً ماهراً على آلة البيانو وناقداً موسيقياً له دراسات معمقة في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، بوصفها مؤسسة ثقافية عالمية راسية الأركان.

كيف لسعيد أن يرى، لعبارات مفهومية، صلات تربطها إما بمصطلحات أو مؤلفات موسيقية، كوصل موضوعة الهوية باللحن، والنقد بالكتابة الموسيقية المتقابلة، أو "الكونتربوان"، أو الأدب المقارن بالتأليف المتعدد الأصوات "البوليفوني". بل إنه وجد بالموسيقى، بفضل سيولتها وطلاقة حركتها، القدرة على تجاوز الحدود بين اللغات، من خلال توفيرها للإنسانية أشبه بترجمة كونية عابرة للحدود الثقافية.

كيف لا، وثمة دراسة مثيرة أجرتها جامعة هارفرد سنة 2019 بإشراف الباحث في علم النفس سامويل مير، وكل من الخريجين مارفين سينغ المختص في الأحياء التطورية، ولوك غولواكي المختص بالأنثروبولوجيا، لا تقارب الموسيقى كلغة وحسب، وإنما تجزم أيضاً بأنها لغةٌ عالمية.

على مدى خمس سنوات من العمل الدؤوب، ظل فريق العلماء يبحث في جميع مكتبات العالم التي تحوي، إما سجلات مكتوبة، أو تسجيلات صوتية، بهدف إعداد قاعدة بيانات شاملة غير مسبوقة، تجمع تراث البشرية الموسيقي والغنائي. أطلق عليها اسم "التاريخ الطبيعي للأغنية" The Natural History Of Song.

ذلك المجهود العلمي، يدعم بالسند البحثي الوافي قضيتين لطالما استأثرتا بالنقاش الدائر منذ قرون حول ماهية الموسيقى. أُولاهما، أنها جزءٌ رئيسي من جملة طقوس وممارسات تشترك وتتشابه بها الإنسانية كلها، كالحب والرثاء والعلاج والهدهدة للأطفال قبيل النوم. والثانية، أن ما ظلّ يُشار إليه بـ "القواعد النحوية الموسيقية" Musical Grammar  إنما هي أقل خصوصية ثقافية وأكثر عموماً بين موسيقات الشعوب مما كان سائداً الاعتقاد به من قبل.

حين أقرأ مدونة موسيقية لمقطوعة كتبها أحد الموسيقيين الكبار، أو أستمع إلى تسجيل لها، أجد نفسي أمام رموز وإشارات، طبعت على صفحة من ورق، أو ها هي تطير أصواتاً في الهواء، تنقل لي ما أتخيله دار في نفس المؤلف حين خط تلك الأنغام. غياب مفاهيم صريحة للموسيقى، تجعل من خيالي وتأويلي عاملاً أكيداً في إعادة صياغتي للعمل، ومن ثم الاجتهاد في ابتكار نسخة ذاتية لأدائه، بناءً على المعطيات التي يتضمنها النص، أو التسجيل وجملة الأداءات السابقة التي لا بد أنها أثرت به.

الحيرة حيال الموسيقى، تنبع من أن لها، من دون شك، خاصية تشترك بها مع اللغة، ألا وهي أنها وسيلة تواصل بين البشر. من جهة أخرى، ليست الموسيقى من الكلام، إذ إنها لا تُمكّن الناس من التعارف والتخابر والتفاهم والتنسيق فيما بينهم، بواسطة صيغ ثابتة جليّة ومنطقية مجمعٌ عليها.

فالموسيقى ليست بيان الظاهر، بل خفاء المجاز، أشبه بحجابٍ فتّان من صوت يسكن الهواء، يوحي ويستر في آن واحد. المعاني التي تحملها إن تهيأتها لوهلة، فإنها تتجلى انطباعات شخصية يؤثر بها مجموع عوامل الذاكرة والتجربة الخاصة، كذلك تحكمها العواطف والأمزجة الآنية، وحتى الظروف البيئية المحيطة؛ معنى موسيقى في قلب الموسيقي، مؤلفاً كان أو مؤدياً، ليس هو ذاته المعنى في قلب المُستمع. المعنى يتجدد بمرور الزمن، لا يثبت بل يتحول. لا يُقنع بل يؤثر، لا يتشكل بل يسيل. الموسيقى ليست بلسانٍ للواقع، أو صوتٍ للخيال؛ إنها صدى الحقيقة.

المساهمون