مهرجان مراكش 22: حكايات الذاكرة ومغزى الهوية

10 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:06 (توقيت القدس)
أحمد بولان وكارمن مورا في "زنقة مالقة" للتوزاني: كوميديا درامية صريحة (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مهرجان مراكش الدولي للأفلام في دورته الـ22 يعزز مكانته كمنصة عالمية، مركزًا على دعم المواهب الشابة وعرض أفلام من خارج المركزية الأوروبية-الأمريكية، مع تقديم ثمانية عروض عالمية أولى.
- في المسابقة الرسمية، فاز فيلم "دائرة مستقيمة" بجائزتي أفضل إخراج وأداء رجالي، بينما حصل "سماء بلا أرض" على النجمة الذهبية لطرحه السياسي والإنساني، وفاز "بابا والقذافي" و"ذاكرة" بجائزة لجنة التحكيم.
- عرضت الدورة أفلامًا متنوعة مثل "زنقة مالقة" و"صديقي الصامت"، متميزة بالتقاط لحظات إنسانية واستكشاف موضوعات الهوية والذاكرة بطرق مبتكرة.

 

"ماذا كنت تصنع عندما كنت في الـ22 من عمرك؟ في الـ22 من عمري، كنت ألتهم الأفلام بشغف، كطالب سينما، إذْ أشاهد ثلاثة أو أربعة أفلام في اليوم. كنت مليئاً بالطاقة والشغف بالسينما. أشعر أن المهرجان الدولي للأفلام بمراكش يزخر بطاقة خاصة. لكنه، على عكس حالتي، يدخل عامه 22، بعد أن قدّم مساهمات كبيرة في فن السينما. عاش وتنفّس السينما الدولية في 22 سنة الماضية. من دعم أفلام كورية مستقلة، كـ"هان غونغ ـ جو"، إلى استضافة مخرجين مشهورين عالمياً، كألكسندر باين وإيساو يوكيسادا، إلى عرض أفلام مغربية جميلة، كـ"كذب أبيض"، كان مهرجان مراكش في طليعة السينما العالمية".

بهذا الخطاب، افتتح رئيس لجنة التحكيم المخرج الكوري بونغ جون ـ هو دورة، اتّسمت جُلّ اختياراتها بمنحى توطيد التوجّه الاستراتيجي، المتمثل في اكتشاف مواهب ودعم أصوات مبتكرة من جيل الشباب، عبر رعاية مشاريع أفلامهم في مختلف مراحل صنعها، بفضل ورشات الأطلس، الذراع الصناعي للمهرجان، أو الاحتفاء بأعمالهم المبرمجة في مختلف الأقسام، لا سيما المسابقة الرسمية المتخصّصة في الأفلام الأولى والثانية لمخرجيها، بوضعها تحت مجهر لجنة تحكيم رفيعة، تكوّنت هذه السنة، إلى مخرج "ذكريات القتل" (2003)، من المخرج البرازيلي الجزائري كريم أينوز، والمخرج المغربي حكيم بلعباس، والمخرجة الفرنسية جوليا دوكورنو، والممثل والمخرج الإيراني بيمان معادي، والممثلة الأميركية جينا أورتيغا، والمخرجة الكندية سيلين سونغ، والممثلة الإنكليزية الأرجنتينية أنيا تايلور ـ جوي.

تميّزت الدورة 22 (28 نوفمبر/تشرين الثاني ـ 6 ديسمبر/كانون الأول 2025) كذلك بإعادة توزيع أوراق المسابقة الرسمية، وقسم "القارة الحادية عشرة"، للتركيز على أفلامٍ من خارج المركزية الأوروبية ـ الأميركية، أي من أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، وبتعزيز جاذبية المهرجان بثمانية عروض عالمية أولى، أهمها "الست" لمروان حامد (العربي الجديد، 4 ديسمبر/كانون الأول 2025)، والتكاملية مع ورشات الأطلس، التي شهدت تسعة أفلام من 81 فيلماً مبرمجاً في العروض.

 

 

المسابقة الرسمية

شكّلت الحصة الصباحية لعرض "دائرة مستقيمة"، للإنكليزي أوسكار هودسون، المتوّج بجائزتي أفضل إخراج وأفضل أداء رجالي لبطليه التوأم لوك وإليوت تيتنسور، لحظة سينمائية رفيعة، انخطفت فيها قلوب المهرجانيين أمام قوة تعبيره البصري، ومقاربة مذهلة للفضاء. إذْ يحكي قصة استعارية لجنديين يحرسان حدود بلدين، خاضا حرباً طاحنة توقّفت قبل عشر سنوات، لكن ترسّباتها لا تزال حاضرة في علاقاتهما. شيئاً فشيئاً، يختلّ توازن البرنامج اليومي للجنديين، ويتّخذ الصراع العبثي بينهما على تفاصيل تافهة منحى كوميديا بورليسك، قبل أنْ ينتقل الفيلم، عندما يقبضان على راعي ماعز يحوم بقطيعه في نسق دائري لا يعترف بالحدود (مُدعى العنوان)، إلى أجواء كابوسية، وفضاء ذهني، مع هيام الجنديين في عاصفة رملية لا تنتهي، ويختلط عليهما الواقع باستيهامات وصُور من الطفولة.

يلفي الجنديان نفسيهما أمام مرآة تعكس إنسانيتهما في صورة الآخر، إثر رحلة داخلية مُدهشة، تقفّاها هودسون، القادم من إخراج كليبات موسيقية، بجمالية التقابل ـ التماثل والشاشة المنقسمة (Split-screen)، التي يصعب أن نجد لها استثماراً جمالياً بهذه النجاعة والدلالة نفسيهما في السينما المعاصرة، ما عدا "فورتيكس" (2021) لغاسبار نوي. يقبض المخرج ـ كاتب السيناريو على ثيمة تناقل تقاليد الشوفينية والعداء للآخر بين الأجيال، مُجرّداً الجنديين من كل ما يصنع التمايز الأيديولوجي بينهما، بما في ذلك الهيئة الخارجية (شعر، لحية، إلخ) وملابس، كأنه يتساءل: "ماذا يتبقى من هوية المرء عندما يفقد كل شيء، وينسى كل الذكريات، بما في ذلك اسمه؟". وعسى جملة الحوار "أنا نحن، نحن أنا"، التي يتبادلها العسكريان، أفضل مُعبّر عن ثيمة الهوية، التي تعبر كخيط أحمر رفيع جُلّ أفلام المسابقة.

التونسية أريج السحيري مُنحت النجمة الذهبية (الجائزة الكبرى) عن فيلمها الطويل الثاني "سماء بلا أرض": حيوات ثلاث نساء إيفواريات، يعشن في تونس، بعد قصص هجرة مختلفة، شرعية وغير شرعية. الموضوع مستوحى من أحداث حقيقية مأساوية تعرّض لها مهاجرون من أفريقيا، جنوب الصحراء في تونس، إلى عنف وتهديدات ومطاردات، ظلّ (الموضوع) جاثماً على مقاربة المخرجة، التي لم تتمكّن من تجاوزه إلى آفاق أرحب. الاستثناء ربما يكمن في علاقة القسيسة ماري (أيسا مايغا) مع الطفلة اليتيمة، المتبناة بعد غرق عائلتها في عرض البحر أثناء الهجرة، وفي شخصية ناني، التي نالت بفضلها الممثلة المبتدئة ديبورا لوب ناني جائزة أفضل أداء نسائي باستحقاق، عن أدائها الصادق الذي يمزج خفّة الظل بألم فراق طفلتها، التي ظلت بكوت ديفوار. لالتزام الفيلم قضية المهاجرين، وطرحه السياسي والإنساني القوي، يدٌ في قرار لجنة التحكيم منحه الجائزة الكبرى، بعد أن ذهبت جُلّ التوقعات إلى تتويج "دائرة مستقيمة" بها.

 

الهوية والاختفاء

فيلم آخر تناول ثيمة الهوية، لكن من زاوية مختلفة: "بابا والقذافي"، وثائقي جيهان ك، الفائز بجائزة لجنة التحكيم، مناصفة مع "ذاكرة" للأوكرانية فلادلينا ساندو، عن مأساة اختطاف والدها منصور الكيخيا، وزير الخارجية الليبية (1972 ـ 1973)، ثم اغتياله من نظام العقيد معمر القذافي. سعت المخرجة، المقيمة بالولايات المتحدة، إلى لمّ شتات الذاكرة العائلية، وترسبات الحدث الأليم في نفوس والدتها وأختها وأخيها، ومحاولة فهم كيفية صنع رابط مع بلدها الأصلي، في ظلّ حقيقة أنها ترعرعت في غياب الأب، وفي بلد مختلف. اعتمدت على أرشيف فيديو عائلي مهم، يندر العثور عليه بسبب ثقافة العالم العربي، التي لا توثّق عادة سوى المناسبات الخاصة، كحفلات الزفاف والعقيقة وغيرها.

ما يصنع التأثير العميق، الذي يتركه الفيلم في نفوس المشاهدين، تباين مضمون أشرطة الفيديو، إذْ تظهر المخرجة، وهي تلهو مع أخيها في صباهما، بكاميرا فيديو، يرقصان ويلهوان، مع تعليق صوتي مؤثّر بشاعريته وطابعه الميلانكولي. ولعل المشهد البديع، الذي يقوم فيه الصبيان بتنفيذ خدعة اختفاء بسيطة أمام كاميرا الفيديو، نموذجٌ عما يلمس القلوب، بسبب إيحائه الخفي بقسوة اختفاء الأب من عالم الطفولة البريئة، التي لم يفنَ بعد مخزون دهشتها من العالم.

علاوة على أن الاختفاء ثيمة سينمائية صرفة، ندين لها بتحف مثل "اختفاء" لجون سليزر، و"المغامرة" لمايكل أنجلو أنتونيوني. هذا وثائقي يمزج الأنواع: فيلم حميمي يقتفي القصة العائلية، بورتريه أب بتتبّع محطات من مساره السياسي، وتوازياته مع القصة الكبرى للتاريخ الحديث لليبيا، وفيلم تحقيق يحاول فهم حيثيات هذه القضية الغامضة، عبر استجواب رفاق منصور الكيخيا وبعض ممن التقوه في اليومين السابقين لاختفائه، واستثمار وثائق أرشيفية، ومواد إخبارية، وفيديوهات مصوّرة، أبرزها الفيديو الشهير لسحل جثة القذافي إبان ثورة الربيع العربي، وهذه المحطة قررت جيهان ك. عدم التوقف عندها طويلاً، بغية الإخلاص لموضوعها، وعدم السقوط في الإثارة السهلة. بهذا، أحسنت فعلاً.

أما "ذاكرة"، أول وثائقي لساندو، المولودة بشبه جزيرة القرم، يصف نشأتها في ظل أصنام الأيديولوجيا الشيوعية، وعلى رأسهم لينين، انطلاقاً من اسمها الشخصي، الذي أُطلق عليها تيمّناً بزعيم الثورة السوفييتية، قبل انتقالها، في السادسة من عمرها، إلى غروزني، بعد طلاق والديها، فتنشأ وسط حروب الشيشان. تلتقط المخرجة أجواء الحرب والقتل بتدبير فني غني وكثيف، يمزج تعقيد المرجعيات المختلفة (كولاج، سينما تحريك، مسرح دمى)، ويتمثل ببراعة أحداثاً بسيطة من المعيش اليومي، بنَفَس بصري وصوتي مبتكر، عبر جمالية المبالغة، كصعوبة العثور على مواد العيش الأساسية، الذي يقودها إلى تعويض وجوه أفراد عائلتها في الصُور الشخصية بقطع خبز صغيرة، أو التعبير عن سذاجة إيمان والدتها بقدرات مُدرّب طاقة يقدّم برنامجاً تلفزيونياً، بصفّ عشرات حاويات ماء أمام شاشة التلفاز، لالتقاط الطاقة المنبعثة منه.

تلطّف ساندو من مأساوية الأحداث التي عاشتها بشاعرية تعليقها الصوتي، وتصوّر فني مُشع بالألوان والمرجعيات، التي تذكّر بأسلوب كريس ماركر، عبقري التمرين الوثائقي الفكري (Essai documentaire).

 

 

مخرجتان مختلفتان

شكّل عرض "زنقة مالقة"، للمغربية مريم التوزاني، موعداً مُفعماً بالمشاعر الإنسانية. رغم حضور فضاء الزقاق بدرجة متفاوتة في أفلامها، منذ فيلمها القصير "آية تذهب إلى البحر" (2015). يلعب زقاق مالقة بطنجة، كما يدل على ذلك عنوان الفيلم، دوراً هيكلياً في سرد الفيلم الطويل الثالث للمخرجة الطنجاوية. يتأثر سعي ماريا أنخيليس (كارمن مورا) إلى الحفاظ على المنزل، حيث عاشت منذ طفولتها، برابطها الروحي بالزقاق، وتبدو أجواؤه الصاخبة ومقاهيه الوحيدة القادرة على إنقاذها من عزلتها.

هذه أول تجربة للتوزاني مع كوميديا درامية صريحة، بعد لمسات فكاهة خفيفة في فيلمها الثاني "أزرق القفطان" (2022). ينبغي القول إنها وُفّقت فيها، خاصة في المشاهد التي تجمع ماريا بصديقة طفولتها الراهبة خوزيفا، لتفرغ عليها ما في قلبها، فيثير التباين بين المرجعية القدسية والطابع الجنسي لاعترافات ماريا ضحك الجمهور، خاصة أن خوزيفا لا تتلفّظ بأي كلمة، وتعبّر عن انزعاجها بلغة العينين والحركات. ومن نافل القول إن موهبة الممثلة الإسبانية الكبيرة حاسمة في الموضوع.

تفصح مريم التوزاني، مرة أخرى، عن قدرة لافتة للانتباه في التقاط لحظات إنسانية صادقة، سواء تلك التي تقتفي نشوء علاقة حميمة تجمع المرأة العجوز بعبد السلام، مقتني الأثاث العتيق (أداء مضبوط لأحمد بولان)، وتقاربهما الجسدي غير المكترث لوقع السنين على الأجساد العارية، أو لحظات عزلة ماريا في دار العجزة، أو بالمقبرة حيث تزور زوجها، فتؤطرها الكاميرا بطرف الصورة تعبيراً عن وحدة دفينة.

يجسّد "صديقي الصامت"، جديد المخرجة الهنغارية إلديكو إنييدي، المعروض في قسم "آفاق"، التوازن الأمثل بين الحسي والمفهومي، ما يمنح المشاهد تجربة سينمائية شاملة. المفهومي تقاطع وقصص ثلاث شخصيات من فترات زمنية مختلفة، مع شجرة مهيبة تضرب جذورها في حديقة مجاورة لجامعة، ورافده العلمي دراسة الخلايا العصبية، واستشعار ردود فعل النبات على الاستثارة. أما الحسي، فيرمي إلى استجلاء رابط غيرية قصوى مع الكائنات النباتية وتوازياتها، في علاقة البشر مع بعضهم البعض، مع سعي غريت، الطالبة الموهوبة والطموحة، إلى تجاوز التمييز ضد النساء في الحرم الجامعي، بداية القرن 20، أو التقارب بين شابة تنجز دراسة على زهرة "إبرة الراعي" (جيرانيوم) وشاب خجول التقته صدفة، أو سعي العالِم الباحث توني (توني ليونغ) في فترة كورونا إلى قياس حساسية الشجرة العظيمة لمؤثرات خارجية، كأنه يحدس عمق ما كانت شاهدة عليه في العصور الماضية.

في مشهد دال، تلجأ غريت بعد انسداد الأبواب في وجهها إلى مُصوّر فوتوغرافي رائد، لتطلب منه تدريبها لتصير مساعدته، فيقول في لحظة تجلّ عبارة، تجمل كل البرنامج الجمالي لهذا الفيلم الكبير: "هدف الفوتوغرافيا ليس أن تصف الواقع، بل أن تستكشف هشاشته".

المساهمون