استمع إلى الملخص
- مشروع "ناس من نيويورك" يهدف إلى استعادة المجال العام للناس العاديين، حيث يعرض قصصهم وصورهم، مما ساهم في جمع تبرعات كبيرة للجمعيات الخيرية وإصدار كتب ناجحة.
- براندون ستانتون يسلط الضوء على قصص الفلسطينيين، مما لاقى استحساناً على مواقع التواصل الاجتماعي رغم الانتقادات الإسرائيلية.
"غراند سنترال" واحدة من أبرز محطات القطارات التاريخية في وسط مانهاتن، ومن أشهر معالم نيويورك، وتعمل مركزاً حيوياً يربط خطوط المترو والقطارات الإقليمية. هذه المحطة التي تمثّل معبراً يومياً لعشرات الآلاف من الركاب، تحوّلت فجأة إلى فضاء نابض بالوجوه والحكايات بفضل المصوّر الأميركي براندون ستانتون (Brandon Stanton)، الاسم المرتبط منذ عام 2010 بسلسلة الصور الشهيرة "ناس من نيويورك" (Humans of New York). هذا المشروع الرقمي، الذي انطلق على "فيسبوك" ثم أمسى ظاهرة عالمية، وجد اليوم طريقه إلى الفضاء العام في تركيب ضخم يملأ أروقة المحطة.
أزال ستانتون كل الإعلانات التجارية من غراند سنترال؛ لم تعد هناك لوحات ترويجية للساعات أو الهواتف أو علامات الأزياء. استُبدلت هذه الإعلانات بوجوه بشرية حيّة: صور لأشخاص التقاهم في الشوارع طوال خمسة عشر عاماً، ترافقها نصوص قصيرة تحمل مشاعرهم وآلامهم وأحلامهم. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ المحطة التي تُخلى فيها المساحات كاملةً من الإعلانات لصالح مشروع فني جماهيري بهذا الحجم.
المعرض الذي يحمل عنوان "عزيزتي نيويورك" (Dear New York) لا يقتصر على صور براندون ستانتون وحدها، إذ شارك 600 طالب من مدارس نيويورك العامة بصور لأشخاص يودون تكريمهم؛ فيمكن للزائر مثلاً أن يرى معلماً أو صديقاً أو فرداً من العائلة على أحد جدران المحطة. إلى جانب ذلك، دعا ستانتون مجموعة من مصوري الشارع الآخرين لعرض أعمالهم في مساحة مخصّصة لهم داخل المحطة. هذه المشاركات المتنوعة حولت المعرض إلى احتفاء بالمدينة وسكانها.
في مشروعه الممتد لا يكتفي ستانتون بالصور؛ إذ يترك مساحة للأشخاص لسرد حكاياتهم في نص مصاحب للصورة، وهو ما طبقه في عمله التركيبي داخل المحطة التي امتلأت بحكايات وأعين تحدق من تحت بوابات العبور على الجدران.
لم يكن الأمر سهلاً من الناحية التنظيمية كما يقول ستانتون؛ فلكي يتحقق هذا العرض حصل على موافقات لا حصر لها. التمويل كان تحدّياً كذلك، فقد استنزف المشروع معظم مدخراته منذ انطلاق السلسلة عام 2010. أراد المصور الفوتوغرافي، كما يقول، أن يكون معرضه هدية للمدينة وامتداداً لكتابه الجديد "عزيزتي نيويورك" الذي يختصر فيه خبرته في تصوير الناس وسرد قصصهم.
مشروع "ناس من نيويورك" الذي انطلق عفوياً على "فيسبوك" تحول إلى منصة يتابعها على "إنستغرام" أكثر من 12 مليون متابع من حول العالم. أصدر صاحب المشروع أربعة كتب وصلت قائمة الأكثر مبيعاً في نيويورك، وجمع نحو عشرة ملايين دولار لصالح جمعيات خيرية محلية.
عُرفت محطة غراند سنترال دائماً بحركتها المتواصلة، وكثيرون يمرّون منها من دون أن يلتفتوا لما حولهم. هذا المشروع يجبر الجميع على التوقّف لحظة واحدة فقط حتى يتأملوا ملامح إنسان ربما لم يلتفتوا إليه في ظروف عادية، فتنشأ لحظة تأثير عاطفية. مسافرو القطار قد يكتشفون أن كل وجه يحمل قصة تستحق أن تُروى، وأن كل واحد من هؤلاء بطل لحكاية مهما بدت بسيطة. يهدف ستانتون هنا، كما يقول، إلى استعادة المجال العام لصالح الناس العاديين. بعض المارّين قد لا يعيرون الصور اهتماماً، لكن آخرين سيتوقفون لحظات قبل أن يواصلوا طريقهم، وربما يولد داخلهم شيء جديد يغير من نظرتهم إلى الآخر وإلى الحياة عموماً.
في صفحتيه على "إنستغرام" و"فيسبوك"، يمنح ستانتون مساحة لافتة للفلسطينيين كي يعبّروا عن أنفسهم، ويحكوا روايتهم الخاصة بعيداً عن التغطيات الإخبارية السريعة. يفسح المجال لأمهات فقدن أبناءهن تحت القصف ليروِينَ وجع الفقد، ولشابات يتحدثن عن أحلامهنّ الصغيرة، ولرجال عاديين محاصرين بالانتظار والخسارات. يخرج الصوت الفلسطيني هنا من خانة الأرقام إلى حقل التجربة الإنسانية المباشرة. هذه الشهادات التي يتلقاها جمهور واسع حول العالم من متابعي ستانتون ساهمت في تغيير وجهة نظر الكثيرين، وسلطت الضوء على القضية الفلسطينية، كما أنها تضيف بُعداً أخلاقياً واضحاً لمشروع يحتفي بالإنسان في هشاشته وقدرته على الصمود.
في الأشهر الماضية، ركّزت "ناس من نيويورك" على نشر قصص إنسانية حول حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة؛ إذ نشرت في أغسطس/آب الماضي قصة عضو منظمة أطباء بلا حدود، محمد كلاب، الذي حكى عن استشهاد والدته بقصف إسرائيلي، ووالده المصاب بالشلل النصفي، ورعايته لإخوته ومرضاه. وفي قصة أخرى، حكت طبيبة الأطفال أقصى دوراني كيف منعها الاحتلال من إدخال الطعام رغم كونها عاملة إغاثة، مشيرة إلى أن الأطفال صاروا يصرخون من الجوع أكثر من الألم في غياب المسكنات. كما نشرت الصفحة قصة يهود يرفضون جرائم الاحتلال، مؤكدين أن ما يحدث في غزة لا علاقة له بالشعب اليهودي أو بالدين اليهودي، وأن الناس لم يعودوا يقبلون تبرير "الدفاع عن النفس".
تلقت هذه القصص استحساناً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، نظراً إلى قوة الصفحة وتأثيرها. علّقت متابعة اسمها شيلي أوان على سبيل المثال: "شكراً لك يا براندون على منحك إياهم منبراً. قلبي ينزف حزناً على ضحايا هذه الإبادة الجماعية". وكتبت نبيلة وسيم سعيد: "شكراً لك على نشر هذه القصص علناً، وهو ما لم يفعله الكثيرون. الإعلام الغربي زرع صورة 'الإرهابيين الإسلاميين' في أذهان الجميع، متجاهلاً قصص الفلسطينيين المؤلمة". أما صوفي فكتبت: "شكراً لك على سرد قصصهم الواقعية، بلا فلترة أو أكاذيب. من المهم جداً أن تُنشر لتصل إلى الجميع، خاصة في ظل الرقابة ودفع الأموال لإخفاء الحقيقة".
قصص "ناس من نيويورك" الفلسطينية لم تلق قبولاً من الجانب الإسرائيلي، إذ اعتبر مناصرو الاحتلال أنها تهدف إلى تشويه صورة إسرائيل. مقال رأي على موقع "تايمز أوف إسرائيل" وصف قصة اليهود المتضامنين مع الغزيين بأنها "درس متقن في التشهير بالدم، يصوّر اليهود كقتلة أطفال، ويعيد تصوير ضحايا الهولوكوست كمؤيدين لحركة حماس، ويصور إسرائيل كخيانة لليهودية". وخلط المقال، كما هي عادة الدعاية الإسرائيلية، بين انتقاد إسرائيل بوصفها كياناً محتلاً وبين اليهودية بما هي ديانة.