استمع إلى الملخص
- تزايد الإقبال على الحفلات الحية والمنصات الرقمية، مع اهتمام الأجيال الجديدة بالأغاني القديمة، مما يعكس رغبتهم في استكشاف الموسيقى التاريخية.
- برزت اتجاهات موسيقية جديدة واعتزال بعض النجوم الكبار، مثل إلتون جون، بينما ودّعت الساحة الموسيقية العربية زياد رحباني، مما يعكس نهاية حقبة موسيقية وبداية أخرى.
للعام الثالث على التوالي، لا بدّ من أن يتصدّر، من جديد، الخرقُ التكنولوجيّ المتمثّل بطرح تقنيّة الذكاء الاصطناعي في السوق العالميّة عناوينَ أيّ حصادٍ موسيقيّ، ولا سيّما أنّ معالم الحقبة الجديدة، التي أرستها تلك التكنولوجيا الوليدة، باتت أوضح، وذلك في ضوء التطوّر المتسارع لتطبيقاتها المتعدّدة، وعمق تأثيراتها على كلٍّ من جهتي المبدع المنتج والمتلقّي المستهلك.
نُشِر منذ أشهر تحليلٌ أعدّته منصّةٌ رقميّة فرنسيّة لتحميل الموسيقى، مفاده أنّ ما يصل إلى 70% من المواد الموسيقيّة المرفوعة على الإنترنت وُلّدت توليداً ليس قانونياً بواسطة "بوت" ذكاء اصطناعي. أمّا الاستطلاع الأكثر إثارةً للدهشة، الذي أجرته كلٌّ من منصّتي Deezer وIpsos، فقد توصّل إلى أنّ 97% من عيّنةٍ مستهدفة من المستخدمين لم يتمكّنوا، لدى استماعهم إلى أغنيةٍ ما، من تمييز ما إذا كانت مؤلَّفةً بشريّاً أم مولَّدةً حاسوبيّاً.
شهد الشهر الماضي حدثاً تاريخيّاً، حين تبوّأت أغنيةٌ ولّدها الذكاء الاصطناعي، لأوّل مرّة، المرتبةَ الأولى على لائحة الرفع الرقمي (Digital Chart) للأغاني الأكثر شعبيّة في الولايات المتّحدة؛ إذ رفع فنان كونتري مجهول الهوية، اسمه Breaking Rust، ظهرت صورته بلحيةٍ قصيرة وقبّعة كوبوي، أغنيته الأولى Walk My Walk لتحوز، في غضون ساعات، على 2.2 مليون استماع على منصّة سبوتيفاي. تبدأ الأغنية بهمهمةٍ يصعب تصوّر صدورها إلّا عن حنجرةٍ آدميّة، يليها ما يُشبه الموال على طريقة البلوز، مع سائر التلوينات الصوتيّة المعهودة، من بحّةٍ هنا وتنهيدةٍ هناك.
أمّا الكلمات، المولَّدة صناعيّاً أيضاً، فتزخر بكليشيهات الأشعار المُلحَّنة لأغاني الكونتري؛ تشكو مرارة الحياة وحُكم القدر، وتفخر بالفروسيّة المفعمة بالهمّة والشجاعة: "تعرّضتُ للضربات، ولكنّي لم أنحن. مرّغتُ سروالي الجينز بالوحل، مُبقياً على الجهوزيّة للمضيّ قدماً. كلّ ندبةٍ بمثابة قصّة بقاء. لقد خضتُ الجحيم، ولكنّي ما زلتُ حيّاً". ثمّ تبدأ الموسيقى بالتصعيد التدريجي على وقع الأكفّ والأقدام، يُصاحبها نقرٌ على آلة غيتار الباص، فيما تؤازر الغناءَ جوقةٌ مستترة عند الذُّرى الدراميّة.
لئن تصدّى عددٌ من النقّاد والإنفلونسرز للأغنية، مقلّلين من أهمّيّتها، وكاشفين بسخريةٍ عن مكامن الضعف فيها وافتقارها إلى علامات الإنتاج الآدمي، يبقى ما يغفله هؤلاء، أوّلاً، أنّ مقاربتهم مبنيّة في الأساس على علمهم المسبق بأنّ Walk My Walk من صنع "بوت"، أي أنّهم ينطلقون في حكمهم من انحيازٍ تأكيديّ (Confirmation bias) يرى سلفاً أنّ الإنتاج لم يرقَ إلى مستوى الإبداع البشري. أمّا ثانياً، فإنّ التكنولوجيا ما زالت في طور النطفة الأولى، وأنّ الخطّ البياني لتسارعها يشي بوثباتٍ تمتدّ على مدار أشهر، لا سنوات.
من شأن ما تقدّم أن يُغيّر شكل العلاقة بين المستمع والموسيقى جذرياً مع حلول العام الجديد، وذلك على صُعُدٍ عدّة. أوّلها ازدياد الإقبال على الحفلات الحيّة؛ فمعظم المسارح وصروح العروض الجماهيريّة أخذت، منذ نحو عام، تسجّل مبيعات تذاكر قياسيّة لحفلاتها الموسيقيّة.
وقد سجّل استاد دو فرانس في فرنسا أكبر معدّل ارتياد في تاريخه، وأعلى مستوى حجوزاتٍ مسبقة، وذلك حتّى قبل الإعلان عن جدول عروض العام المقبل. هذه الظاهرة، التي بات يُشار إليها باقتصاد التجربة (Experience economy)، أخذت تستقطب غالبيّة "جيل زي"، لتشمل استهلاك الموسيقى، إذ لم يَعُد اقتناؤها، سواءً بشكل صلب (CD) أو عبر تحميلها رقميّاً، ما يستهوي الشباب، بل باتت القيمة تكمن في الذهاب لحضورها بينما يؤديها مُبدعوها المُعتلون خشبة المسرح.
وعلى صعيدٍ ثانٍ، شهد العام المنقضي عودةً إلى اكتشاف الفرق والألبومات والأغاني الضاربة الأقدم عهداً، إذ تشهد منصّات التواصل الاجتماعي موجاتٍ متجدّدةً من الرجوع إلى اكتشاف موسيقى حقباتٍ سابقة، مثل الثمانينيات والتسعينيات، فيما يُعرف بالموضة الرجعيّة (Retro).
من بين تلك الأغاني القديمة التي حظيت بانتشارٍ فيروسيّ أغنية Should I Stay or Should I Go لفرقة Clash الصادرة سنة 1982، وأغنية Hold My Hand من سنة 2015 لفريق BTS، التي حازت لقب أغنية الصيف على "تيك توك"، وحقّقت عودةً مفاجئة إلى لوائح بيلبورد هذا الشهر. وإن دلّ ذلك على شيء، فإنّما يدلّ على توق الأجيال الصاعدة إلى منتجاتٍ تأصّلت هويّتها بفعل الزمن، في محاولةٍ للتحصّن إزاء الانتشار المتزايد للمواد السمعيّة، سواءً تلك المنتَجة رقميّاً أو المولَّدة كليّاً بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
وفي ضوء المتغيّرات الكبرى المدفوعة بالخروقات التكنولوجيّة النوعيّة، التي باتت تؤثّر عميقاً في الإنسان المعاصر معرفيّاً ووجوديّاً، بدأ المبدعون الشباب رحلة تكيّف مع الواقع، ما انفكت تُفضي إلى ألوانٍ فنيّة جديدة وأجناسٍ موسيقيّة فريدة. ولعلّ أكثرها فرادة هذا العام كان إصدار الفنّانة الإسبانيّة روزاليا ألبومها الرابع "لوكس"، الذي يُمثّل نقلةً نوعيّة في الموسيقى الجماهيريّة، لجهة إدماجه الموسيقى الكلاسيكيّة لا بوصفها خلفيّة هارمونيّة للتأثيث والتوثير، بل كعنصرٍ جماليّ آليّ وغنائيّ يدخل في صلب تكوين كلّ أغنية على حدة.
ففي "لوكس"، تعلن روزاليا خروجاً واعياً من تصنيفات الحداثة الموسيقيّة، عبر عملٍ طليعيّ يجسر بين البوب والكلاسيك، ويستدعي الروحانيّ والطقسيّ أفقاً بديلاً للاغتراب. فيما يُعاد توظيف الكلاسيك ليس بوصفه أثراً تنويريّاً، بل عنصراً تشكيليّاً لصوغ مشهديّة قوطيّة عابرة للتاريخ. ومن خلال تقسيمه إلى أربع حركات تستحضر أركان الوجود، يقدّم الألبوم سرديّةً تتجاوز الهويّات، ليغدو في مجمله مسعى معاصراً لأجل "إعادة سحر العالم" في زمنٍ تكنولوجيّ يستشري فيه غياب المعنى، وفي الأخص لدى الأجيال الصاعدة.
وكما في كلّ مقلبٍ تاريخيّ اكتسبت أخبار اعتزال نجومٍ كبارٍ قيمةً رمزيّة خاصة، إذ جاء إطلاق ألبوم Who Believes in Angels لإلتون جون بمثابة إعلان الختام، أكثر منه تدشيناً لمرحلة قادمة. وقد تزامن صدوره مع تأكيد جون عزمه على اعتزال التجوال الفنّي والتفرّغ للكتابة والتسجيل. ومن ثمّ، بدا الإصدار وكأنه احتفالٌ بمسيرة امتدّت لعقود، حددّت معالم فترةً خلّاقةً من تاريخ البوب.
كذلك، مثّل العرض الوداعي لفرقة Black Sabbath أفولَ الهيفي ميتال. ففي الخامس من يوليو/تموز الماضي، وفي مدينة بيرمينغهام، مهد هذا الجنس الموسيقي، أُسدل الستار على مسارٍ امتدّ قرابة نصف قرن، كان فيه "المعدن الثقيل" أكثر من مجرّد لونٍ صوتيٍّ، بل تعبير ثقافيّ عن زمنٍ مضطربٍ يبحث له عن قالبٍ مستقر. ومن ثمّ بدا الحدث بمثابة استعادةٍ خاطفةٍ لزمن ما قبل الرقمنة (Analogue)، فضلاً عن اختتام مسيرة فرقةٍ أيقونيّة، ولا سيّما أنّ مغنّي الفرقة أوزي أوزبورن كان قد رحل بعد الحفل الوداعي بقرابة الشهر، عن عمر 76 عاماً.
عربياً، وفي أجواء الرحيل، ودّعت الحياة الموسيقيّة في 26 يوليو من هذا العام الموسيقي اللبناني زياد رحباني عن عمر 69 عاماً. ابن الأسرة الفنّيّة الرحبانيّة العريقة هو الأشدّ تأثيراً في المشهد الثقافي في لبنان وعموم بلاد الشام، منذ منتصف السبعينيّات حتّى منتصف العشريّة الأولى من الألفيّة الثالثة؛ إذ ساهم في تأسيس لونين موسيقيّين، هما الموسيقى العربيّة البديلة والجاز الشرقي (Oriental Jazz)، كما صاغت مسرحيّاته الغنائيّة، نصّاً وألحاناً، الوعيَ الجمعيّ لشباب الطبقة الوسطى في سائر المنطقة الناطقة بالعربيّة، ليُسدل رحيله، بدوره، الستار عربياً على حقبة، ممهّداً لحقبةٍ أخرى قادمة.