"نتفليكس" والقتلة المتسلسلون... ماذا عن الضحايا؟

19 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:09 (توقيت القدس)
من مسلسل "إد غين" الذي صدر أخيراً (نتفليكس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تقدم "نتفليكس" مسلسلات جديدة عن القتلة المتسلسلين، مثل إد غين وآيلين وورنوس، مما يثير تساؤلات حول دوافعهم وتأثير البيئة والمواد الكيميائية السامة في تكوينهم.
- تركز هذه الأعمال على "الحقبة الذهبية" للقتلة المتسلسلين وتثير الجدل حول تصويرهم الجذاب وتأثيره على الجمهور، مما يعكس مخاوف المجتمع في كل حقبة.
- تثير المسلسلات قضايا أخلاقية حول استغلال القصص الحقيقية للضحايا لأغراض الربح، وتعكس قلق المجتمع الرقمي في تفسير العنف ونزع الإنسانية.

موجة جديدة من مسلسلات القتلة المتسلسلين تبثّها "نتفليكس" هذا العام، أبرزها قصة إد غين، ووثائقي عن آيلين وورنوس، التي ستُصدر "نتفليكس" عنهما عملاً درامياً أيضاً. قتلة متنوعو الهوى والدوافع، تكشف المنصة حيواتهم وجرائمهم، لتبقى حاضرة بيننا، نحن الذين لم نشهد هذه الظاهرة في العالم العربي، في حين سجلت الولايات المتحدة الأميركية وجود نحو 500 قاتل متسلسل حراً طليقاً هذا العام.
موجة المسلسلات هذه تعرضت لكثير من الانتقادات، خصوصاً أسلوب تصوير القتلة المتسلسلين، إذ يرى بعضهم أنهم يظهرون على الشاشة، ضمن مسلسلات متخيلة أحياناً، بما يثير التعاطف معهم، وتقدّمهم "نتفليكس" بأسلوب جذّاب جعلهم محط إعجاب كثيرين، لكنّ تأمل الباحثين العميق في هذه الأعمال، يتركنا أمام عدة أسئلة، تختلف أجوبتها حسب العمل الدرامي والعينة المدروسة: هل القتلة المتسلسلون نتاج البيئة الاجتماعية؟ أم نتاج عطب جيني؟
السؤالان يتحركان ضمن دراسات المضمون الترفيهي والصناعة الثقافيّة، وكل منهما يفترض شكلا للحبكة وصورة القاتل المتسلسل نفسه: هل هو سايكوباثي لا يمتلك أي حس بالتعاطف مثل بعض شخصيات مسلسل Mindhunter؟ أم شخص تعرض لصدمات متعددة ومتكررة سببت له عطباً نفسياً، مثل حالة تيد كازنسكي؟ في الحالتين، نحن أمام سرد وتخييل وبناء فنيّ، حتى لو كان مبنياً على أحداث وشهادات حقيقية، ما يترك مساحة واسعة من التساؤلات التي يختار صنّاع العمل كيفية الإجابة عنها، وتصنيف سبب "ولادة" القاتل المتسلسل.
هذه النماذج المتكررة، تختلف رؤيتها حين نقرأ مثلاً كتاب كارولين فريزر، الذي تطرح فيه نظرية مختلفة، تقول فيها إن "المواد الكيميائية السامة" هي ما تسببت بانتشار القتلة المتسلسلين، مثل التعرض للزئبق الذي يزيد من معدل السايكوباثيّة عند الرجال.
دراسة أخرى ترى أن أسلوب تقديم القتلة المتسلسلين يعكس مخاوف المجتمع في كل حقبة يعاد إنتاج حكاياتهم فيها. وفي عصرنا الحالي، لا "عدو" سوى الرجل الأبيض، وهذا ما نلاحظه في المسلسلات المتعددة التي يظهر فيها رجال بيض جذابون قتلةً متسلسلين، تختلط في حكاياتهم الجاذبية والحنكة وقدرتهم على التلاعب وخلق حس زائف بالأمان لدى الضحيّة. لعلّ تيد باندي هو أكثر من تنطبق عليه هذه المواصفات. الأمر نفسه مع جيفري دامر الذي أثار مسلسله Monster: The Jeffrey Dahmer Story غضباً كبيراً، لتصويره رجلاً جذاباً.
يرى بعض الباحثين أن هذه الصورة "الخلّابة" التي تقدم عن القتلة المتسلسلين، سببها التركيز على "الحقبة الذهبية" لهؤلاء. بدأت هذه الحقبة في السبعينيات، واستمرّت نهاية التسعينيات، لكن عودتها الآن تغذي الهوس بـ"المحتوى" الصادم، المنفلت من القيود التقليديّة، إذ يُساءَل "الوحش/القاتل المتسلسل" في زمن أصبح القتل فيه أمراً يومياً. ولعلّ القتلة المتسلسلين يقدمون نموذجاً يكون القتل فيه قابلاً للتفسير: قتل أكثر شخصيّةً وحميميةً من ذاك القتل الذي نراه في الحروب أو حوادث إطلاق النار الجماعي، أو ببساطة كما يلخص اقتباس لصانع مسلسل The Hunting Party، جيه جيه بايلي (JJ Bailey): "نريد أن نتسلى مع القتلة المتسلسلين".
الواضح أن سطوة الشاشة والترفيه أشد من الحقيقة، سطوة تتجاوز المخيّلة وتمس الضحايا أنفسهم وعائلاتهم من دون أخذ إذنهم. نحن أمام استباحة للحميمي المريع، تفاصيل ربما لا يجب أن تكون علنيّة، لكن هناك من يرى فيها فرصة للربح؛ فالحكاية المريعة تعني المال في عالم الإنتاج التلفزيوني، وهذا ما أشيع عن زوجة ريكس هيورمان (Rex Heuermann)، القاتل المتسلسل الذي ألقي القبض عليه عام 2023، وستصنع منصة بيكوك عنه وثائقياً، ستحصل أسرته مقابل مشاركتها به على مبلغ ضخم من المال.

يمكن القول أيضاً إن القاتل المتسلسل تحول إلى ما يشبه "الطوطم" حسب إحدى الدراسات، نحاول عبره أن نسقط قلقنا في العالم الرقمي وما نتعرض له من عنف عليه بوصفه نموذجاً قادراً على تفسير خطابات نزع الإنسانية التي نختبرها في صور الموت والخطابات المتطرفة، ربما هو نموذج "ترفيهي" يستخدم محاولة لإكساب هذا العالم معنى، ونزع اللامعقول عنه.

المساهمون