استمع إلى الملخص
- يتميز العمل بتوظيف الأصوات الطبيعية لتمثيل الحياة القطرية، ويبدأ بلقطة حول استاد لوسيل، مع موسيقى إلكترونية وآلة القانون، وصولًا إلى توزيع أوركسترالي يحمل أنشودة وطنية.
- تتنوع الكليبات بين التراث البحري والحياة المدينية والصحراوية، باستخدام الصوت كأداة سردية تعكس تنوع البيئة القطرية، مع معالجة موسيقية تضيف تأثيرات درامية.
في الثامن عشر من ديسمبر/ كانون الأوّل الماضي، اختارت المدينة الإعلاميّة في قطر تقاطع مناسبتَين (انطلاق المباراة النهائيّة لكأس العرب FIFA في استاد لوسيل، واليوم الوطنيّ للدولة) توقيتاً مواتياً لإطلاق عملٍ فنّيٍّ ترويجيٍّ بعنوان "نبضة قطر الصوتيّة".
ووفق بيان المدينة الإعلاميّة، يأتي العمل من رؤية وموسيقى عمر الرحباني، وكلمات عبد الله خالد عبد القدوس، وإنتاج شركة "رحباني 3.0". وقد عُرِض حيّاً أمام جمهورٍ فاق 88 ألف مشاهد، بمشاركة أوركسترا قطر الفلهارمونية، التي بلغ تعدادها 68 عازفاً، وقادها مياس اليماني.
ولئن حمل العنوان مفردة "الصوت" في صلبه، فقد أُنجِز العمل وفق مفهومٍ متعدّد الوسائط، جمع بين الموسيقى الأوركستراليّة، والغناء الجوقيّ، وفنّ الفيديو. وقد أُنتجت سبعة مقاطع مصوّرة، عُرِضت على جمهور الحفل عبر الإسقاط الضوئيّ، إلى جانب نشرها على قناة يوتيوب الخاصّة بالمؤسّسة المعنيّة.
غير أنّ ما يُميّز "نبضَة قطر"، عودةً إلى عنوانه، هو توظيف الأصوات الطبيعيّة المُسجَّلة ميدانيّاً (Field Recording) بوصفها تمثيلاً سمعيّاً للحياة القطريّة في تجلّياتها المختلفة: الحضريّة والبدويّة والبحريّة، التقليديّة والعصريّة. وهو ما يجعل المنتَج، في أحد مكوّناته الأساسيّة، أقرب إلى مؤلَّف موسيقيٍّ من مناظرَ صوتيّة (Soundscape Composition).
يبدأ الفيديو الأوّل، المعنون "صوتُ نبضِ قطر"، بلقطةٍ تحريكيّةٍ خاطفة (Animation)، تعتمد منظور عين الطير أو طائرةٍ مُسيّرة تحوم حول استاد لوسيل. تستدعي اللقطة موجةً صوتيّة تُحاكي الفراغَ ثلاثيَّ الأبعاد، قبل أن يتشكّل جسرٌ من موسيقى إلكترونيّة، ينقل المشهد إلى لقطاتٍ متسارعة من مراسم افتتاح المونديال.
لا يلبث هذا الجسر أن ينحلّ في نغمةٍ متّصلة (Drone)، تُهيّئ الأذن لسماع عدّة نقرات على آلة القانون، تُعتمد بمثابة ثيمة تعريفية (Leitmotif) تتداخل معها أهازيج العرضة، التي تتصاعد شدّتها مع دخول مجموعة الآلات الإيقاعيّة التقليديّة (الرحماني، والكاسر، والمساند). وتتحوّل العيّنات الصوتيّة المتراكمة إلى روافد تصبّ جميعها في صوت نبض قلبٍ بشريّ، مطابقٍ في إيقاعه لوزن تفعيلة اسم الدولة المُضيفة قطر. ويبلغ هذا الدفق ذروته عند اتّصاله بتوزيعٍ أوركستراليٍّ سيمفونيّ، يحمل أنشودةً وطنيّة تؤدّيها جوقةٌ متعدّدة الطبقات.
تُستَخدم نغمة الدرون ذاتها، الحاملة للنقرات الخمس على آلة القانون، بوصفها أداة ربطٍ موضوعاتيّ بين الفيديو الأوّل والثاني (Nabd Qatar). غير أنّ المشهديّة تنتقل هنا من فضاء الاستاد والمناسبة الوطنيّة إلى الدار التراثيّة، بروضها الأخضر المتعايش مع سطوع الشمس.
تُستعاد أصداء العرضة على وقع حوافر الخيول وصهيلها، فيما يُمزَج عددٌ متنوّع من العيّنات الصوتيّة، المختلفة في هويّاتها والمتقاربة في طبقاتها، للتعبير عن تنوّع الطبيعة والجغرافيا. يُسمَع تغوّر الخُطى في الكثيب متداخلاً مع عباب الماء الذي تشقّه سفن الداو، وتتوسّط اللوحة البصريّة ثيمة الصقر الحرّ، فيحضر صوت خفقات جناحيه على امتداد الفيديو. كما تحضر الأوركسترا الفلهارمونيّة القطريّة والجوقة الغنائيّة، صوتاً وصورة، لتؤدّيا مجدّداً أنشودة "نبضة قطر".
يتمتّع الكليب المعنون "حكايةُ الفنّ وراءَ الصوت" بمركزيّةٍ واضحة ضمن السلسلة، إذ خُصِّص كاملاً لتقديم المكوّن الموسيقيّ الأوركستراليّ للمنتَج. وتوازياً مع العرض البصريّ، تتجاور لقطاتٌ للفرقة الفيلهارمونيّة أثناء جلسات التسجيل، في مختلف مراحل إعداد العمل.
تُسمَع عيّناتٌ صوتيّة قصيرة (Soundbites) للآلات المختلفة أثناء دوزنة أوتارها، إلى جانب أصوات تقليب الصفحات على مناصب مدوّنات النوتة. تغيب ملامح البيئة الصوتيّة الخارجيّة، ويُكتفى بمحتوى قاعة التسجيل، إذ تندفع عناقيد من نغماتٍ متتابعة، متسارعة ومتصاعدة، تؤدّيها مجاميع الوتريّات، لتبلغ ذروةً حسّيّة قبل أن تخمد بغتة، مُفسحةً المجال للآلات النفخيّة الخشبيّة والنحاسيّة. وقبيل إسدال الستار، تأتي جرّة يدٍ على أوتار قيثارة الهارب، يتبعها قرع طبل سنير ثم تمباني بأسلوبٍ عسكريٍّ مهيب، يؤكّد الطابع الوطنيّ للمشروع، ويُختَم بمحاكاةٍ لصوت نبض القلب البشريّ.
أمّا كليب "البحرُ منبعُ الإلهام"، فقد خُصِّص للتراث البحريّ، ولا سيّما لمراكب صيد اللؤلؤ. تتألّف عناصر البيئة الصوتيّة من خرير الماء، مختلطاً بصراخ النوارس وصياح الصيّادين وهم يهمّون بنشر أشرعة مراكب الداو. عند الثانية السابعة، يظهر أحدهم معترضاً مشهد شمس المغيب في أفق البحر، وبينما يرتدي سمّاعات رأس، إذا بالأذن تغوص لبرهة، فتلتقط الأصوات لا من سطح البحر فحسب، بل من مسموع أعماقه أيضاً. كأنّ البيئة الصوتيّة تنوب هنا عن الكاميرا في السرد، موحيةً بمشهد الغوص من دون صورة، واعتماداً على الصوت وحده.
في المقابل، يُسلّط كليب "كلّ صوتٍ يروي حكاية" الضوء على الحياة المدينيّة. يتصدّر سوق واقف المشهد، حيث يُستهلّ الفيديو بأصوات المشاة، يتخلّلها دبيب الخيل ونخيرها. ثم تتوالى الأصوات تباعاً، ناقلةً إلى الأذن نشاطات الحرفيّين التقليديّين. ولا تُترك موادّ البيئة الصوتيّة عارية، بل تُضاف إليها خلفيّة نغميّة ذات أثرٍ دراميّ، على طريقة الموسيقى التصويريّة في الإنتاج السينمائيّ. كما تُعالَج هذه الموادّ داخل الاستديو، عبر إضافة المحسّنات والمنكّهات الصوتيّة، مثل الصدى وتحريك الصوت بين الأذن اليمنى تارة واليسرى تارةً أخرى (Pan).
أخيراً، يقوم كليب "من ريحِ الصحراءِ تبدأ الحكاية" على مبدأ المقابلة بين أصواتٍ بيئيّة تتقارب في سماتها اللونيّة، بما يُنتج نوعاً من الكونتربوان، أي صوت في مواجهة صوت. فخفقان العلم يُقابله خفقان جناحي الصقر، ونثير الرمل المنسلّ من بين الأصابع تُقابله هسهسة الخُطى على الكثيب، وهمسٌ أنثويٌّ خافت في فضاء السماء الزرقاء. أمّا هدير أسراب الدراجات الناريّة العابرة للصحراء، فيقابله رُغاء قوافل الجِمال وهي تجوبها، في تفاعُلٍ صوتيٍّ قائمٍ على التناغم والانسجام، يعكس جدليّة القديم والحديث داخل الحياة المعاصرة في دولة قطر، وعموم منطقة الخليج العربي، على أعتاب الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين.