من وادي السيليكون إلى الصين: التكنولوجيا تُسمّم عمّالها

28 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:21 (توقيت القدس)
مقرّ شركة فوكسكون في تايوان (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- صناعة الإلكترونيات تمتد من الصين إلى كاليفورنيا، ملوثة التربة والمياه ومسممة العمال. مهرجان "الرقمي في الضوء: واقع آخر" في باريس يسلط الضوء على الكلفة البشرية والبيئية لهذه الصناعة من خلال أفلام وثائقية.

- في الصين، يتعرض العمال لمواد كيميائية سامة، مما يؤدي إلى أمراض خطيرة. فيلم "ضحايا الهواتف الذكية" يتتبع قصص هؤلاء العمال ودور الناشطين في دعمهم.

- فيلم "الموت بالتصميم" يكشف عن تاريخ التلوث في وادي السيليكون، حيث تُركت ملوثات كيميائية خطيرة بعد انتقال المصانع إلى الصين.

من الصين إلى كاليفورنيا، تمتدّ صناعة الإلكترونيات على خطّ إنتاج واحد يعبر نصف الكرة الأرضية، لكنه يلتقي دائماً في نقطة مظلمة: تلويث التربة والمياه وتسميم العمّال الذين يقفون في الخطوط الخلفية لعالمنا الرقمي. هذا الوجه المنسي هو ما يسعى مهرجان "الرقمي في الضوء: واقع آخر" إلى كشفه عبر أفلام وثائقية عرضت الأربعاء والخميس (أمس وأول من أمس) في الدائرة الثامنة عشرة في باريس، بتنظيم جمعية Point de MIR وبشراكة مع وكالة البيئة والطاقة الفرنسية (Ademe)، في محاولة لتفكيك الأسطورة اللامعة التي تغلّف التكنولوجيا وتُخفي كلفتها البشرية والبيئية.
في الصين، يتجه ملايين المراهقين سنوياً من قراهم إلى المدن الصناعية، وينتهي كثير منهم على خطوط التجميع التابعة لمورّدي "آبل" في المناطق الاقتصادية الخاصة في غوانغجو وشنتشن. هناك أمضت المخرجتان هيذر وايت ولين زانغ ثلاث سنوات في تصوير فيلم "ضحايا الهواتف الذكية" الذي يتتبّع مسار فتيات وصلن إلى المصانع في الثامنة عشرة من عمرهن قبل أن يُصبن بسرطان الدم نتيجة تنظيف شاشات الهواتف آلاف المرات يومياً بمواد سامة مثل البنزين. لم يبلغن الخامسة والعشرين بعد، ولا يستطعن العودة إلى عائلاتهن اللواتي بذلن مدّخراتهن لإخراجهن من الفقر، خشية أن تتحوّل العودة إلى إعلان هزيمة لا يُحتمل.
ليس البنزين وحده ما يحكم على العمّال بالمرض. ففي مصانع فوكسكون في شنتشن، سُجلت 20 حالة لوكيميا، بينما شهد أحد مورّدي "آبل" حادثة تسمّم جماعي بسبب مادة n-hexane التي تسبّب شللاً واضطرابات عصبية وسقط ضحيتها 39 عاملاً في ورشة واحدة. في المقابل، يواصل خبراء الأمراض في سان فرانسيسكو التحذير من أن تصنيع هاتف واحد يتطلّب آلاف المركّبات الكيميائية، وأن أصغر شريحة إلكترونية يمكن أن تحتوي على عشرات ملايين الترانزستورات، ما يجعل الصناعة الإلكترونية في جوهرها صناعة كيمياء كثيفة الخطورة، بحسب ما يظهره وثائقي "ضحايا الهواتف الذكية".
داخل هذا المشهد القاتم يبرز يي ييتينغ، العامل السابق الذي أصيب باللوكيميا وانخرط في منظمة China Labor Watch. يُطارد الرجل باستمرار، يُمنع من العمل، ويُطرد من مكتبه مراراً، لكنه يواصل استقبال العاملات في الشارع على كراسيَّ بلاستيكية بينما يخوض جلسته الخامسة والثلاثين من العلاج الكيميائي. ورغم إعلان آبل عام 2014 وقف استخدام البنزين وn-hexane، يبقى السؤال معلقاً: من يتولّى التحقق؟ فوكسكون تنكر أساساً استخدام هذه المواد، فيما ظهر رئيسها السابق تيري غاو في الفيلم مهاجماً المنظمات الحقوقية ومتهماً إياها بأنها دمى بيد الغرب.
هذا الخط من التسمّم والأمراض يمتدّ حتى شنتشن، وليس إلا امتداداً لمسار بدأ قبل عقود في كاليفورنيا. يكشف فيلم "الموت بالتصميم" (Death by Design) شهادات عمّال من السبعينيات حين كان وادي السيليكون مركزاً لتجميع الإلكترونيات. من بين هؤلاء إيفيت فلوريس التي كانت تتعامل يومياً، من دون علم، مع محلول يحوي أكسيد الرصاص، قبل أن تلد بعد أربع سنوات طفلاً بإعاقة عقلية شديدة ظلت ترعاه طوال أربعين عاماً. ويشرح تيد سميث، مؤسس تحالف Silicon Valley Toxics Coalition في الوثائقي (عرض أيضاً في المهرجان)، أن صورة "الصناعة النظيفة" التي تسوّقها الشركات ليست سوى واجهة بيضاء تحمي الشرائح الإلكترونية، لا البشر الذين يصنعونها.
يسلّط الفيلم أيضاً الضوء على دراسات وبائية لاحقة كشفت نسباً مرتفعة من سرطانات الدماغ والثدي والجلد في مواقع تابعة لشركة IBM، وتقدّم أكثر من 200 موظف سابق بدعاوى في التسعينيات، قبل أن تُطوى القضية بتسوية مالية مطلع الألفية. ومع انتقال المصانع إلى الصين هرباً من تبعات الملف، تُرك خلفها إرث سامّ آخر: ملايين اللترات من المخلّفات الكيميائية المدفونة في خزانات تحت وادي السيليكون. ومع مرور الزمن، تسربت المواد إلى المياه الجوفية، فصُنّفت أراضي مصانع "إنتل" وIBM وHP السابقة مناطقَ  شديدةَ التلوثِ.

هذه القصص، الممتدة من ورشات شنتشن إلى أراضي سان خوسيه، جمعها المهرجان في باريس، ووضعها أمام الجمهور في مواجهة مباشرة مع الوجه المظلم للتكنولوجيا التي نستخدمها كل يوم. أفلام تفضح الكلفة الحقيقية للأجهزة التي نضعها في جيوبنا، وتعيد الاعتبار لعمّال خاضوا المرض والاضطهاد كي يستمر عالمنا الرقمي في العمل، بينما تُترك قصصهم عادة خارج إطار الصورة اللامعة التي تُسوّقها شركات التكنولوجيا.

المساهمون