نتفليكس تلتهم إتش بي أو: هيمنة مُطلقة على الجمهور ووقته

09 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 12:21 (توقيت القدس)
تأتي هذه الصفقة تتويجاً لرحلة "نتفليكس" (نيهاريكا كولكارني/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أعلنت نتفليكس عن استحواذها على وارنر بروس بقيمة 82.7 مليار دولار، مما يمنحها حقوق ملكيات فكرية ضخمة مثل هاري بوتر ودي سي، ويعزز قدرتها على جذب المشتركين.

- أثارت الصفقة مخاوف في هوليوود بشأن مستقبل السينما التقليدية، حيث وصفتها الممثلة جين فوندا بأنها "كارثية"، بينما أكد المخرج بونغ جون هو على أهمية البث والقيمة الثقافية لدور السينما.

- تواجه الصفقة تدقيقًا من المنظمين الفيدراليين بسبب مخاوف المنافسة، وتتعهد نتفليكس بالحفاظ على نظام العرض السينمائي واستقلالية إتش بي أو.

استقبل مشتركو منصة نتفليكس، يوم الأحد الماضي، رسالةً على البريد الإلكتروني، "تبشّرهم" بأنّها ستستحوذ على شركة وارنر بروس (Warner Bros)، بما تضمّه من منصّات، مثل "إتش بي أو ماكس" و"إتش بي أو"، مشيرةً إلى أن هذا يعني أنه سيُتاح للمشتركين "مشاهدة أعمالهم الأحبّ"، مثل سلسلة أفلام "هاري بوتر"، ومسلسلي "فريندز" و"ذا بيغ بانغ ثيوري"، إلى جانب "صراع العروش" عبرها. في رسالتها، تسأل المنصّة: "ماذا تغيّر؟"، ثم تجيب: "لا شيء حتى الآن. كلتا المنصّتين (نتفليكس وإتش بي أو) ستواصلان البث منفصلتين"، موضحة أنه ما زال أمامها بضع خطوات حتى تُنهي صفقة الاستحواذ. لكن، هل هذا كل شيء؟ ما الذي تغيّر فعلاً؟

يمكننا القول إنّ ما تغيّر هو المشهد الإعلامي العالمي كاملاً؛ فإعلان "نتفليكس" في السادس من ديسمبر/كانون الأول الحالي عن خطتها لشراء "وارنر بروس" في صفقة نقدية وأسهم بلغت قيمتها 82.7 مليار دولار، شكّل أكبر استحواذ في تاريخ هوليوود، ما أعطى أكبر خدمة بث مدفوعة في العالم سلطة لا مثيل لها على شبكات الإنتاج ونقابات العاملين في صناعة الترفيه ومالكي دور العرض السينمائي.
هذه الصفقة، التي جاءت بعد معركة مزايدة شرسة شملت شركتي "باراماونت" و"كومكاست"، هي تتويج لرحلة "نتفليكس" التي بدأت خدمة لتأجير أقراص الفيديو عن طريق البريد في التسعينيات، وتطورت لتصبح عملاقاً ابتلع جزءاً كبيراً من هوليوود التقليدية. بهذا، تحولت الشركة التي وُلدت من رحم رسوم تأخير بقيمة 40 دولاراً على شريط فيديو، إلى كيان يمتلك الآن حقوق أهم إنتاجات درامية وسينمائية في العالم.

تكتسب "نتفليكس" بهذه الخطوة مجموعة مذهلة من الأصول؛ فإضافةً إلى "إتش بي أو" و"إتش بي أو ماكس"، ستحصل المنصة على كنوز من الملكيات الفكرية، بما في ذلك عوالم "هاري بوتر" و"باتمان" و"سوبرمان"، وحقوق امتيازات سينمائية ضخمة من عالم "دي سي" (DC)، إضافةً إلى استوديوهات وارنر بروس السينمائية ومكتبتها الغنية بالأفلام الكلاسيكية، مثل "كازابلانكا" و"ذهب مع الريح"، وسلسلة من العروض التلفزيونية الجماهيرية مثل "ذا سوبرانوز". الهدف الاستراتيجي واضح: مساعدة "نتفليكس" على "جذب المزيد من المشتركين والاحتفاظ بهم" في خضم منافسة متزايدة من منصات البث الأخرى ومنصات التواصل الاجتماعي، مثل "تيك توك". الأمر لم يعد يتعلق بإنشاء محتوى أصلي وحسب، بل بتجميع المحتوى الأكثر قيمة في مكان واحد لضمان استمرار هيمنتها على وقت واهتمام الجمهور.

مع هذه الهيمنة، تأتي المخاوف؛ فبالنسبة إلى العديد من العاملين في هوليوود، يمثل هذا الاندماج خطراً وجودياً على مستقبل السينما كما عرفوها. لطالما كانت "نتفليكس" على خلاف مع مالكي دور العرض بسبب رفضها منح الأفلام فترات عرض حصرية طويلة قبل بثها على الإنترنت. لذا، وعلى الرغم من تعهد "نتفليكس" بمواصلة عرض أفلام "وارنر بروس" (بواقع 15 فيلماً سنوياً) في دور السينما، فإن الشكوك تتصاعد. لخص أحد التصريحات المنتشرة مخاوف المنتجين: "نتفليكس ليس لديها حافز لدعم العرض السينمائي"؛ فنموذج أعمالها يهدف إلى إبقاء المشتركين في المنزل وليس في دور السينما. هذه المخاوف تتعلق بالإنتاجية، إذ أشار المنتجون إلى أن الاستحواذ الكبير يعني "انخفاضاً كبيراً في المحتوى عالي الجودة المتاح لدور السينما"، ما يهدد وجود هذه الدور نفسها.

ردات فعل صريحة وحاسمة أصدرتها أسماء فنية مهمة ضد الصفقة. الممثلة الأميركية جين فوندا، مثلاً، وصفت الصفقة بأنها "كارثية"، ليس بوصفها صفقة تجارية فقط، بل بما هي "أزمة" تهدد بتدمير هوليوود بأكملها. وفي بيان شديد اللهجة أصدرته نيابةً عن "لجنة التعديل الأول للدستور"، أكدت فوندا أن هذا الاندماج يمثل "تصعيداً مقلقاً للاحتكار الذي يهدد صناعة الترفيه بأكملها والجمهور الديمقراطي الذي تخدمه والتعديل الأول للدستور نفسه"، مطالبةً وزارة العدل الأميركية بالتدخل لمنع الاندماج لحماية التعبير الحر.

في المقابل، قدم المخرج الكوري الجنوبي الحائز جائزة أوسكار، بونغ جون هو (مخرج فيلم "باراسايت" الذي عمل مع "نتفليكس" في "أوكجا"، ومع "وارنر بروس" في فيلمه Mickey 17 الذي صدر بداية هذا العام)، وجهة نظر أكثر توازناً رغم قلقه. وخلال مشاركته رئيساً للجنة التحكيم في مهرجان مراكش السينمائي، اعترف بونغ بأنه لا يعرف بالضبط ما يحدث في لوس أنجليس، لكنه عبر عن تفاؤله الحذر لمستقبل السينما، قائلاً: "أعتقد أن البث عبر الإنترنت هو أيضاً طريقة جيدة لمشاهدة الأفلام والاستمتاع بها"، مضيفاً: "لا أعتقد أن التجربة السينمائية ستختفي بهذه السهولة". وعلى الرغم من إقراره بأن فترات العرض في دور السينما "ستتطور" لتصبح أكثر "ملاءمة للمستهلك" (أي أقصر)، إلا أن إصراره على القيمة الثقافية لمشاهدة الأفلام في قاعة مظلمة جماعية يعكس إيماناً بأن التجربة الفنية تتجاوز ملكية الشركات.

يُضاف إلى كل هذه التداعيات الفنية والصناعية، حقيقة أن الصفقة تواجه تدقيقاً مكثفاً يمارسه المنظمون الفيدراليون في الولايات المتحدة الأميركية ومنظمات مكافحة الاحتكار في أوروبا، إذ يخشى المشرعون من أن يؤدي دمج أكبر منصتين للبث إلى تقليل المنافسة، ورفع أسعار الاشتراكات، وتقليل الخيارات المتاحة للمستهلكين، فضلاً عن تأثيره السلبي على العمالة.

وعلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاتفاق الأحد الماضي، قائلاً إن عملاق البث التدفقي يمتلك حالياً "حصة سوقية كبيرة جداً"، مشيراً إلى أن هذا "قد يكون مشكلة". وأضاف: "سأشارك في هذا القرار"، في إشارة إلى ما يمكن أن تتوصل إليه الهيئات الفيدرالية الناظمة المعنية بمكافحة الاحتكار بشأن الصفقة. لكن ترامب أشاد بالرئيس التنفيذي المشارك لنتفليكس، تيد ساراندوس، الذي زار البيت الأبيض أخيراً، قائلاً إنه "قام بإحدى أعظم الوظائف في تاريخ السينما".

في الوقت الذي وعد فيه الرئيس التنفيذي المشارك لـ"نتفليكس"، تيد ساراندوس، بأن الشركة "تتوقع" الحفاظ على نظام العرض السينمائي وأن "إتش بي أو" ستعمل "باستقلالية إلى حد كبير" في المدى القريب؛ فإن الواقع يفرض تحديات ضخمة؛ فـ"نتفليكس" ستتحمل ديوناً كبيرة لتمويل الصفقة، كما أن الأمر ينطوي على تعقيدات مالية وتنظيمية هائلة، بما في ذلك خطة لفصل شبكة سي أن أن وقنوات كابل رئيسية أخرى في شركة جديدة تسمى "ديسكفري غلوبال". ولكن، في خضم كل هذا، تظل الرسالة التي وجهها ساراندوس للمستثمرين هي البوصلة: "لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي، يجب أن نستمر في الابتكار والاستثمار في القصص التي تهم الجمهور أكثر من غيرها". هذا هو الإيقاع الجديد الذي ستعمل وفقه هوليوود، إيقاع يحدده عملاق البث الذي نجح في تحويل رسالة اعتذار عن تأخير فيلم إلى أكبر صفقة إعلامية في تاريخ الصناعة.

إلى ذلك، قدمت شركة باراماونت سكاي دانس، أمس الاثنين، عرضاً "قسرياً" قيمته 108.4 مليار دولار للاستحواذ على "وارنر براذرز ديسكفري"، في محاولة أخيرة للمزايدة على "نتفليكس" ولإنشاء قوة إعلامية تتحدى هيمنة عملاق البث المباشر. ويتضمن عرض باراماونت، البالغ 30 دولاراً للسهم، تمويلاً من شركة أفينيتي بارتنرز التي يديرها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والعديد من صناديق الاستثمار الحكومية في الشرق الأوسط، وتحظى بدعم عائلة إليسون. ولاري إليسون، ثاني أغنى شخص في العالم، هو والد ديفيد إليسون الرئيس التنفيذي لـ"باراماونت"، ولديه علاقات وثيقة بالبيت الأبيض. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، نقلاً عن مسؤول في البيت الأبيض وشخص مطلع على الأمر، أن لاري إليسون اتصل بترامب بعد الإعلان عن صفقة "نتفليكس" وأخبره بأنها ستضر بالمنافسة.

المساهمون