استمع إلى الملخص
- لم يكن بالاكيريف مؤلفًا موسيقيًا فقط، بل كان موجّهًا لأفراد حلقته، مؤثرًا على بيوتر تشايكوفسكي، وشجع على إعادة صياغة بعض أعماله، مما يعكس الاحترام المتبادل بينهما.
- من أبرز أعماله "إسلامي" و"تمارا"، حيث تُظهر "تمارا" قدرته على تحويل الشعر إلى موسيقى. رغم دوره المحوري، لم يحظَ بالشهرة خارج روسيا، لكن أعماله تظل شاهدة على عبقريته.
لعلّ ذكرى ولادة ميلي بالاكيريف في الثاني من يناير/كانون الثاني مناسبة لإعادة النظر في مكانته الفعلية في الموسيقى الروسية، ولمساءلة أسباب تهميشه، بالرغم من دوره في صياغة مشروع موسيقي قومي.
في مايو/أيار 1867، وفي أعقاب حفل موسيقي أُقيم خصيصاً للوفود السلافية، ضمن المعرض الإثنوغرافي الروسي الشامل، كتب الناقد الموسيقي ذو التوجه القومي، فلاديمير ستاسوف، مقالاً في صحيفة سانت بطرسبورغ، بعنوان "الحفل السلافي للسيد بالاكيريف". جاء في المقال توصيف سيغدو لاحقاً علامة فارقة في تاريخ الموسيقى الروسية: "حفنة صغيرة، لكنها قوية من الموسيقيين الروس". لم يكن الوصف مجازاً عابراً، بل إعلاناً مبكراً عن ولادة مشروع موسيقي قومي متكامل، سيُعرف لاحقاً باسم "الحفنة القوية".
ومن بين المؤلفين الذين عُزفت أعمالهم في ذلك الحفل: ميخائيل غلينكا، وألكسندر دارغوميجسكي، وميلي بالاكيريف (Mily Balakirev)، ونيكولاي ريمسكي-كورساكوف. أما "الحفنة" التي قصدها ستاسوف تحديداً، فهي بالاكيريف وسيزار كوي وموديست موسورغسكي ونيكولاي ريمسكي-كورساكوف وألكسندر بورودين. كان هذا أول ظهور علني للتسمية، وكان بالاكيريف قائد الحلقة وموجّهها وصاحب التأثير الأعمق في ملامحها الجمالية والفكرية، إلى درجة أن أفرادها فضّلوا أن يُنسبوا إليه، فصارت تُعرف أيضاً بـ"حلقة بالاكيريف".
لم يكن ميلي بالاكيريف (1837 - 1910) أكثر المؤلفين الروس غزارة في الإنتاج، لكنه لعب دوراً تأسيسياً في بلورة هوية الموسيقى الكلاسيكية الروسية. وغالباً ما يُقارن تأثيره بتأثير ميخائيل غلينكا الذي يُلقَّب عادة بـ"مؤسس الموسيقى الروسية"، ويعود هذا اللقب إلى أوبراه "حياة من أجل القيصر" التي مثّلت عند عرضها أولَ عمل أوبرالي روسي متكامل من ناحية البناء الدرامي، وكتب عنها نيكولاي غوغول أنها "بداية موفقة".
غير أن هذه التسمية لم تمر من دون سجال بين مؤرخي الموسيقى الروس والغربيين؛ فغلينكا لم يكن أول من ألّف أوبرا في روسيا بلغة روسية، إذ سبقه مؤلفون آخرون، ولم يكن أول من استلهم الفولكلور الروسي، فقد سبقه أليكسي نيكولايفيتش فيرستوفسكي إلى ذلك، لكن "حياة من أجل القيصر" كانت أول أوبرا روسية ذات بناء درامي متماسك لا ينقطع فيه السرد الموسيقي، كما أنها كانت أول عمل روسي أمكن، في نظر معاصريه، وضعه في منزلة تقارن بأعمال كبار المؤلفين الغربيين. مع ذلك، لم يستطع غلينكا، الذي جال في أوروبا وتأثر بمدارسها، أن يقطع كلياً مع أساليب التأليف الغربية. فموسيقاه، ولا سيما في "حياة من أجل القيصر"، جاءت توفيقية أكثر منها أصيلة، تجمع بين جمال إيطالي وعقلانية ألمانية. هذا التوفيق بالذات هو ما رآه بالاكيريف نقصاً ينبغي تجاوزه.
فبالاكيريف، بخلاف غلينكا، لم يتعلم في الغرب، بل لم يتلقَّ تعليماً أكاديمياً نظامياً في التأليف أصلاً، وإنما علّم نفسه بنفسه. وهذا ما فعله معظم أفراد حلقته، باستثناء سيزار كوي الذي كان قد ألّف قبل انضمامه إليهم، وإن ظلت قيمته الفنية أدنى، مقارنة ببقية "الهواة"، كما كانت تنظر إليهم جماعة الكونسرفتوار، واشتهر لاحقاً ناقداً أكثر منه مؤلفاً موسيقياً.
نظر بالاكيريف إلى غلينكا بوصفه ملهماً، وليس نموذجاً نهائياً. وعمل على إكمال مشروعه القومي بصورة أكثر جذرية، فرفض التأثيرات الغربية رفضاً قاطعاً، ودخل بسبب ذلك في صراع فكري مع أنطون روبنشتاين، الذي كان يرى أن تطور الموسيقى الروسية مشروط بالاستفادة من الغرب، لم يكن هذا الخلاف جمالياً فحسب، بل كان تعبيراً عن رؤيتين متناقضتين للهوية الثقافية.
لم يقتصر تأثير بالاكيريف على أفراد حلقته، بل امتدّ إلى بيوتر تشايكوفسكي، ألمع تلامذة أنطون روبنشتاين نفسه، فقد لعب دوراً نقدياً وتوجيهيّاً حاسماً في محطات مفصلية من مسيرة تشايكوفسكي، وشجّعه على إعادة صياغة أعمال مثل "روميو وجولييت" و"فاتوم"، وكذلك "مانفرد"، إذ نقل إليه البرنامج الذي صاغه الناقد فلاديمير ستاسوف استناداً إلى قصيدة لبايرون، ضمن أفق جمالي مهّد له هيكتور بيرليوز. كانت "مانفرد" إحدى أكثر أعمال تشايكوفسكي نضجاً وجمالاً في تلك المرحلة. اعترف تشايكوفسكي بهذا التأثير صراحة، حين أهدى إلى بالاكيريف المقطوعات الموسيقية الثلاث. ورغم أن تشايكوفسكي، الآتي من تقاليد الكونسرفتوار، كان يتبنّى موقفاً مختلفاً عن بالاكيريف إزاء الأساليب الغربية، فإن مراسلاتهما تكشف بوضوح حجم الاحترام والتقدير الذي كان يكنّه له.
بدأ بالاكيريف حياته الموسيقية عازفَ بيانو، وأظهر منذ سن مبكرة موهبة فطرية لافتة، إلى حدّ أنه أشرف على تدريبات الأوركسترا الخاصة براعيه ألكسندر ديميترييفيتش أولوبيشيف وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة. وكان أولوبيشيف أول من قدّمه إلى غلينكا، الذي أُعجب بموهبته إلى درجة أنه أوكل إليه تعليم ابنة شقيقته دروس البيانو.
لم يكن بالاكيريف عازفَ بيانو موهوباً فحسب، بل تمتع أيضاً بقدرة استثنائية على التقاط أي عيب أو خلل في قطعة موسيقية تُعزف عليه لحظياً، كما يروي ريمسكي-كورساكوف في مذكراته. فكان كلما عزف أحد أفراد الحلقة ما أنجزه من أعمال، يجلس أمام البيانو ليُريه، ارتجالاً، كيف ينبغي أن تُعدَّل القطعة. وساهم هذا الأسلوب، إلى جانب بطئه الشديد في التأليف (استغرق 33 عاماً لإكمال سيمفونيته الأولى) في أن تبدو أعماله، عند عرضها، متأخرة أسلوبياً. فالمقطوعات التي كان أفراد الحلقة يقدّمونها قبله، والتي يلمح فيها أثر أسلوبه نتيجة ديكتاتوريته الفنية، واعتياده العزف لهم بنفسه ما ينجزونه من تأليف، سبقته إلى الظهور، ما حرمه الاعتراف به مؤلفاً بارعاً ومبتكراً بالقدر الذي يستحقه.
لم يكن التأليف وحده ما شغل بال بالاكيريف، إذ اضطلع بدور الموجّه لأفراد حلقته، وعمل أيضاً على إعادة ترتيب عروض أعمال غلينكا بعد رحيله، كما أعاد ترتيب أعمال أخرى لم تكن قد نُشرت، بطلب من شقيقة غلينكا. قاده هذا الدور إلى صراع عنيف مع المؤلف التشيكي بدريخ سميتانا، الذي كانت علاقته به ودّية في البداية، بل ألّف هو نفسه "افتتاحية على موضوعات تشيكية". غير أن الخلاف الذي أنهى علاقتهما اندلع على خلفية شكوك بالاكيريف بوجود دسائس بوهيمية لإفساد عرض أوبرا "حياة من أجل القيصر". وربما كان لهذه الشكوك ما يبررها، إذ كان التشيكيون شديدي الحساسية تجاه أي ذكر للهيمنة الروسية أو للقيصر، في حين أن الأوبرا تتمحور أساساً حول شخصية القيصر من خلال قصة إيفان سوسانين.
ومن بين أعمال بالاكيريف الأشهر تبرز "إسلامي"، وهي فانتازيا شرقية، من أصعب مقطوعات البيانو، وتشكل تحدياً تقنياً كبيراً للعازفين، و"تمارا"، وهي قصيدة سيمفونية، أي موسيقى برنامجية تُؤلَّف انطلاقاً من موضوع غير موسيقي، كقصيدة أو لوحة أو مسرحية، وهو النوع الذي عُرفت جماعة "الخمسة" بتفضيله. ألّف بالاكيريف "تمارا" استناداً إلى قصيدة للشاعر ميخائيل ليرمنتوف تحمل الاسم نفسه، وتدور حول أميرة تقيم في القوقاز في برج على ضفة نهر تيريك، تغوي المسافرين ليلاً، وتدعوهم إلى قضاء ليلة عامرة باللذة الحسية، قبل أن تلقي بهم عند الفجر من أعلى البرج إلى أسفل الجرف.
جاءت "تمارا" في هيئة عمل سيمفوني من حركة واحدة متصلة، تبدأ بمقدمة غامضة داكنة، ترسم فضاءً ليلياً موحشاً يوحي بالعزلة والرهبة. يستحضر بالاكيريف الطابع الشرقي - القوقازي، عبر استخدام سلالم لحنية غير مألوفة في التقليد الغربي، وإيقاعات متمايلة توحي بالإغواء والسحر. يبلغ العمل ذروته في تصاعد أوركسترالي كثيف يصوّر صراعاً نفسياً حاداً، قبل أن ينتهي بخاتمة هادئة قاتمة توحي بالأفول والزوال.
رغم هذا الدور المحوري، ورغم التأثير العميق الذي مارسه بالاكيريف في مسار الموسيقى الروسية، لم يحظَ هو وأعماله بالشهرة التي حظي بها غيره من أفراد الحلقة، ولا سيما ريمسكي-كورساكوف وموسورغسكي، خصوصاً خارج روسيا، إلى حدّ أننا لا نكاد نجد له حضوراً في مقررات أكاديمية غربية أساسية، مثل "مقدمة إلى الموسيقى الكلاسيكية" في جامعة ييل الأميركية. غير أن هذا التهميش النسبي لا ينتقص من عبقريته، ويكفيه أنه ألّف "تمارا"، إحدى أرقى القصائد السيمفونية الروسية وأعمقها نفسياً وفكرياً، وتمثّل ذروة مسيرته الفنية، ودليلاً ساطعاً على قدرته على تحويل الشعر إلى موسيقى ذات بنية متماسكة ورؤية مستقلة.