من "الست" إلى "برشامة"... انتقادات حول الأفلام لا عنها

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 08:15 (توقيت القدس)
أمام دار سينما وسط القاهرة، 2 إبريل 2026 (خالد دسوقي/ فرانس برس)

تتحول الانتقادات الموجهة إلى الأفلام في أحيان كثيرة إلى أحكام ثقافية وأيديولوجية تتجاهل الفيلم نفسه، كما يظهر في الجدل حول "برشامة" و"الملحد" و"الست". فالنقد السينمائي الحقيقي، وفق هذا الطرح، يبدأ من الشريط وما يقدمه من نجاح أو إخفاق فني، قبل الانتقال إلى ما يحيط به من سياقات.

غالباً ما تبدو السينما والأفلام بمثابة سجل إنساني، أو لنقل أنثروبولوجي، للبلدان، بصرف النظر عن التعامل النقدي مع الفيلم نفسه بوصفه وحدة إبداعية قائمة بذاتها. لكن علاقة الجمهور بالسينما تتداخل مع الثقافة الجمعية وذائقتها، إلى حدّ أن يصبح الاستمتاع بالفيلم مشروطاً بموافقته السلوكيات والمسلّمات الثقافية الخاصة والعامة. وهنا يبدأ التقصير المعرفي الذي تكشفه منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتساوى الناقد والمنتقد، والرأي المدروس والانطباع المرتجل الذي يجد طريقه إلى جمهور يتلقفه بما يوافق هواه. والأخطر أن هذا النوع من الآراء لا يكتفي بالنقد، بل يصل أحياناً إلى المطالبة بمنع الأفلام، فيتحول الجدل حولها إلى دعاية مجانية لها، في ظاهرة تشبه الاحتجاج على الكتب والمؤلفات الذي ينتهي، للمفارقة، بزيادة مبيعاتها، مع بقائها موضع إدانة لدى الجمهور العريض.

هذه الظاهرة المعمول بها في بلداننا، التي تعتمد "الانتقاد" على النيات، أو على انتقاد المحتوى كما فسره الناقد/المنتقد، هي من خارج ما تعرضه الصورة السينمائية بوصفه منتوجاً مركباً من العديد من العوامل والمهارات "الإبداعية" التي تتجاوز رأي صناع الفيلم، أو تختلف مع تصريحات المخرج، أو مقاصد المنتج، أو توجهات الممثلين الدعائية، وإلى ما هنالك من عناصر هي من خارج الحقل المعرفي الذي يقدمه الفيلم. بمعنى انحراف السينما عن مقاصدها الإبداعية والجمالية، إذ تُحمّل مقاصد تربوية وتعليمية يجب عدم إغفالها، برأيهم، فهي من المقدسات الاجتماعية والوطنية التي لا تمس، مثل النظر إلى شخصية أم كلثوم مثلاً، إذ طاول النقد حتى مناسبة الممثلة منى زكي الدور، من باب مقارنة المكانات.

وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى تهافت هذا النوع من النقد الهجين، إن كان بعلاقته مع الانتقاد، أو بعلاقته بفهم السينما، وكذلك بعلاقته مع الشخصيات البشرية المبجلة. فنقد كهذا هادم للسينما بوصفها معرفة وفرجة، ولا يمكن اعتباره حلقة مكملة للفعل الإبداعي. والمسألة هنا ليست في الحق بالتعبير، بل بالصواب المعرفي الذي ينظر إلى الإبداعات من داخلها، وليس حسب احتياجات الناقد/المنتقد، التي تدعو صراحة إلى إعادة تصوير الفيلم حسب مزاجه، وليس حتى حسب منزلته المعرفية التي لا يمكن تقييمها. وعليه، فإن الهجوم الكاسح على الأفلام بهذه الطريقة يمكن حسبانه على خانة كارهي الفنون ورافضيها، عبر الحكم على الشخصيات وكأنها في الواقع وليست شخصيات درامية، أو عبر تصريحات طاقم العمل، أو عبر الرسالة التربوية التعبوية التي ترى في الفن حالة تدريس ووعظ، ما يفضي إلى جدل إعلامي فارغ لا يقترب من السينما والأفلام، بل يريد منها تنفيذ خطط خيرية حسب وجهة نظره.

في الآونة الأخيرة (وقد سبقتها حالات كثيرة في بلدان عدة)، طفا على سطح ضجيج منصات التواصل ثلاثة أفلام مصرية، أولها "الملحد" (2025)، وثانيها "الست" (2025)، وثالثها "برشامة" (2026).

في "الملحد"، انصبت الانتقادات/الاتهامات/الأحكام على اسم الفيلم نفسه، فاتُّهمت المفردة بالتطبيع مع الإلحاد والترويج له، بينما الفيلم بعيد كل البعد عن هذا الأداء المهلهل، إذ من يجرؤ في مجتمعات كهذه على تجاوز الخطوط الحمراء للسياق الثقافي العام؟ على التوازي، جاء الانتقاد لمؤلف الفيلم إبراهيم عيسى، بناءً على أدائه الإعلامي وتصريحاته، ومن ثم الدعوة إلى الخصومة الأيديولوجية مع المؤسسة الدينية، وكلها انتهاكات خطيرة تحت مسمى النقد. فالفيلم، بوصفه محتوى، في مكان آخر تماماً، وبوصفه سينما وتقنيات تعبيرها، يمكن تفكيكها وهتكها ومعايرتها ونقدها، ولعل المجريات التي طرأت على عملية عرض الفيلم تظهر مدى تأثير الرعونة والتبسيطية على سيرورة الفن.

الفيلم الثاني هو "الست"، وهو رؤية فنية لإحدى السير الذاتية التي رافقت حياة "كوكب الشرق" أم كلثوم. لكن هذا النوع من "النقد" حولها إلى مقدسة بالمعنى الوطني، وأصبح كل تماس معها هو تخريب للوطن ناتج من الإساءة المفترضة لشخصية "الست" بما يشبه الكفر أو الخيانة العظمى، بينما الفيلم في واد آخر، كونه جهداً فنياً بارعاً يستحق النقد بمعناه الحقيقي، وليس مجرد احتجاج على شغل فني قدم الحقيقة التي رآها، في وثائق ومرجعيات تخص كائناً بشرياً بعيداً عن رمزيته التي تشير إلى أن أم كلثوم لا يمكن أن تتكرر، وكأنّ مصر "مش ولّادة"!

أما "برشامة" فهو فيلم كوميدي للواقعية الاجتماعية المعاشة، يتكرر "النقد" من خارج الشريط السينمائي، مثل اتهام الفيلم بتبرير الغش في الامتحانات المدرسية، أو التشجيع عليه، وكأنّ الغش الامتحاني في بلداننا جميعاً غير موجود وفي الفيلم حالة استثنائية، مع أن الفيلم نفسه يدين طرائق العملية الفنية ويفضحها. ومرة أخرى يلاحق المنتقدون مفردات الحوار، لصنع خلافات دينية، بصيغ الشكوى للمؤسسات الدينية في تدخل سافر في حياة الناس ومعيشتهم بصيغ تهديدية، من خارج إطار التعامل مع الفن بوصفه نموذجاً لحرية التعبير، وحصره بإساءة الفهم والتعبير، وفي هذا تحطيم للعملية الفنية برمتها. وهذا كله أيضاً من خارج سياق الأفلمة والسينما، بينما ومن الناحية الفنية، "برشامة" فيلم متواضع يمكن تشريحه سينمائياً، وإظهار مكامن عدم المهارة فيه.

هنا يبدو لنا الأمر وكأن كل شيء خاضع للنقد/الانتقاد السينمائي، عدا الفيلم نفسه. فنحن أمام نقد انطباعي ثقافي عمومي، والفيلم ذريعة احتجاجية على كل ما لا يعجب هؤلاء المنتقدين. أما النقد السينمائي الحقيقي، فيبدأ من الشريط نفسه، وما فيه من نجاح وفشل في تقديم المواهب والمهارات، ثم ينفتح على الواقع.