ميغيل غوميز (1/ 2): "أصوّر ما يُفاجئني ويُحرّك مشاعري ويُؤثّر بي"
استمع إلى الملخص
- يتميز الفيلم بتنوعه اللغوي والثقافي، حيث يستخدم ست لغات ويستعرض مناظر آسيوية خلابة، مع تصوير في مواقع حقيقية رغم تحديات جائحة كورونا، مما أضفى واقعية وسحرًا خاصًا.
- يعبر غوميز عن شغفه بالسرد القصصي من خلال مغامرة تتجاوز الحدود التقليدية، مما يضفي حيوية وصدقًا يصلان إلى المشاهدين.
في فيلمه السادس "جولة كبرى" (2024)، الفائز بجائزة أفضل إخراج في الدورة 77 (14 ـ 25 مايو/أيار 2024) لمهرجان "كانّ"، يقدّم البرتغالي ميغيل غوميز رحلة متعدّدة الجوانب، جامعاً قصّة خيالية لمسؤولٍ استعماري، يفرّ من خطيبته عابراً آسيا أوائل القرن 20، بلقطات تسجيلية معاصرة للمنطقة.
يهرب رجل، فتطارده امرأة عبر حدود ستّ دول في جنوب شرق آسيا. إدوارد (غونزالو وادنغتون) ديبلوماسي بريطاني وَعَد مولي (كريستا ألفايات) بالزواج بها قبل سبع سنوات. بعد أنْ سئمت من الانتظار الطويل، قرّرت البحث عنه، بعد مواجهة غير متوقعة وعنيفة. إنّه عام 1918، كما يشير التعليق الصوتي في البداية، لكنّه الحاضر أيضاً، بشهادة صُور مدينة ملاهٍ صغيرة في ميانمار، المستعمرة البريطانية السابقة المُسماة بورما، والشوارع المزدحمة بالدراجات النارية في شارع فيتنامي.
تقديم وصف موجز لجديد غوميز، أحد أهم صانعي الأفلام في البرتغال في العقدين الماضيين، ليس سهلاً. الأفضل، هذه الطريقة: المثالية، أي الحفاظ على البراءة، واكتشاف الطبقات المختلفة التي تُكوّنها تدريجياً، بينما تغرق الشاشة البيضاء بالصُوَر.
استند مخرج "شهر أغسطس العزيز" (2008) و"تابو" (2012) وثلاثية "ليالٍ عربية" (2015) على كتاب "الجنتلمان في الصالون" (1930) لويليام سومرست موم (1874 ـ 1965)، بعد رحلاته عبر بورما وتايلاند وكمبوديا، في عشرينيات القرن 20. عابراً في الكتاب، كحكاية ثانوية تقريباً، يُوصف موقف مشابه للمنطلق منه الفيلم. بين يديه، يتحوّل المكتوب إبداعاً سينمائياً، ينسج صُوراً تسجيلية/وثائقية لدول آسيوية، مع إعادات إنشاء وتمثيل ديكورية، تُعيدنا إلى العصور الذهبية للسينما المُنتجة في الاستديوهات.
الواقعية والخيالية، إحدى الثنائيات العديدة لفيلمٍ روائي طويل، مُقسّم إلى جزأين، مع شخصيتين، كلٌّ منهما في زمنها الخاص. فيلمٌ بين الأسود/الأبيض والألوان، يستخدم ستّ لغات لسردٍ شامل يُرافق البطل، ثم البطلة، في رحلتهما عبر تايلاند والفيليبين وفيتنام واليابان وسنغافورة، وأخيراً الصين. عالمٌ لا يزال مضطرباً بعد الحروب الأوروبية العظمى.
التصوير في الموقع بعيدٌ عن البساطة. فإضافة إلى التحدّيات المعتادة لأي فيلم (تصوير سايومبهو موكديبروم وجوي ليانغ)، تفاقمت الأمور بسبب كورونا. مع ذلك، النتيجة النهائية مُدهشة، بدءاً من صورة الافتتاح (دولاب هواء صغير من دون مُحرّك، يدفعه شباب بقوّة عضلاتهم). إلى جانب المُصوّر السينمائي روي بوكاس، الذي عمل مع المخرج منذ روائيّه الأول، "الوجه الذي تستحقه" (2004)، أعيد بناء مَشاهد: قطار خرج عن مساره، غابة مُطيرة استوائية كثيفة، قصر بحديقة زاخرة بمئات الزهور، عيد ميلاد أمير شرقي (ديكورات داخلية).
افتتان غوميز بالحكي، وسرد القصص المتوالدة والمفضية إلى قصصٍ أخرى، جانب أساسي في صلب عمله السينمائي، كما في "تابو" و"ليال عربية" و"مذكّرات أوتسوغا" (2021). مرة أخرى، المغامرة نقطة البداية، والوجهة النهائية. فبينما يجد إدوارد ومولي نفسيهما بدلاً من بعضهما البعض، يقوم طاقم "رحلة كبرى" برحلته الخاصة عبر آسيا المعاصرة: صُوَر "توك توك" في الشوارع المزدحمة لبانكوك، مبانٍ سكنية شاهقة، رقصات وألعاب محلية، رجال ينتشون بكاءً أثناء غنائهم الكاريوكي.
(*) كيف جاء عنوان "جولة كبرى"، الذي يستدعي مصطلحاً قديماً يشير إلى طريق سفر عبر آسيا، كان شائعاً أوائل القرن 20؟
تعرّفتُ على هذه الطريق من كتاب الرحلات "الجنتلمان في الصالون" لسومرست، الذي ألهمني حينها فكرة الفيلم. في فترة الإمبراطورية البريطانية، سلك كُتّاب عديدون هذه الطريق، التي تبدأ في بورما أو الهند القديمة، وتنتهي عادة في الصين.
(*) أنت أيضاً سافرت عبر آسيا. كيف كانت رحلتك الكبرى؟
رائعة. لم تكن الثانية زمنياً، بل الأولى. جاءت التسجيلات في الاستديو بعد ذلك. أخبرتُ المنتجة أنّي لا أملك نصّاً، وخلافاً لكلّ التوقعات، قبلتْ عرضي. أخبرتها قليلاً عن كيفية تخطيطي للقصّة: رجل يهرب من عروسه عبر آسيا. قبل كتابة سطر واحد، أردت رحلةً تخصّني مع فريق العمل. حينها فقط، بدأت البحث عن كيفية استخدام "لقطات الأرشيف" في قصّة الحب هذه.
عندما تخطر بالبال فكرة كهذه، تقول المنتجة عادة شيئاً مثل "تباً لك". لكنْ، لحسن الحظ، تحمّست، وفهمتْ أنّ رحلتنا الخاصة جزء من العملية.
(*) ثم هناك قصّتا إدوارد ومولي المختلفة إحداهما عن الأخرى. في النصف الأول، قصّة إدوارد، فقصّة مولي. ما الفرق الأكبر بين الرحلتين؟
سمعتُ أن الجمهور النسائي يكره إدوارد، وأتفهّم ذلك. أحبّهما بطرقٍ مختلفة. يبدأ إدوارد شخصيةً جبانة ومُشوَّشة. لكنّ هذا يتغيّر. مولي أكثر حضوراً على الشاشة، وحضورها قوي، عكس إدوارد، الذي يبدو مُملاً بعض الشيء. مولي شخصية رائعة. مرحة وكريمة وحيوية. تمرّ أيضاً بتحوّل. في البداية، تكون أقرب إلى مضطربة نفسياً ومهووسة. لكنّها تدريجياً تصبح أكثر وعياً بما يحدث. إدوارد أولاً، ثم مولي. هناك هو، وهناك هي. مولي هي مَن تُغيّر المزاج.
(*) ما الذي أثار اهتمامك في كتاب سومرست موم؟ ما مدى معرفتك بالمناطق المختلفة في آسيا؟
بالنسبة إلي، صناعة الأفلام تعني الخروج من روتيني اليومي، والشروع في مغامرة. أحاول تصوير شيء يُفاجئني، ويُحرّك مشاعري، ويُؤثّر بي بطريقة مختلفة. قبل كتابة سيناريو "جولة كبرى"، انطلقت في رحلة استكشافية خاصة. رفقة فريق صغير، سافرت عبر ميانمار واليابان. عملنا مع شركات إنتاج محلية صغيرة في كلّ بلد. الكتابةُ ردّة فعل على خبرات هذه الرحلة، والمواد التي صوّرناها هناك.
بالنسبة إلى السؤال الثاني: لا أعرف الكثير حقاً. لذا، مهمّ أن نسافر إلى هناك بأنفسنا أولاً. صوّرنا معظم الفيلم بأنفسنا، لكنّنا لم نذهب إلى الصين. في فبراير/شباط 2020، كنّا في اليابان نخطّط لرحلتنا التالية عندما قال شركاؤنا الصينيون إنّ هناك مشكلة: لن نتمكّن من دخول البلد بسبب تفشي كورونا. في البداية، اعتقدتُ أنّ الأمر سينتهي في أشهر. في النهاية، استغرق نحو سنتين. عام 2022، قرّرت التصوير عن بُعد. كان هناك طاقم صيني في الموقع، وكنتُ في لشبونة، في منزلٍ مع شخصين أو ثلاثة، محاطين بشاشات. في إحداها، تمكّنت من رؤية ما يعرضه هاتف مساعد المخرج، حتى أتمكّن من الحصول على فكرة عن المناطق المحيطة، وأظهرتْ شاشة أخرى منظور كاميرا 16 مم.
(*) كيف كان التواصل؟
همستُ بتعليمات افتراضية للمُصوّر، كالتحرّك إلى شيء رأيته على هاتفي، لكنّه خارج مجال رؤية كاميرته. رغم أنّي لم أقابله شخصياً في السابق، نجح الأمر بشكل مُدهش. كان بإمكاني الإخراج كما لو كنت جالساً بجواره مباشرة.
(*) كيف يُمكن اكتشاف بلدٍ من بُعد؟ كيف تعاملت مع مسألة التصوير في عالمين، عالم من صنعك في الاستديو، وعالم حقيقي بين أناسٍ حقيقيين؟
عدم الحضور الجسدي، والقدرة على رؤية الأشياء بعينيّ، أمرٌ مُقيّدٌ للغاية. اهتمامي كان دائماً المعيار الرئيسي لاختيار مكان التصوير ونوع الأحداث. ما الذي يُبهرني، وما الصُوَر التي أجدها جذّابة؟ الرجال الذين يسحبون القوارب عكس مجرى نهر اليانغتسي، ودواليب الهواء (Ferris wheel) في رانغون، وقطف أزهار اللوتس في تايلاند. أردتُ تصوير العالم الحقيقي، المؤلّف من أشياء مختلفة تماماً، لا صُنع كولاج من المفاتن والتذكارات السياحية. الحاضر يكون غالباً أروع من السينما الخيالية، المُنتجة في الاستديو.
أحبّ التصوير خارج الاستديو، لأنّه يمنحني حرية أكبر. لا أحتاج إلى ابتكار أي شيء بنفسي. في الاستديو تُقيّد نفسك: تقتطع من الشوارع والقصة، ولا يمرّ الناس حولك تلقائياً. أكره ذلك. في تلك اللحظات العفوية، تحدث أجمل الأشياء. لذا، وجدتُ التصوير في الاستديو مُثيراً للاهتمام، وتعاملتُ معه بطريقة مختلفة قليلاً: لم تكن قصة إدوارد ومولي كُتبت بعد، وبدأت الإنتاج من دون لوحة عمل وتخطيط لذلك. اتّبعت حدسي. كيف يتفاعل الممثلون مع هذا الجوّ؟ كيف تبدو ديكورات التصوير يوم التصوير نفسه؟
في النهاية، كانت التجرية ممتعة. مهمّ جداً لي أنْ أستمتع. ربما يبدو هذا أنانياً، لكنّ الاستمتاع أثناء التصوير مهمّ لي ولفريق العمل، لأنّ ذلك سيصل إلى المتفرّجينعلى الشاشة الكبيرة.