ميادة بسيليس: رحيل الحلبية التي تجرأت على السائد

20 مارس 2021
الصورة
لم تكن نجمة غلاف، فقد اختارت المسلك الثقافي على التجاري (تويتر)
+ الخط -

هادئة كصوتها، تهمس حين تتكلم، ولكنها تصرخ أحياناً بكل قوة حين تغني، ضد الذين يقبلون بالأوضاع ويعتبرون أن كل شيء عادي ومقبول، "حاجي تقولولي عادي، لا مو عادي، عفّن قلبي من العادي لا مو عادي".

تلك الفتاة الحلبية ميادة بسيليس اقترحت على المستمع العربي أسلوباً غنائياً مختلفاً منذ عشرين عاماً، مع زوجها الموسيقي البارز سمير كويفاتي.

تعرفت إلى ميادة وسمير في تونس. كانت نجمة كبيرة تذيع المحطات الإذاعية أغانيها باستمرار، ولا تزال إلى اليوم، ويحفظ جمهور كبير أشهر أغانيها وخاصة "عادي" و"كذبك حلو".. وغيرهما، وتقدم حفلاتها هناك بشبابيك مقفلة.

ثم التقيتُ الثنائي في حلب الشهباء، من أجل لقاء تلفزيوني يحاول أن يصوّر النجوم في مدنهم وأحيائهم، يفهم أين كبروا وكيف وماذا كانت تأثيرات البدايات، وعندما ذهبتُ إلى هناك فهمتُ كيف تخرج تلك الأصوات من تلك المدينة، وفهمتُ كيف تربت بسيليس بالذات في حيّها الذي تستند فيه الكنيسة إلى المسجد، وكيف نما ذلك الأسلوب الغنائي الذي اقترحه هذا الثنائي على ساحة عربية مصرة على طرب قديم يعاد أو نموذج تجاري متسرع يكاد يكون هلامياً.

والغريب أن كويفاتي وبسيليس قدّما هذا النموذج من قلعة الطرب حلب، المحافظة والكلاسيكية والمصرة على سجلها الغنائي وطقسها الفني بحذافيره، حتى لكأنها تترصد كل مارق عن المألوف.

 

ويقول كويفاتي عن ذلك إنه ما دمنا لم نغن الموشح على البيانو فلن نخرج إلى العالم، وما دام هناك تحجر من طرف القائمين على التراث فلن نتقدم، ولذلك أحب الرحابنة وزياد بالذات، زياد كان يعزف السماعي الثقيل على البيانو، كما يقول.

وعن العمل معها، يقول كويفاتي إنه متعب نسبياً لأنه تنقصها الخبرة بسبب عدم عملها اليومي في المطاعم والكباريهات، ولكن صدق صوتها يمكن من الاختراق.

لم تكن ميادة بسيليس نجمة غلاف، فقد اختارت المسلك الثقافي على المسلك التجاري، وذهبت لمحاولة أن تترك بصمة كما تقول في لقائها معي، وتعتبر أنها حققت خطوات مهمة إذا ما قارنت مقترحها الغنائي بالإمكانات المتاحة لها وبالساحة الموسيقية العربية عموماً، ووصلت إلى جمهور مهم في كثير من البلاد، ولكن أكثر ما يسعدها ليس كثرة للجمهور ولا المعجبين، وإنما نظرة الاحترام التي تراها في عيون الناس.

فوجئتُ برحيلها كما كثيرين. لم نكن نعلم أنها مريضة، تذكرت بناتها وثلاثتهن محبات للموسيقى: نور تعزف على البيانو، ومرح على التشلو، ونغم الصغيرة على الكمان. أكيد أنهن كبرن منذ التقيتهن في حلب منذ 15 سنة، ندعو الله أن يرزقهن الصبر على هذا الرحيل.

المساهمون